تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

نحن وحاييم والماضي المستمر

13/08/2026 - يوسف بزيا

داخل مكتب الرئيس 11

01/08/2026 - سامر حبيب

المتسابق الأخير

31/07/2026 - رضوان الأطرش


في «شيطنة» اللغة الفرنسية و«مديحِ» الإنكليزية؟






العنوان يحيل إلى موقف مسبق يفترض الشيطنة كلها في اللغة الفرنسية، والخير كله في اللغة الإنكليزية، مع أن الحقيقة اللغوية والتاريخية شيء آخر. السؤال الكبير الذي يصدمنا أولاً قبل أن نتوجه به نحو الآخر: ماذا فعلنا باللغة الفرنسية التي ظلت حاضرة وما تزال في ثقافتنا ومعاملاتنا؟ وماذا سنفعل باللغة الإنكليزية؟ بل ما ماذا فعلنا بلغتينا الوطنيتين المعترف بهما دستورياً: العربية والأمازيغية؟


 
أصبح الإنسان يجد صعوبة كبيرة في المساهمة في النقاشات أو فتحها على آفاق أكثر اتساعاً، الواقع الثقافي الوطني أصبح يسير بالمسلمات الجاهزة، وكثيراً ما تكون ذات مرجعيات ذاتية بحتة تجد حمايتها في مواكبة الخطاب الرسمي بدل مناقشته مساجلته. المناخ العام ليس سليماً، لأن المطلوب منك التسليم بما تم تطبيقه دون أي استشارة. [أدِّ وإلا خَلِّ] كما يقول باعة الخضر والفواكه الجوالون بين العمارات؛ فهم سادة الأمكنة، يعرفون سلفاً أنه لا خيار لك إلا بقبول الثمن الذي يفرضونه عليك. ومع ذلك، من الصعب الصمت على خطابات عشناها منذ استقلال البلاد دون أي حل. نفس الطاحونة التي عندما لا تجد ما تطحنه، تأكل أخير أبنائها وأنبلهم، والمتغير الوحيد هو الخطاب الذي ترسمه موازين القوى المتحركة والمتماوجة باستمرار.
دون الدخول في المسبقات الجاهزة التي تحكمها الأيديولوجية أو الخطاب الرسمي عادة، وينميه المستعاشون الذين يرسمون الدوائر التي تجب الحركة داخلها، وإلا ستجد نفسك في «البلاك ليست». منذ الاستقلال، ظلت الأمور مضبّبة وعائمة في المسألة اللغوية، وهو ما يقول به كل المتخصصين في هذا المجال والذين تنعدم استشارتهم وكأن كل ما بذلوه على مدار السنوات لا قيمة له. لهذا ينعدم التراكم، ولهذا أيضاً تموت الجهود السابقة ونبدأ من الصفر وكأننا اكتشفنا البارود لأول مرة.
مع أن ما يحدث اليوم في التعامل مع اللغة الفرنسية هو عبارة عن «ريمايك» (استعادة) لما عشناه لغوياً قبل أكثر من نصف قرن. ومر عبره وزراء عديدون خرج أغلبهم حينما فتحوا النقاش، من الأبواب الضيقة؛ لأنهم وجدوا أنفسهم أمامهم جيش عرمرم لا يناقش ولكنه يسلم بالأمر وأحيانًا بالعاطفة ويتهم، مع أن المسألة تتعلق بمصائر أطفال مقدمين على تحمل مسؤولية بلد موجود وسط الأطماع وأخطر التجاذبات الدولية.
ما نلاحظه اليوم هو أن «استبدال» اللغة الفرنسية باللغة الإنكليزية، لم يأت كخيار لغوي استراتيجي حقيقي ودروس، الهدف من ورائه الحد من الهيمنة اللغوية الفرنسية، وتمكين اللغة العربية بوصفها اللغة الوطنية المتفق عليها دستورياً أو إعادة الاعتبار الحقيقي للغة الأمازيغية. الموضوع محكوم بسلسلة من المسبقات هي في صلب الخلافات السياسية الفرنسية – الجزائرية، التي تنقص من قيمة الفعل من الناحية الفكرية والحضارية، وتربك الخيار. وهذا يعني أنه بمجرد توقف الخلافات تعود «ريمة لعادتها القديمة». الخيارات اللغوية لبلد من البلدان لا تحكم بالسياسة وحدها والقرارات المتسرعة، ولكن بالاستراتيجيات الفعالة وماذا نريد أن نفعل بجيل قادم سيكون منوطاً بمسؤوليات قادمة كبيرة، وكيف نمكنه باللغة الإنكليزية ومعارفها.
الذي لا شك فيه، ولأسباب تاريخية معروفة، أن اللغة الفرنسية متغلغلة في الكيان اللغوي الوطني، ولا يمكن سحبها بقرار جاهز دون خلق فجوة كبيرة في تسيير شؤون البلاد؛ فهي جزء من آلة التفكير العام جزئياً أو كلياً، في العائلات، في الخدمات اليومية، البنوك، المكاتب المتخصصة، البريد وخدماته، حتى ملء الشيك، الإدارة العامة، جزء كبير من الفعل الثقافي والفكري الوطني، في المطارات، شركات التأمين عموماً… وغيرها. اللغة الفرنسية تتجاوز الوضع الاعتباري le statut للغة الأجنبية. من دون تلفيق، يمكننا أن نقول إنها في الحالة الجزائرية، من حيث الاعتراف بها، أقل من لغة وطنية، وأكثر من مجرد لغة أجنبية. رصيد حضورها قوي. فإذا كانت اللغة الفرنسية هي لغة كبار القتلة الاستعماريين أيام المقاومة الوطنية والثورة التحريرية، مثل بيجار، وبليسيي، وأوساريس، وغيرهم من الذين تفاخروا في مذكراتهم بقطع الرؤوس وحرق قبائل بكاملها في مغارات الموت، فهي أيضاً لغة الذين تركوا حياتهم من أجل هذه الأرض، موريس أودان، إيفتون الذي أعدم بالمقصلة كما زبانة، أبطال حملة الحقائب الذين عرضوا حياتهم للخطر، وفرانس فانون، وغيرهم. وفي ظل الحرب الاستعمارية الضروس ضد اللغة العربية كانت هي وسيلة تعبير جيل من المثقفين الجزائريين للدفاع عن وطنيتهم وإنسانيتهم، مثل كاتب ياسين، ومحمد ديب، وآسيا جبار، ومالك حداد، والطاهر جاووت، ورشيد ميموني، والطاهر جاووت، وياسمينة خضراء وغيرهم كثيرون. وهي اللغة التي ناقش بها ممثلو الحركة الوطنية وعلى رأسهم كريم بلقاسم، بنود اتفاقيات إيفيان التي أفضت إلى استقلال الجزائر. لحظتها، خرجت اللغة الفرنسية عن كونها لغة المستعمر فقط، ولكنها أيضاً اللغة التي يفهمها. لم يكن وقتها الرهان لغوياً، ولكن براغماتياً.
هذه الشحنة التاريخية والزمنية ثقيلة ومن الصعب تركها بسهوله كما لو أنها لم تكن، فهي تواجهك كل صباح في الإذاعة الوطنية أو التاكسي، ربما كان السؤال الأجدر، في اعتقادي، كيف نحول هذه اللغة إلى وسيلة إيجابية للدفع باللغة العربية والأمازيغية نحو الانفتاح على عالم أكثر إيجابية وغنى وشمولية. يجب ألا تظل رهينة الخطاب الإيديولوجي المتحرك ولا قيمة علمية أو استراتيجية له.
وهنا، على مؤسسات الدولة أن تكون أكثر وضوحاً في خياراتها. نريد اليوم أن نخرج اللغة الفرنسية من دائرة التعلم اللغوية الابتدائي، ونضع مكانها اللغة الإنكليزية بوصفها لغة عالمية، كما سبق أن اقترحت الجبهة الإسلامية في التسعينيات وغالبية التيار المحلق حولها، ليكن. لا مشكلة. كم مدرسة ابتدائية في الجزائر؟ كم من طفل متمدرس؟ هل فتحنا ورشات التكوين للشرح بهذا الاتجاه؟ ونقوم بما قام به اللبنانيون مثلاً. زاوجوا التكوين اللغوي، والحاجة البراغماتية جعلتهم يحافظون على اللغة الأجنبية المكتسبة، الفرنسية، وانفتحوا على اللغة الإنكليزية التي ذهب عدد كبير من الشباب نحوها. فوجئت في بيروت بحضور الإنكليزية كلغة الحياة الاقتصادية، لغة أنيقة ومتخصصة ودقيقة. كيف سنعطي لأبنائنا لغة إنجليزية لم يكوّن عليها المعلم نفسه بيداغوجياً. قبل الانتقال نحو الإنكليزية، كان هناك تكوين حقيقي باللغة الإنكليزية دون القطيعة العنيفة مع اللغة الفرنسية التي ما يزال حضورها قوياً في لبنان على سبيل المثال. هذا حل من الحلول الذي لا يفقد البلاد ميراثاً ثقافياً كبيراً وطنياً وإنسانياً، علينا أن نستثمره بأكثر الإشكال جدوى. المشكلة ليست في الخيارات؛ فهي قابلة للنقاش، ولكن في الاستراتيجيات المستعملة للوصول إلى هدف (غير واضح حتى اللحظة باستثناء خطاب الشيطنة السياسي) المنظومة التربوية أكبر من كل الأمزجة والخطابات السياسوية. لهذا، بدل القرار الوزاري المنفرد، يجب إشراك الفاعلين اللغويين المتخصصين والبيداغوجيين، وهم كثر، في فعل وطني يهمّ مستقبل أبنائنا ووطننا أيضاً. كل ما نسمعه هنا وهناك هو خطاب سياسي مؤدلج لا قيمة معرفية له، لا يقدم أي مضمون حقيقي.
--------
القدس العربي


واسيني الأعرج
الاحد 16 أغسطس 2026