اليوم، ومع مؤشرات على تقارب متزايد بين استوكهولم ودمشق في ملفات الهجرة والعودة، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام مسار إداري عادٍ، أم بداية لترتيبات قد تمس مستقبل آلاف السوريين المقيمين في أوروبا؟
الإشكالية لا تكمن في مبدأ التعاون بحد ذاته، فالدول تتعاون بطبيعة الحال لتنظيم قضايا عدة، منها الهجرة. لكن ما يستدعي الحذر هو السياق الذي يأتي فيه هذا التعاون: سياق أوروبي يتجه نحو تشديد سياسات اللجوء، وضغط سياسي متصاعد لزيادة الترحيل، وتحويل “العودة” من خيار طوعي إلى أداة ضمن سياسات داخلية وانتخابية.
من هنا، لا يبدو النقاش تقنيًا بقدر ما هو سياسي بامتياز. وما يُطرح اليوم كإجراءات تنظيمية، قد يتحول، إن لم يُقرأ بعناية، إلى مسار يصعب التراجع عنه لاحقًا.
السياق السويدي: من استقبال اللاجئين إلى هندسة العودة
لفهم دلالات أي تقارب سويدي- سوري في ملف الهجرة، لا بد من النظر أولًا إلى التحول الأوسع الذي شهدته السويد خلال السنوات الأخيرة. فبعد أن كانت تُقدَّم كنموذج أوروبي أكثر انفتاحًا على اللجوء، اتجهت تدريجيًا منذ عام 2015 إلى تشديد سياساتها، عبر تقليص فرص الحماية، واعتماد الإقامات المؤقتة بدل الدائمة، وتشديد شروط لمّ الشمل. لم يكن هذا التحول تقنيًا فحسب، بل كان انعكاسًا لتحوّل سياسي أعمق.داخليًا، أصبحت الهجرة واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش العام، وورقة مركزية في التنافس بين الأحزاب. فقد أسهم تصاعد نفوذ “ديمقراطيي السويد”، بوصفهم قوة يمنية متطرفة، في دفع النقاش السياسي نحو مزيد من التشدد، حتى لدى بعض الأحزاب التقليدية. ضمن هذا السياق، لم يعد الحديث يدور فقط حول استقبال اللاجئين، بل حول تقليل أعدادهم، وزيادة “العودة”، وتنفيذ قرارات الترحيل بشكل أكثر فاعلية.
في هذا الإطار تحديدًا، يبرز الحديث عن تعزيز التعاون مع جهات سورية. فقد خُصصت موارد مالية لدعم هذا المسار، ليس بوصفه مشروعًا إنسانيًا بحتًا، بل كجزء من سياسة أوسع تهدف إلى تسهيل العودة؛ سواء كانت طوعية عبر تقديم مبالغ مالية للعائدين، أو قسرية في بعض الحالات. وهنا تحديدًا تكمن أهمية قراءة هذه الخطوات ضمن سياقها: فهي لا تأتي في فراغ، بل ضمن اتجاه سياسي واضح يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين أوروبا واللاجئين على أراضيها.
بكلمات أخرى، ما يبدو اليوم كتنسيق إداري محدود، يرتبط في جوهره بتحوّل أوسع في السياسة السويدية؛ تحوّل يجعل من “العودة” هدفًا مركزيًا، لا مجرد خيار ثانوي.
سابقة العراق: حين يسبق النصُّ التطبيقَ بخطوة
تُقدّم تجربة العراق مع السويد عام 2008 مثالًا لا يمكن تجاهله عند قراءة أي تقارب مماثل اليوم. فقد وُقّعت آنذاك مذكرة تفاهم بين البلدين تحت عنوان “تنظيم العودة”، ونصّت، في ظاهرها، على إعطاء الأولوية لما سُمّي بالعودة الطوعية، مع التأكيد على احترام الكرامة الإنسانية والتعاون الإداري بين الطرفين.لكن ما بدا في حينه اتفاقًا تقنيًا لتنظيم أوضاع قانونية، تحوّل تدريجيًا إلى أداة أكثر فاعلية في يد السلطات السويدية لتنفيذ قرارات الترحيل. فمع ترسيخ قنوات التعاون، وإمكانية إثبات الهوية، وإصدار وثائق السفر، لم تعد العودة خيارًا تفاوضيًا بقدر ما أصبحت إجراء قابلًا للتنفيذ، خصوصًا بالنسبة لمن رُفضت طلبات لجوئهم بشكل نهائي.
ولم يبقَ هذا التحول نظريًا؛ فقد تأثر أكثر من 38 ألف عراقي بقرارات العودة من السويد خلال العقدين الأخيرين، بينهم أكثر من 20 ألفًا عادوا طوعًا، بينما تعرّض آخرون للترحيل القسري أو دخلوا في حالة اختفاء عن السلطات. كما أُعيد مئات العراقيين قسرًا خلال السنوات الأولى بعد توقيع الاتفاق، في وقت كانت فيه الأوضاع الأمنية في العراق لا تزال موضع جدل دولي.
غير أن الأثر الأعمق لم يكن في الأرقام وحدها، بل في ما تعكسه هذه الأرقام من تحولات إنسانية معقدة: عائلات انقسمت بين بلدين، أطفال استقروا في مدارس سويدية ثم وجدوا أنفسهم أمام احتمال المغادرة القسرية، وآباء وأمهات أُعيدوا فيما بقيت بقية الأسرة في السويد. في مثل هذه الحالات، لا يكون “الترحيل” مجرد إجراء قانوني، بل حدثًا يعيد تشكيل حياة كاملة.
المشكلة، إذن، لم تكن في نص الاتفاق بحد ذاته، بل في المسار الذي فتحه. فالفارق بين “العودة الطوعية” كما تُصاغ في الوثائق، وواقع الترحيل القسري كما يُمارس لاحقًا، يكشف عن فجوة جوهرية بين النص والتطبيق. هذه الفجوة هي التي سمحت بانتقال تدريجي من خطاب إنساني إلى ممارسة إدارية ذات آثار اجتماعية وإنسانية عميق.
ومن هنا، لا تبدو سابقة العراق مجرد تجربة تاريخية، بل مرآة تحذيرية: ما يُقدَّم في البداية كتنسيق إداري محدود، قد يتحول، بفعل السياق السياسي والضغوط الداخلية، إلى إطار يُستخدم لتوسيع نطاق الترحيل، بما يتجاوز بكثير ما كان يُفهم عند توقيعه. وهو تحديدًا ما يجعل أي نقاش حول اتفاق مماثل مع سوريا اليوم مسألة تتجاوز السياسة، لتطال مصير آلاف العائلات التي قد تجد نفسها أمام السيناريو ذاته.
مؤشرات تقارب.. لا يمكن فصلها عن السياق
إذا كانت سابقة العراق تقدّم درسًا من الماضي، فإن ما يجري اليوم يطرح مجموعة من المؤشرات التي تستدعي قراءة حذرة، دون القفز إلى استنتاجات مسبقة.خلال الأشهر الماضية، شهدت العلاقات بين السويد وسوريا تحركات لافتة، من بينها زيارات لمسؤولين سويديين إلى دمشق، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع جهات سورية في ملفات مرتبطة بالهجرة والعودة. هذه الزيارات، وإن قُدّمت في إطار “استكشافي” أو “تقني”، تعكس اهتمامًا متزايدًا بإعادة تفعيل التعاون في هذا المجال.
في الوقت ذاته، يجري الحديث عن استقبال وفد سوري تقني في ستوكهولم، في خطوة تهدف، وفق التصريحات الرسمية، إلى مناقشة قضايا إجرائية مثل إثبات الهوية، وإصدار وثائق السفر، وآليات التنسيق بين المؤسسات المعنية. مثل هذه الخطوات، بطبيعتها، تُعدّ تمهيدية، لكنها تشكّل أيضًا البنية الأساسية لأي تعاون مستقبلي أوسع.
ضمن هذا السياق، خصصت الحكومة السويدية تمويلًا يُقدّر بنحو ثلاثة ملايين كرون لدعم هذا المسار عبر مصلحة الهجرة السويدية، بما يشمل إعداد دراسات تمهيدية وتعزيز قنوات التواصل مع الجانب السوري. التمويل هنا لا يُفهم بمعزل عن الاتجاه العام في السياسات السويدية، بل كجزء من مقاربة أوسع لإدارة ملف “العودة”.
إلى جانب ذلك، يبرز تركيز متزايد في الخطاب السياسي على فئات محددة، خصوصًا الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية أو قرارات ترحيل نهائية. ويُقدَّم هذا التوجه عادة بوصفه إجراءً محدودًا يستهدف حالات “خاصة”، لكنه في الوقت ذاته يعكس تحولًا في الأولويات، من إدارة اللجوء إلى تنفيذ الترحيل.
هذه التطورات، مجتمعة، لا تشكّل بحد ذاتها اتفاقًا شاملًا، لكنها ترسم ملامح مسار قيد التشكل: مسار يبدأ بتعاون تقني، ويتدرج عبر خطوات صغيرة قد تبدو منفصلة، لكنها تكتسب معناها الكامل عند النظر إليها ضمن سياقها السياسي الأوسع.
الخطر الحقيقي: من الاستثناء إلى القاعدة
الخطر في مثل هذه المسارات لا يكمن عادةً في إعلان ترحيل جماعي مباشر، فهذا نادرًا ما يحدث بهذه الصيغة. الخطر يبدأ قبل ذلك بكثير: في بناء القنوات التقنية التي تجعل الترحيل ممكنًا، ومنظمًا، وقابلًا للتكرار. فحين تُفتح آليات لإثبات الهوية، وإصدار وثائق السفر، وتحديد جهات الاستقبال، يصبح تنفيذ قرارات الترحيل أسهل، حتى لو قُدّم الأمر في البداية على أنه تعاون محدود.غالبًا ما تبدأ هذه السياسات من “الحالات الخاصة”: أشخاص محكومون، أو مرفوضة طلباتهم، أو ممن صدرت بحقهم قرارات نهائية. وهذه فئات يسهل تسويق التعامل معها سياسيًا، لأنها لا تثير التعاطف العام بالقدر ذاته. لكن التجارب السابقة تُظهر أن الاستثناء قد يتحول مع الوقت إلى قاعدة، وأن البنية التي تُنشأ لمعالجة حالات محددة يمكن أن تُستخدم لاحقًا لتوسيع نطاق العودة والترحيل.
هنا تحديدًا يصبح الاتفاق التقني أداة سياسية؛ فالحكومة التي تواجه ضغطًا داخليًا لزيادة الترحيل تستطيع أن تقول لجمهورها إنها أنشأت قنوات تعاون مع بلد الأصل، وأن العائق لم يعد إداريًا كما كان. وبمجرد أن يصبح الترحيل ممكنًا من الناحية العملية، يصبح توسيعه مسألة قرار سياسي وتقدير قانوني، لا مسألة مبدأ.
أما إنسانيًا، فالأثر لا يُقاس فقط بعدد المرحّلين. خلف كل ملف هناك حياة تشكلت في السويد: عائلة، مدرسة، لغة، عمل، علاج، شبكة اجتماعية، وأطفال قد لا يعرفون من سوريا إلا ما سمعوه من آبائهم. أي مسار غير محسوب قد يضع هؤلاء أمام قطيعة قسرية مع واقعهم اليومي، أو يفصل أفراد الأسرة الواحدة بين بلدين، أو يدفع بعض الناس إلى الاختفاء خوفًا من الترحيل.
لذلك، لا يكفي أن يُقال إن التعاون يستهدف “فئات محددة”. السؤال الأهم هو: ما الضمانات التي تمنع تحوّل هذا التعاون إلى سياسة أوسع؟ ومن يراقب تطبيقه؟ وكيف تُحمى العائلات، والأطفال، والنساء، ومن اندمجوا فعليًا في المجتمع السويدي؟ من دون إجابات واضحة، يتحول التنسيق الإداري إلى باب مفتوح على آثار يصعب التحكم بها لاحقًا.
رسالة إلى الخارجية السورية
في هذا الملف تحديدًا، لا يكفي أن يُنظر إلى التفاوض بوصفه شأنًا دبلوماسيًا تقليديًا. فالطرف السوري لا يفاوض فقط كدولة تسعى إلى استعادة حضورها الدولي والاعتراف السياسي بها، بل كجهة تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه مئات الآلاف من السوريين الذين استقرت حياتهم خارج البلاد، وبنوا واقعًا اجتماعيًا وتعليمًا ومهنيًا جديدًا بعد سنوات من الحرب واللجوء.من هنا، يصبح الحذر واجبًا لا خيارًا. فأي اتفاق يتعلق بالعودة أو إعادة القبول يجب ألا يُوقَّع دون ضمانات واضحة وملزمة، تمنع تحوله إلى أداة لترحيل مفتوح أو غير آمن. كما أن الصياغات العامة، مهما بدت تقنية أو محايدة، قد تصبح لاحقًا مدخلًا لتوسيع نطاق التطبيق، خصوصًا إذا لم تُحدَّد الفئات المعنية بدقة، ولم تُربط الإجراءات برقابة قانونية وإنسانية واضحة.
الأهم من ذلك أن يُقرأ الملف ضمن سياقه السويدي الداخلي؛ فالهجرة هناك ليست مسألة إدارية فقط، بل جزء من صراع سياسي وانتخابي متصاعد. وأي تفاهم مع دمشق لن يُستخدم فقط لتنظيم الوثائق أو إثبات الهوية، بل سيُقدَّم داخليًا بوصفه إنجازًا في مسار زيادة الترحيل. لذلك، لا ينبغي التفاوض على هذا الملف بمنطق العلاقات بين الحكومات وحدها، بل بمنطق المسؤولية تجاه الناس الذين قد يدفعون ثمن أي سوء تقدير.
----------
عنب بلدي


الصفحات
سياسة








