في ليبيا... أطفال ومراهقون وقود الحربِ، وأكبر الخاسرين



طرابلس -- كانوا صغاراً ... بعضهم لم يبلغ الثامنة حين دقت طبول الحرب في ليبيا عام 2011، وبعد ثمان سنين من استمرار القتال، صاروا بعضَ وقودِها ومن يتقدّم الجبهات، فرحين باللعبة التي لم يعرفوا غيرها حين ترعرعوا في أتون فوضى عصفت ببلادهم، ولم تشأ السكون.


وفي الرابع من نيسان/ أبريل2019 اندلعت حرب أخرى، من النوع الأكبر هذه المرة، وعلى تخوم عاصمة البلاد ذات المليوني نسمة وأكثر، قُتِل المئات، بينهم الكثير من الأطفال، ولكن المفاجأة هي أن من قُتِل من المراهقين المقاتلين كان أكثر، والأكثر، هم من وقعوا في الأسر .. اعتبر البعض ذلك نتيجة طبيعية للفوضى، وتساءل الغالبية عن السبب ... بدت الحرب كثقب أسود لعين، يجذب الجميع إلى النهاية، حتى النجوم الولِيدة المقبلة على الحياة. و بعد نهاية أول يوم من القتال، ومع شهيق الصباح، بدأت الفضائيات ووسائل التواصل في بث صور الأسرى، كان بينهم مراهقون لم يبلغوا السادسة عشر، وعُرِضت في لاحق الأيام صور القتلى منهم والجرحى. كان الزّج بالمراهقين في الحرب سهلا بسبب المغريات المادية كما يبدو في الغالب، ولكن الأسهل كان قتلهم واصطيادهم كأسرى، ولعل الرعونة والاندفاع وقلة الخبرة هي السبب، ولكن الأخطر كما يظهر "أنهم تعلموا مبكِّراً الاصطفاف مع من معهم، وكراهية من ضدهم". وفي نبرة اندهاش، قالت إحدى معلمات الصف الأول ابتدائي في منطقة حي الأندلس بطرابلس لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب .أ): "في فسحة مع دردشة منحتها للتلاميذ بعد انتهاء الدرس، لم أصدق نفسي حين سمعتهم يرددون أسماء قادة المعارك من كل أطراف الصراع الليبي ويشجعون بعضهم ويتقمصون شخصياتهم". تضيف المعلمة التي رفضت ذكر اسمها قائلة: "بدا في أعينهم شغف الحرب مع إعلان حبهم وولائهم لأحد الأطراف، أنا متأكدة أنهم يرددون ما سمعوه من آبائهم في البيوت، دون فهمٍ لما يجري". كان الحديث السابق في شهر نيسان/ إبريل الماضي، وقبل أن تغلق المدارس خلال شهر"رمضان" الذي وافق أغلب شهر أيار/مايو وأول حزيران/ يونيو، فبعد إيقاف الدراسة بضواحي طرابلس الجنوبية منذ بدء المعارك ، أعلنت وزارة التعليم بحكومة الوفاق إيقافها في عموم البلاد لأكثر من شهر. في تلك الفترة، تم استغلال بعض المدارس كمراكز إيواء نازحين من الحرب ... وجد الكثير من التلاميذ أنفسهم مع أبويهم داخل فصول دراسية، في مدراس سيئة المرافق، كحال أغلبها في ليبيا .. بعضهم اضطر للعمل من أجل المساعدة في إعالة الأسرة "بحسب ما أوردته تقارير إخبارية". بعد إعلان عودة الدراسة، لم تستطع بعض المدارس استقبال التلاميذ بسبب استمرار وجود نازحين داخلها، ما دفع لتخبط في مواعيد الدراسة والامتحانات، وأجبر السلطات على إخراج النازحين من المدارس، وخلق هذا أزمة أخرى دفع النازحون الأطفال ثمنها الأعظم. يقول شعبان أحمد وهو مدير مدرسة ابتدائية بطرابلس لـ (د.ب. أ): "مزاج الأطفال أصبح خليطاً من العدوانية واللامبالاة ... نشاهدهم يتشاجرون بعنف، وحين نتدخل كإدارة ونسألهم عن السبب، يقول الأطفال (كنا فقط نمزح)". ويرى المدير أن الجيد في الأمر هو "عدم وجود العنف بين البنات ". تقول الناشطة والمهتمة بشؤون الطفل "امباركة عدالة": "إن أي تأثير على ظروف معيشة وتعليم الطفل ينعكس على مستقبله، وبالتالي مستقبل بلاده، وما نزرعه فيهم اليوم سنحصده مضاعفاً في الغد، ولهذا، يجب ألا نستهين بعقول الأطفال، فهي تخزن كل شيء". تضيف قائلة لـ (د .ب. أ): "الكثير من الآباء يتحدثون عن فضائع الحرب أمام أبنائهم ويشاهدون معهم أخبارها على التلفاز وبمواقع التواصل التي تنقل أحياناً صور القتل والتعذيب ... للأسف، لا يعي الكثير من الكبار الآثار السلبية للحرب على أطفالنا، حتى ألعابهم عبارة عن مسدسات وقنابل بلاستيكية، وحين ينمون قليلاً، ومع أول هاتف ذكي قد يأتي كهدية أو كإعارة من الوالدين أو الإخوة الكبار، يدخل الطفل براح الألعاب التي تأجج الثقافة العدوانية، والشغف والمعرفة بشؤون الحرب والقتال". تكمل قائلة: "نريد أطفالاً يشعرون ويتنعمون بالسلام، ولا يحملون في قلوبهم حقداً على أحد، وأنا أدعو كل المنظمات المعنية أن تسخر إمكانياتها لإدراك ما يمكن إدراكه، فالأمر خطير، لقد تحول بعض أطفالنا لقنابل موقوتة". يقول أحد سكان طرابلس لـ (د.ب. أ): "ابني ذو الثلاثة عشر عاماً يحدد أنواع الأسلحة التي نسمع أصواتها عندما تبدأ الاشتباكات، والغريب أنه يصرح بمعرفته بها في لهجة افتخار، ولسان حاله يقول: لقد كبرت يا أبي". لقد أبدى الأب خوفاً واضحاً على مستقبل ابنه، فليس أخطر من أن يظن الطفل أن معرفته بصنوف القتل والقتال صارت مقياساً للرشد. يبدو أن الشعور بالخوف الذي تم رصده بشكل واضح ، يتم توريثه دون دراية للأطفال. يقول رب أسرة لـ ( د. ب. أ): "لقد عشنا في السابق سنينا من الأمن والأمان، مع كل ما كان يشوبها من مشاكل سياسية واقتصادية، ولكن أبناءنا الصغار لم يجربوا الشعور بالأمن، على الأقل تصرفاتنا لم تشعرهم بذلك، لأننا لم نعد نشعر به اليوم، وفاقد الشيء لا يعطيه، هم يظنون أن الحرب وانعدام الأمن هو حال ليبيا منذ بدء الخليقة". في السنوات الثمانية الأخيرة، تربى وعاش أطفال ليبيا في زمن الفقر والحرب والتحريض على كره الآخر، بل وتكفيره أحياناً ... صار المقاتلون والكثير من المجرمين قدوتهم .. لم يعرفوا حتى من خلال أغلب ألعابهم غير صنوف القتال، عانوا مع أهاليهم من مشاكل مركّبة، كنقص السيولة وغلاء الأسعار وانخفاض الدينار، وانقطاع الكهرباء والمياه والوقود، وقلّة النوم في الليل .. حتى المدارس أغلقت في وجوههم كتلاميذ، واستقبلتهم كنازحين .. ألوان كثيرة كلها قاتمة أفرزتها ثمان سنيوات من الحروب المتلاحقة، وصبغت بها حياة ومستقبل الأطفال والمراهقين في ليبيا

أشرف العزّابي
السبت 20 يوليوز 2019