ما هو مستقبل اللجوء السوري في لبنان؟



بعد ست سنوات على اندلاع الأزمة السورية، بدأت بعض الأصوات في لبنان تعلو تذمرا من الوجود السوري هناك، انطلاقا من مبدأ أن لبنان بلد صغير لا يستوعب هذه الزيادة في أعداد المقيمين فيه، خاصة وأنه كان يعاني أصلا من نقص في الخدمات ويمر بأزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية. في المقابل، يدعو قيمون وناشطون إلى عدم المغالاة في تحميل اللاجئين السوريين الأسباب المباشرة للأزمة التي يمر بها لبنان، حيث حملوا الحكومات اللبنانية المتعاقبة المسؤولية المباشرة في هذا الملف.


أينما تجولت في لبنان تكاد تسمع نفس العبارة تتردد على ألسن الناس، "ضغط اللاجئين"، عبارة باتت عنوانا ملازما لأي قضية رأي عام في لبنان، من أزمة الكهرباء إلى أزمة البنى التحتية، وصولا إلى قرارات بعض البلديات بمنع تجول أو إقامة لاجئين سوريين ضمن نطاق سلطاتها الإدارية.

ليس خافيا أن البنى التحتية اللبنانية تئن تحت ضغط الأعداد الهائلة للاجئين السوريين التي طرأت عقب الحرب الدائرة في سوريا. ففي تقريره الصادر عام 2015 حول الاقتصاد اللبناني، يعتبر صندوق النقد الدولي أن الأزمة السورية هي "التهديد الرئيسي لمستقبل لبنان على المدى القريب وفرصه على المدى الطويل"، فبسبب للزيادة الهائلة في تعداد السكان، ارتفعت تكاليف الرعاية الصحية والتعليم والكهرباء، وتراجعت جودة الخدمات العامة المقدمة. أما البنك الدولي، فقد قدر الأثر المالي المباشر للأزمة السورية ما بين 2012-2014 بمبلغ يصل إلى 2,6 مليار دولار أمريكي (51.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي اللبناني) وأن العودة إلى مستويات ما قبل الأزمة يحتاج إلى 2,5 مليار دولار إضافية.


وتتراوح آراء اللبنانيين حيال الموقف من اللجوء السوري في لبنان بين مؤيد ومعارض. هيثم شمص، مخرج لبناني ومدير مهرجان "كرامة-بيروت" لأفلام حقوق الإنسان، يقول لمهاجر نيوز "الوجود السوري في لبنان حاليا هو نزوح وليس لجوء، نتيجة العلاقات التاريخية بين الشعبين والتقارب الاجتماعي والثقافي. وهذه عوامل تساهم في اندماج السوريين في لبنان بشكل تلقائي".

كانت هذه عبارات شمص الأولى قبل أن يستدرك "إلا أن تفاقم الأوضاع الحالية في لبنان، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، يعود بطبيعة الحال للأعداد الهائلة لهؤلاء اللاجئين ممن هربوا من الحرب في بلادهم بحثا عن الأمان والاستقرار هنا، ولافتقار لبنان إلى البنى التحتية الحقيقية القادرة على توفير الحياة الآمنة واللائقة لهم جميعا".

ويضيف شمص "آن الأوان لتنظيم العلاقة بين اللاجئين السوريين والمجتمع المضيف، وهذه مسؤولية الدولة اللبنانية أولا وأخيرا لجهة ضمان حقوق المواطنين اللبنانيين وأمان اللاجئين السوريين".

وحرص شمص على عدم تحميل اللاجئين السوريين تبعات الأزمات الحادة التي تعاني منها البلاد "أعتقد أن تفاقم الأزمة يعود إلى سوء إدارة الحكومات اللبنانية المتعاقبة لهذا الملف. فمنذ اندلاع الأزمة السورية، استمرت الحكومات اللبنانية بإنكار وجود أزمة من الأساس، وبطبيعة الحال، خضع هذا الواقع للتجاذبات السياسية اللبنانية الداخلية وتم الخلط بين الإنساني والسياسي. كما أن الحكومة اللبنانية لم تعمل على تهيئة البنى التحتية لاستقبال النازحين السوريين".

أما على مستوى سوق العمل، ففي تقريرها الذي نشر عام 2015، أوردت منظمة العمل الدولية أن أكثر العناصر الشائكة فيما يتعلق بأثر الوجود السوري على الاقتصاد اللبناني هو دخول عشرات الآلاف من السوريين إلى سوق العمل، ما ارتبط بارتفاع نسب البطالة في لبنان وانتشار الاستياء بين العاملين والمواطنين اللبنانيين. وقالت المنظمة إن التنافس على فرص العمل هو تحد تواجهه المجتمعات المضيفة نتيجة زيادة العرض من قبل القوى العاملة.

وفي هذا الإطار، يقول علي شري، الناشط الاجتماعي والمتخصص في عمل الجمعيات، أنه "من الصعب الحصول على إحصائيات تقدر عدد اللبنانيين الذين باتوا عاطلين عن العمل بسبب الوجود السوري، أو تم تسريحهم واستبدالهم بسوريين. إذ ليس لدى لبنان نظام معلوماتي لسوق العمل، ولم يتم إجراء أي تحليل احتياجات رسمي لسوق العمل منذ عام 2004."

كما أنه لا يمكن لوم السوريين على عجز الحكومات اللبنانية المتعاقبة عن تنمية فرص العمل. فقد قدرت دراسة للبنك الدولي في نيسان/أبريل 2013 أنه حتى دون تدفق اللاجئين، سيحتاج الاقتصاد اللبناني لخلق 233 ألف فرصة عمل سنويا ليلبي طلبات العمل الجديدة ويزيد النمو، مقارنة بحوالي 3,400 فرصة التي تخلق حاليا.

وفقا للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، دفع اللاجئون السوريون في لبنان عام 2016 نحو 380 مليون دولار أمريكي كإيجارات سكن، في حين يستفيد حوالي 500 متجر لبناني من برنامج "النقد مقابل الغذاء"، الذي ينفق من خلاله اللاجئون السوريون 22 مليون دولار شهريا (أي 264 مليون دولار سنويا)، وفقاً لبرنامج الغذاء العالمي.

وتشير الأرقام كذلك إلى أنه تم إيجاد أكثر من 12 ألف وظيفة مؤقّتة خلال العام 2016 في لبنان للتعامل مع أزمة اللجوء السوري، بينما خلقت 9580 وظيفة بدوام كامل للغرض نفسه. أمّا المؤسسات التجارية الجديدة التي تأسست حول مخيمات اللاجئين السوريين فقد استحوذ اللبنانيون على 84% منها.

ووفقا للجنة الإنقاذ الدولية، وهي منظمة إغاثة إنسانية دولية لا حكومية، كان للمساعدات المالية أثرا مضاعفا على الاقتصاد اللبناني، فمقابل كل دولار أمريكي واحد يصل للمستفيدين، يولد 2,13 دولار في الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد اللبناني.

وتشير تقديرات المنظمات الدولية لحجم الأموال التي يتم تحويلها كمساعدات إلى لبنان بلغت نحو 1.6 مليار دولار سنويا. وهذا الرقم يستثني حجما كبيراً من الأموال التي يتم ضخها من خلال الجمعيات الدينية، "وبالتأكيد هناك أثر مضاعف لهذه الأموال التي يتم إنفاقها كمساعدات في الاقتصاد المحلي".

مهاجر نيوز
الاربعاء 31 ماي 2017


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ذاكرة السياسة | عاربة ومستعربة | حديث الساعة | ثقافة | فنون | عيون المقالات | حوارات | مجتمع | رياضة | علوم وتقنيات | إعلام | تحقيقات | منوعات | سياحة | أقمار ونجوم | أروقة التراث