تُولِّد الأنظمة الاستبدادية عادة فراغاً سياسياً ممتداً بمحاصرة التنظيمات المدنية والسياسية، وإلغاء التنافسية فعلياً أو حكماً بتحويلها إلى شكل وديكور، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات هيمنة وأجهزة ضبط أمني.
وبسقوط النظام المخلوع تطفو على السطح أزمة “الطبقة السياسية”؛ حيث تُغرق البيئة الانتقالية بكيانات هشّة وشخصيات تفتقر إلى الخبرة في إدارة المجال العام، أو تميل نحو الخطابات الشعبوية والهوياتية الفرعية، وتميل إلى مراعاة الولاء، فجميع من يشغل منصباً عالياً في الإدارات التنفيذية مُعَيَّنٌ للإيفاء بمتطلبات المرحلة، ويبحث عن الاستمرارية بتأكيد الولاء خصوصاً حين يفتقر إلى الخبرة وتحقيق النجاح المطلوب منه.
في مرحلة الانتقال السياسي تصبح ظاهرة “التصحير السياسي” وتجريف المجال العام تحدياً تقليدياً، تواجهه المجتمعات العابرة من الحكم الاستبدادي الشمولي المزمن؛ لا يتمثل فقط في غياب الكوادر المؤهلة، وإنما في غياب الهيكلية الكفيلة بإنتاج الفاعلين السياسيين.
ربما يحتاج التفكير في هذه المسألة إلى التمييز بين “رجل السياسة” و”رجل الدولة”، وإعادة رسم “دورة الإنتاج السياسية” المترابطة بين الإدارة العامة، والمجالس التشريعية، والأحزاب البرامجية، وتشكيل “طبقة رجال الدولة”، وهي أمور ممنهجة وليست نتاج صدف مجردة أو كاريزما فردية، بل نتيجة تراكمية لمؤسسات حوكمة صلبة وآليات تنظيمية محددة، وإذا تركت للصدفة فسيستغرق بناء طبقة سياسية وقتاً طويلاً جداً وتكلفة من تقدم البلد ونموه؛ لأنه سيعتمد على التجربة والخطأ، وعلى الاستثناءات الفردية.
السياسيون لا يوجدون في الفراغ ليصنعوا الدول، بل إن الدولة بوجودها المؤسسي هي التي توفر البيئة الحاضنة لإنتاج السياسيين رجال الدولة. ويجب أن تُفهم السياسة هنا بأنها ليست مجرد موهبة فطرية، بل هي مسار تراكمي يستند إلى التعلم، والخبرة الميدانية، والقدرات القيادية الذاتية، ويتطلب التأسيس لفهم المشكلة بشكل أعمق إدراكاً للفارق الوظيفي بين نمطين من الفاعلين في المجال العام:
رجل السياسة (Politician): الذي ينصب تركيزه على إدارة التنافس السياسي، وتحشيد القواعد الجماهيرية، وتحقيق المكاسب الانتخابية السريعة، وأفق قراراته محكومٌ بالدورة الانتخابية القادمة، وتعتمد مرجعيته على استطلاعات الرأي والخطابات الشائعة.
رجل الدولة (Statesman): الذي يمتلك رؤية استراتيجية تتجاوز الاستحقاق الانتخابي المباشر إلى مصالح الأجيال القادمة، وتماسك مؤسسات الدولة، ويتخذ مرجعيته من سيادة القانون، والمصلحة الوطنية العليا، واستدامة الدولة، حتى لو تطلب ذلك مواجهة الجمهور بقرارات غير شعبية. في النهاية رجل الدولة هو رجل سياسة، لكنه يمتلك أفقاً استراتيجياً أوسع، وسلوكاً مسؤولاً ووطنياً أبعد من الصراع قصير الأمد.
لكن الوصول إلى رجل الدولة يمر بمرحلة رجل السياسة، فثمة دورة إنتاجٍ تكاملية للطبقة السياسية، تتخلق طبقة رجال الدولة عبر حركة دائرية وتفاعلية تترابط فيها ثلاث مساحات رئيسة تشكل بمجموعها مختبر الفاعلية السياسية:
الأولى هي الأحزاب السياسية التي تلعب دور التأطير السياسي، وتعلّم معنى الالتزام السياسي، والانضباط التنظيمي، وإدارة الخلاف الداخلي، وصياغة البدائل البرامجية، وكسب ثقة القواعد الشعبية، وآليات التعبئة الشعبية والحشد، وكيفية بناء الثقة مع المجتمع، وكسب وده، والتنافس الانتخابي، وتقبل النجاح والفشل باعتبارهما من طبيعة النشاط السياسي.
أما المجالس التشريعية والنيابية فهي مدرسة لإدارة الاختلاف، إذ يوفر البرلمان خبرة لصياغة السياسات العامة وإدارة التعددية، ويُنقل السياسي فيها من المواقف الفردية والأهداف المطلقة إلى الوقائع وفن التسويات، ويتعلم صياغةً قانونية، وإدارة التوازنات المعقدة بين القوى السياسية المختلفة، ويكتسب خبرة الرقابة على المؤسسات الحكومية، ويمارس المساءلة، وعضوية المجالس بطبيعة الحال تمر عبر الأحزاب والانتخابات.
وأخيراً الإدارة السياسية للمؤسسات التنفيذية الحكومية، وهي مراكز صنع القرار والإدارة العامة، وهي بالتالي ميدان الخبرة والتطبيق، إذ تمنح الإدارة العامة السياسِيَّ تماسّاً مباشراً مع منطق الدولة ومؤسساتها، حيث يتجاوز الشعارات النظرية إلى التعامل مع قيود الميزانيات، والبيروقراطية الإدارية، وإمكانات الموارد المتاحة. من هذه المساحة يتشكل “رجل الدولة” الذي يستوعب حدود القوة ومقتضيات الاستدامة.
يتعين على الأحزاب الناشئة، كي تتحول مما يشبه النوادي للأفكار وهواة السياسة إلى أحزاب حقيقية مؤثرة تستطيع أن تغذي مؤسسات الدولة بكوادر كفوءة، اعتماد آليات تنظيمية داخلية صارمة، يشمل ذلك التأسيس لمجالس السياسات ولجان حكومة ظل، وهي لجان فنية تخصصية موازية للقطاعات الحكومية (الاقتصاد، الصحة، التعليم)، تتولى إعداد أوراق السياسات واستعراض الميزانيات وتوفير البدائل العملية.
ويشمل أيضاً الديمقراطية والشفافية الداخلية، ومأسسة التناوب على القيادة عبر انتخابات دورية، وفصل السلطات التنظيمية والرقابية داخل الحزب لتقليل ظاهرة الزعامة الأحادية، وكذلك يشمل التأهيل القيادي، ووضع مسارات تدريبية إلزامية للكوادر الحزبية في مجالات الإدارة العامة، والصياغة التشريعية، وإدارة الأزمات، والتفاوض السياسي.
يجب الإقرار بأن نضج الأحزاب السياسية تدريجي، وعامل الوقت فيه مهم للغاية، فتشكل القواعد والبرامج يأخذ وقتاً طويلاً، خصوصاً في ظروف إعادة بناء المجال العام، ما يفرض ضرورة التأسيس التنظيمي المبكر للكيانات السياسية في المرحلة الانتقالية لتنظيم صفوفها، حتى وإن أُجِّل الاستحقاق الانتخابي أو قانون الأحزاب النهائي.
ثمة آلية مكملة لدورة تشكيل الطبقة السياسية المؤلفة من الحلقات الثلاث (الحزب، البرلمان، الإدارة العامة)، تتمثل في إيجاد مؤسسات سيادية لتحقيق ثلاث مهام: تقييم أداء كبار المسؤولين الحكوميين، واكتشاف الكفاءات القيادية، وإدارة بنك وطني للمواهب القادرة على شغل المناصب العليا، وبذلك تنشأ قدرة مؤسسية دائمة على معرفة من يدير الدولة، وكيف يؤدي عمله، ومن يستطيع تولي مسؤوليات أكبر، وأين توجد الكفاءات التي تحتاج إليها الحكومة، وهي في المرحلة الانتقالية ضرورة أكثر من أي وقت آخر.
بقليل من البحث نجد تجارب كثيرة للدول الناهضة يمكن الاستفادة منها، لدى سنغافورة (البلد المدلل في سوريا) مثلاً إدارة للمواهب والقيادات الحكومية باسم “لجنة الخدمات العامة”، وهي هيئة دستورية مستقلة تحمي قيم النزاهة والحياد والجدارة في الخدمة العامة السنغافورية، تشرف على قرارات التوظيف الرئيسية للكوادر العليا وتدير المنح الحكومية، هي أقرب إلى “بنك كفاءات”، تجمع بين اكتشاف أصحاب الإمكانات القيادية، وتطويرهم مهنياً، وإعدادهم لتولي المناصب الحكومية العليا. وتؤدي دوراً في تعيين كبار الموظفين وترقيتهم.
-------------
الثورة السورية


الصفحات
سياسة








