وربما لهذا السبب قررت «شؤون الشباب» أن تظهر باسمها المجرد، من دون تابعية واضحة إلا عند الاضطرار. وتبعاً لذلك وجد زوار «معرض دمشق الدولي للكتاب»، الذي أُقيم في النصف الأول من هذا الشهر، أنفسهم أمام جناحين منفصلين؛ أحدهما لأمانة «الشؤون السياسية» والآخر يحمل اسم «شؤون الشباب» فحسب. وفي ظلّ غياب أيّ وثائق جدية تُوضح حدود عمل الجهتين لا بد من اللجوء إلى التداولات الشفوية الداخلية التي تقول إن مهمة مكتب «شؤون الشباب» هي تجهيز هذه الفئة العمرية للدخول في المعترك السياسي. وإذا كان هذا التحديد لا يكفي، فربما يُفيد رصد نشاطاته خلال المعرض، وهي الأبرز والأوسع منذ تأسيس المكتب، لاستقراءِ توجهاته. في البداية يُلحظ أن جناح «شؤون الشباب» حظي بضيوف من الصف الأول من وزراء ومحافظين ومدراء «الشؤون السياسية» ووفد من وزارة الدفاع والمستشار أحمد موفق زيدان، مما يدل على مكانته التي يعرفونها من أحاديث أروقة السلطة. بل إن «العميد أحمد دالاتي قائد أمن ريف دمشق» ألقى فيه محاضرة بعنوان «وعي الشباب ودورهم في بناء مستقبل مستقر» كانت أحد الأنشطة التي استقلت «شؤون الشباب» بتنظيمها، بعد محاضرة للمفكر الإسلامي الشهير عبد الكريم بكار عن «شباب جديد لسورية الجديدة…»، ومحاضرات أخرى في الاتجاه ذاته، وجلسة مع الداعية الأردني المعروف الشيخ علاء جابر. أمّا شبابياً فقد نظّم الجناح حواراً مفتوحاً مع «مؤثر» من حلب يدعى شنغين علي أوغلو، يجري التعريف به بأنه «فيزيائي فضاء ومقدّم ومعدّ برامج علمية»، ومحاضرة بعنوان «كيف تتجنب خداع الآخرين لك؟: المغالطات المنطقية في حوارات الشباب». وتم توقيع عدد من الكتب لمؤلفين/ات شباب/ات أكثرها من منشورات «دار نقش » وتحمل طابعها. وأُجريت مسابقات ورُسِمت لوحات لمناظر طبيعية وعُقدت مناظرات شعرية أسهم فيها أعضاء من وفود مكاتب «شؤون الشباب» التي قدِمت بانتظام من المحافظات. كما نُظِّمت جلسة حوارية مع مدير «شؤون الشباب» علي حلاق الذي يصف نفسه بأنه «مخرج أفلام وثائقية طويلة وسينمائية قصيرة، ومدرّس مادة الهويات البصرية في جامعة إدلب، وقائد الكثير من المشاريع الفنية في مختلف القطاعات الإعلامية والمجالات التخصصية». وتنفع قراءة سيرته نموذجاً لبعض مسؤولي الحكم الجديد.
ينتمي حلاق إلى أسرة متدينة من أحد الأحياء الشرقية لمدينة حلب. اعتقل والده قبل الثورة بتهمة تقديم دعم لوجستي لخط «المجاهدين» في العراق. ولذلك وجد علي نفسه في بيئة الثورة بشكل طبيعي، وفي فصائلها الإسلامية، منذ أن كان يافعاً فحمل الاسم المستعار «أسامة العلي» لعشر سنوات تخللها تهجير العائلة إثر سيطرة نظام الأسد على المدينة. وفي إدلب عمل في الإعلام، الحربي في بعض الأحيان، حتى وجد طريقه إلى الانخراط في إحدى المجموعات المرتبطة مع أبي عائشة (الوزير أسعد الشيباني حالياً) في مقهى «كتاب كافيه » الذي أنشأه الأخير كمعلم ثقافي، حيث عمل «أسامة» في المونتاج. وما إن افتَتَحت جامعة إدلب «كلية العلوم السياسية والإعلام » المحظية حتى صار بين طلابها. وكان قد أنهى سنته الثانية عندما سقط النظام وجرى استنفار الكوادر الموثوقة للمشاركة في بناء «الدولة». وفي مقدمة هؤلاء أتى أعضاء «إدارة الشؤون السياسية» كما كانت تُعرف، والعاملون في «كتاب كافيه»، أو في فريق (Creative Syrians) (المبدعون السوريون) الإعلامي الذين كان حلاق يتعاون معهم لإنجاز برنامج قصير باسم «ركن»، وطلاب «كلية العلوم السياسية والإعلام». وهي كلها بيئات متداخلة ومتشابهة.
ظهر الشاب العشريني، بعد أن استعاد اسمه الحقيقي وارتدى بدلة رسمية، في حلب بطبيعة الحال، مسؤولاً عن مكتب الشباب في فرع «الأمانة العامة للشؤون السياسية» المحلي، ثم انتقل لاستلام «شؤون الشباب» المركزية في العاصمة دمشق بعد أشهر قليلة. وفي الوقت نفسه كانت وزارة الإعلام قد سمّته، بعد أقل من ثلاثة أسابيع على التحرير، مندوبها في فريق «الهوية البصرية» حتى أصبح رئيسه ومتابع أعماله في إنجاز تصاميم العملة السورية الجديدة، والتنويعات المتعددة لشكل العُقاب للقطاعات المختلفة لوزارة الداخلية، والهوية البصرية لمحافظة حلب، وسواها مما يعدّه الفريق «ضرورة سيادية».
خلال الأشهر التالية، استكملت «شؤون الشباب» فروعها في المحافظات؛ ريف دمشق وحلب وإدلب وحمص وحماة ودرعا واللاذقية وطرطوس ودير الزور، ونظّمت مؤتمرات شبابية، ونافست اتحاد الطلبة الذي يقوده متنفذ آخر، وتشاركت مع منظمات مجتمع مدني في برنامج لإعداد «قادة الفرق التطوعية» في ثلاثة أيام ألقى فيها حلاق إحدى المحاضرات، وبرنامج «ومحياي» الذي تضمن 30 ساعة من التدريب «لطالبات الجامعة الباحثات عن مفاتيح الحياة» على حد تعبير منظِّمته الدكتورة خولة رشيد عيسى، ابنة الإخواني الحموي البارز الراحل التي عادت إلى البلاد مؤخراً. وقد تنقّل البرنامجان في البلاد باعتبارهما برنامجينِ وطنيين وضعهما مكتب «شؤون الشباب» ضمن «خطته الشمولية» على حد تعبيره. في حين حرص، عندما نظّم ملتقى «وجهتك الأكاديمية» لمساعدة الطلاب الحائزينَ على الشهادة الثانوية حديثاً في اختيار تخصصهم الجامعي، على مشاركة وزارة الدفاع التي عرضت على الشبان الانتساب إلى إحدى كلياتها، «في تجسيد حي لقيمة التكامل بين المؤسسات» وفق الإعلان.
تحفل ذاكرة أبي عبيدة بأسماء الشهداء وصور القصف ومعالم البؤس، ولذلك يمارس الآن «عزة المنتصر». وبحسب من تعاملوا معه لا يبدو ليناً تجاه سوريا الأخرى التي كانت تحت سيطرة الأسد، فضلاً عن خصوم النظام الجديد. فهو يقول إنه يعدّ «خطاب الاستعلاء الذي يقدمه فخامة الرئيس القائد أحمد الشرع مدرسة في السلوك والسياسة الشرعية»!
-------------
الجمهورية نت