تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

عن تفكك سوري راهن

13/09/2026 - راتب شعبو

نحن بحاجة إلى عقلية التسوية

11/09/2026 - أحمد عسيلي

عودة الاستبداد

09/09/2026 - فوّاز حداد


البناء فوق مسرح جريمة..أدلة جديدة على إعدام معتقلين والتخلص من رفاتهم في مطار المزة العسكري






يشكّل الإعلان الأخير عن خطط السلطات السورية لإعادة تطوير مطار المزة العسكري وتحويله إلى مطار مدني تجاري تهديدًا لأدلة قد تكون بالغة الأهمية في البحث عن المفقودين. وكما وثّق المركز السوري للعدالة والمساءلة سابقًا، أصبح مطار المزة العسكري، خلال النزاع السوري، جزءًا محوريًا من منظومة الإخفاء القسري، بعدما بدأت إدارة المخابرات الجوية باحتجاز آلاف المعتقلين بمعزل عن العالم الخارجي لسنوات متواصلة في سجون مؤقتة. وبين عامي 2023 و2024، حصل المركز، بالتعاون مع رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، على شهادات من شهود داخليين، وصور أقمار صناعية مفتوحة المصدر تشير إلى أن رفات معتقلين لدى المخابرات الجوية جرى التخلص منها في المطار، على الأرجح بعد إعدامهم تنفيذًا لأحكام صادرة عن محاكم الميدان العسكرية. وفي منتصف عام 2025، وبعد تشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين، أبلغ المركز السلطات السورية باحتمال وجود مقابر جماعية في موقعين تقريبيين ضمن محيط المطار. وحثّ المركز على حماية هذين الموقعين على نحو كافٍ لتجنب العبث بأدلة جنائية قد تساعد في تحديد هوية أي رفات بشرية يُعثر عليها فيهما


 

ومنذ ذلك الحين، واصل المركز جمع وتحليل الوثائق المتعلقة بمطار المزة العسكري، بما في ذلك وثائق للمخابرات الجوية وصور أقمار صناعية من مصادر مغلقة. بل وحصل على أدلة أقوى تشير إلى أن بعض المعتقلين قُتلوا ودُفنوا في المطار خلال النزاع السوري، وتحديدًا في الفترة الممتدة، على الأقل، من أواخر عام 2012 حتى منتصف عام 2015. ومن ثم، يظل من الأهمية بمكان حماية مواقع المقابر الجماعية المبلّغ عنها وإجراء تحقيق شامل فيها قبل تنفيذ أي عمليات محددة لاستخراج الرفات، وهو ما قد يصبح ضروريًا إذا تعذّر وقف خطط إعادة تطوير مطار المزة العسكري.

ومن أقوى الأدلة التي حصل عليها المركز بين كانون الأول/ديسمبر 2024 وكانون الثاني/يناير 2025، سلسلة من وثائق حكومة الأسد التي احتفظ بها في مطار المزة العسكري. تُظهر هذه الوثائق، التي يتضمن معظمها مراسلات مع جهات تابعة للمخابرات الجوية ولذلك كانت محفوظة في المطار، كيف ولماذا أصبح مطار المزة العسكري موقعًا لإعدام المعتقلين.

ففي 3 تشرين الأول/أكتوبر 2012، أوصت شعبة التنظيم والإدارة وزير الدفاع بنقل إجراءات تنفيذ أحكام الإعدام بحق المعتقلين الذين حكمت عليهم المحاكم الميدانية العسكرية بالإعدام من سجن صيدنايا إلى مقر إدارة الشرطة العسكرية في حي القابون بدمشق، أو إلى مطار المزة العسكري. وأوضح رئيس شعبة التنظيم والإدارة أنه، رغم محاولات الحد من تسريب المعلومات، أصبحت تفاصيل مواعيد ومسارات تنقل اللجان الأمنية من دمشق إلى سجن صيدنايا للإشراف على جلسات المحاكم وعمليات الإعدام معروفة للعامة. ولتقليل خطر تعرّض اللجنة الأمنية لهجمات مباشرة، اقترحت الشعبة مطار المزة العسكري موقعًا بديلًا لتنفيذ الإعدامات الميدانية، "نظرًا لكونه مجمّعًا أمنيًا مغلقًا يقع مباشرة بجوار المدينة". وتشير هذه الوثيقة إلى أن وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان العامة وافقا على أن المطار ومقر إدارة الشرطة العسكرية يصلحان كلاهما ليكونا موقعين لتنفيذ إجراءات الإعدام.

وبعد عدة أيام، أوصى قائد القوى الجوية والدفاع الجوي، بصورة أكثر تحديدًا، باعتبار ميدان رماية خاضع لسيطرة المخابرات الجوية في مطار المزة العسكري موقعًا مناسبًا لتنفيذ الإعدامات الميدانية. وتشير ملاحظات مكتوبة بخط اليد على هذه الوثيقة إلى أن وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان العامة وافقا أيضًا على هذا الاقتراح.

وخلال الشهرين التاليين، نسّقت شعبة التنظيم والإدارة مع إدارة المخابرات الجوية وإدارة الإمداد والتموين الجوي لترتيب أعمال الإنشاء الفعلية لموقع مخصص لتنفيذ الإعدامات الميدانية.

 وأشارت مراسلاتها الأولية مرة أخرى إلى ميدان رماية في المطار بوصفه الموقع الذي ستُنفذ فيه الإعدامات، كما أشارت إلى إجراء جولات ميدانية في الموقع بحضور فرع المهام الخاصة التابع للمخابرات الجوية.

لكن بحلول أوائل تشرين الثاني/نوفمبر 2012، كانت هذه الجهات قد استقرت فيما يبدو على موقع داخل مطار المزة العسكري يختلف عن ميدان الرماية. وتشير مذكرة صادرة عن رئيس إدارة المخابرات الجوية إلى أن حظيرة طائرات تقع مباشرة بمحاذاة الطرف الغربي لمدرج المطار كانت مخصصة لاستخدامها في تنفيذ الإعدامات. وأوصى عناصر من شعبة التنظيم والإدارة ببناء منصة كبيرة يبدو أنها تتألف من كتل خرسانية بارتفاع 10 أمتار ترتكز على أعمدة دعم بارتفاع 3 أمتار. كما طُلب حبل من النايلون، مع أن الوثيقة لا توضح الغرض من استخدامه؛ وبالنظر إلى أن وثائق أخرى لحكومة الأسد، فضلًا عن شهود داخليين، تشير إلى تنفيذ إعدامات شنقًا، فمن المحتمل أن الحبل طُلب لهذا الغرض. وفي الوثيقة نفسها، أوصى مدير المخابرات الجوية بأن تتولى كتيبة إنشاءات المطار تنفيذ بناء المنصة فعليًا تحت إشراف فرع المهام الخاصة التابع للمخابرات الجوية، و"بأقصى درجات السرية".

وتعود آخر وثيقة ذات صلة في قاعدة بيانات المركز إلى أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2012، وتتضمن ما يبدو أنه مذكرة داخلية للمخابرات الجوية تطلب مواد البناء المشار إليها أعلاه.

لا تشير أي من الوثائق المذكورة أعلاه صراحةً إلى وقوع عمليات إعدام فعلية في مطار المزة العسكري، بل تتعلق جميعها بالخطوات التي اتُخذت تمهيدًا لتنفيذ الإعدامات الميدانية. غير أن المعلومات تتطابق تمامًا مع شهادات شهود من داخل المخابرات الجوية كان المركز قد جمعها وحللها سابقًا بالتعاون مع رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا. وكما ناقش المركز في تقريره المفصل عن مطار المزة العسكري وعمليات الإخفاء القسري التي نفذتها المخابرات الجوية، كان ضابط سابق في فرع المهام الخاصة قد حدّد في عام 2024 حظيرة طائرات عند الطرف الغربي من مدرج المطار بوصفها المكان الذي عُقدت فيه محاكمات المحاكم الميدانية العسكرية. وذكر الشاهد نفسه أن عمليات إعدام نُفذت داخل الحظيرة، وأن رفات المعتقلين كانت تُدفن أحيانًا باستخدام آليات ثقيلة في مقابر جماعية بجوار الحظيرة قبل طمس معالمها. [1] 

وخلال زيارة محققي المركز لمطار المزة العسكري في أواخر عام 2024، حدّدوا في البداية مكانًا يقع على مسافة نحو 150 مترًا إلى الشمال الشرقي من الحظيرة باعتباره موقع مقبرة مزعومة. لكن أثناء زيارة أخرى لمحيط المطار بحضور ضابط سابق في فرع التحقيق التابع للمخابرات الجوية في أواخر عام 2025، حدّد محققو المركز موقعًا آخر على امتداد محيط المطار يبعد نحو 300 متر. ووصف الشاهد أنه شاهد حفّارات تعمل بصورة متكررة على امتداد محيط المطار بعد عام 2014، كما سمع أن معتقلين لدى المخابرات الجوية دُفنوا في هذه المنطقة من المطار. وتُظهر صور الأقمار الصناعية مفتوحة المصدر بوضوح أن أعمالًا ترابية عسكرية واسعة النطاق بدأت تُحفر منذ عام 2013، بما في ذلك ما يبدو أنها خنادق دفاعية على امتداد المحيط الجنوبي؛ ويُرجّح أن هذه الأعمال أُنشئت في سياق تصاعد الاشتباكات بين قوات حكومة الأسد وجماعات المعارضة في ضاحيتي داريا ومعضمية الشام القريبتين. لكن عند فحص صور أقمار صناعية من مصادر مغلقة للمنطقة، رصد المركز ظهور أكثر من 30 ردمًا ترابيًا بعرض يقارب مترين وطول يقارب 6 أمتار بين أيلول/سبتمبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2014، قبل تسويتها مع الأرض بحلول آذار/مارس 2015 واستبدالها بساتر ترابي بحلول حزيران/يونيو 2015. ولا تشبه هذه الردوم الأعمال الترابية العسكرية التي كانت تُحفر خلال الفترة نفسها، مثل الخنادق والسواتر الترابية. وعلى الرغم من أن المركز لا يستطيع نشر صور الأقمار الصناعية من المصادر المغلقة علنًا، فإن معالم الردوم المعنية المغطاة بالثلوج تظهر إلى حد ما في صور متاحة للعامة من كانون الثاني/يناير 2015 على موقع (غوغل إيرث)، كما يظهر الساتر الترابي الذي حُفر لاحقًا في مكانها:

 
 

 

في الخريطة أدناه، حدّد المركز موقع هذه الردوم باسم "موقع المقبرة المزعومة 1 في مطار المزة العسكري" (الإحداثيات: 33.472572، 36.216686)، باعتباره موقعًا منفصلًا عن "موقع المقبرة المزعومة 2 في مطار المزة العسكري"، المجاور للمبنى الذي كان يضم سابقًا فرع التحقيق التابع للمخابرات الجوية. وكما نوقش في تقرير المركز لعام 2025، علم المركز بالموقع الأخير (الإحداثيات: 33.4842605، 36.2227397) من خلال ضابط سابق في فرع التحقيق التابع للمخابرات الجوية كان قد شارك شخصيًا في حفر خنادق داخل حديقة قريبة من المكان الذي جُمعت فيه رفات معتقلين لدى المخابرات الجوية. [1]  ويعتقد المركز أن كلا الموقعين قد يضمّان رفات معتقلين قُتلوا خلال عمليات إعدام ميدانية، بخلاف أولئك الذين توفوا تحت التعذيب ثم نُقلوا إلى المشافي العسكرية لدفنهم من قبل إدارة الخدمات الطبية العسكرية (وهو موضوع سينشر المركز بشأنه خلال الأشهر المقبلة).

وبصورة إجمالية، ومن خلال الجمع بين المعلومات الواردة في الوثائق وشهادات الشهود، تمكّن المركز من تحديد موقع ميدان الرماية الذي طُرح في البداية كموقع لتنفيذ الإعدامات الميدانية، وكذلك الحظيرة التي يبدو أن عمليات الإعدام نُفذت فيها بالفعل. كما حدّد المركز في الخريطة أدناه موقعي المقبرتين المزعومتين.

 

ومع وجود حاجة إلى مزيد من التحقيق للتثبّت بصورة كاملة من النتائج المعروضة هنا وفي تقارير أخرى للمركز، فإن هناك عدة نقاط تستحق التأكيد عليها.

أولًا، سبق للمركز أن نشر معلومات عن حوادث مزعومة تتعلق بالتخلص من رفات بشرية في مطار المزة العسكري، بما في ذلك رفات معتقلين لدى المخابرات الجوية، ومن ذلك ما نشره في شباط/فبراير 2025.

وفي آب/أغسطس 2025، حثّ المركز السلطات السورية المعنية على حماية مواقع محددة يُحتمل ارتباطها بالرفات.

وواصل المركز التحقيق في الحوادث المزعومة المتعلقة بقتل معتقلين والتخلص من الرفات في مطار المزة العسكري، وتمكّن من تحديد المواقع موضع الاهتمام بدقّة أكبر منذ عمله الأولي على هذا الموضوع في عامي 2024 و2025.

وقد شارك المركز معلومات جديدة مع السلطات المعنية على أمل اتخاذ تدابير لحماية المواقع موضع الاهتمام في مطار المزة العسكري من أعمال البناء أو إعادة التطوير أو الحفر أو أي أشكال أخرى من العبث.

إن أي عمليات محددة لاستخراج الرفات، قد تصبح ضرورية إذا مضت خطط إعادة تطوير المطار قدمًا، ينبغي ألا تُنفَّذ إلا بعد وضع وتنفيذ خطة تحقيق منسقة لهذه المواقع.

وينبغي أن تشمل مثل هذه التحقيقات عائلات المفقودين، ومنظمات المجتمع المدني التي تمتلك معرفة تفصيلية بحالات الاختفاء ذات الصلة، وجهات الطب الشرعي القادرة على العمل ضمن إطار موحد لأنثروبولوجيا الطب الشرعي. فمن خلال هذا الإطار وحده يمكن الحفاظ على الصلة بين الرفات مجهولة الهوية وحالات الاختفاء ذات الصلة والتحليلات الجنائية اللاحقة، بما يتيح التوصل إلى تحديد هويات أصحاب الرفات.

[ [1] ]url:https://storymaps.arcgis.com/stories/20d43d0e92834dfa8669b33ca3b53e9f#_ftnref1 مقابلة أجرتها رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا مع الشاهد IR، 30 أيلول/سبتمبر 2024.

[2] مراسلات المركز السوري للعدالة والمساءلة مع الشاهد AJ، 19 كانون الأول/ديسمبر 2024.


المركز السوري للعدالة والمساءلة
الاثنين 28 سبتمبر 2026