تأخر انعقاد الجلسات، أثار عددًا من التساؤلات حول أسباب بطء إجراءات المجلس في مرحلة انتقالية، تنتظر السلطة التشريعية خلالها مهام متعددة في مسألة العدالة الانتقالية، وقوانين تحتاج إلى الإقرار، وسط غياب أي تصريح رسمي يوضح الظروف التي تمنع استكمال الجلسات والمناقشات.
عضو مجلس الشعب كنان النحاس، قال عبر منصة “فيسبوك” في 24 من آب الحالي، إن أسباب غياب مجلس الشعب عن الانعقاد منذ إقرار النظام الداخلي تعود إلى عدم نشر مواد النظام في الجريدة الرسمية، قبل أن يعود في منشور آخر بتاريخ 28 آب، ليؤكد نشر النظام الداخلي.
تأثير عدم نشر النظام الداخلي على عمل المجلس
قال الحقوقي السوري ومدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، في حديث إلى عنب بلدي، إن الإعلان الدستوري يعتبر المرجع الأعلى لتنظيم عمل مجلس الشعب خلال المرحلة الانتقالية، ويجب أن تُفهم جميع الإجراءات اللاحقة في ضوء نصوصه، ومبدأ الفصل بين السلطات الذي يكرسه.وأضاف عبد الغني أن الإعلان الدستوري لم يتضمن نصًا يمنع مجلس الشعب من استكمال جلساته قبل نشر نظامه الداخلي في الجريدة الرسمية، مبينًا أن المادة “29” تُلزم المجلس بإعداد نظامه الداخلي خلال شهر من جلسته الأولى، لكنها لا تنص على أن النشر شرط لانعقاد المجلس أو لاستمرار جلساته، كما أن اختصاصات المجلس التشريعية والرقابية تستمد مشروعيتها من الإعلان الدستوري نفسه، لا من النظام الداخلي وحده.
وأشار الحقوقي السوري إلى أهمية التمييز بين استمرار انعقاد المجلس، وبين استخدام نظام داخلي غير متاح علنًا لاتخاذ قرارات تمس حقوق الأعضاء أو سلامة العملية التشريعية، منوهًا إلى أن قضايا مثل الحصانة والانضباط والنصاب والتصويت وإجراءات اللجان تجعل إتاحة النص النهائي للنظام الداخلي ضرورة قانونية ومؤسسية، لأن القواعد التي تترتب عليها آثار قانونية لا ينبغي أن تبقى مجهولة أو غير قابلة للتحقق.
وبيّن عبد الغني أن الإعلان الدستوري يحدد مهلة لإعداد النظام الداخلي، ولا يحدد مهلة لنشره، ولذلك، لا تظهر في النص الدستوري مدة زمنية محددة تُلزم المجلس بنشر النظام في الجريدة الرسمية خلال عدد معيّن من الأيام، لكن غياب مهلة صريحة لا يبرر تأخير إتاحته للعموم إلى أجل غير معلوم.
من يحدد نفقات مجلس الشعب؟
لم يتوقف عضو مجلس الشعب كنان النحاس عند السبب الأول، مضيفًا أسبابًا أخرى، تمثلت بحسب قوله في تغطية النفقات المطلوبة لمزاولة المجلس لأعماله، مرجعًا السبب إلى عدم وجود سيولة أو غياب التوافق بين مكتب المجلس وإحدى المؤسسات الرسمية حول التغطية المالية.وأوضح النحاس أن النظام الداخلي يحيل دراسة واعتماد موازنة المجلس للمجلس نفسه، دون التدخل المباشر من أي وزارة من وزارات الحكومة، مشيرًا إلى أن مجلس الشعب لم يطلع إلى الآن على موازنة الدولة لعام 2026، ولا على الخطة التشغيلية والتنموية للمؤسسات والهيئات.
وبيّن أن الأعضاء يتلقون وعودًا بحلحلة العراقيل دون موعد واضح لذلك، منوهًا إلى أنه ارتأى أن يضع المواطنين بصورة ما يجري.
مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، قال إن الإعلان الدستوري يمنح مجلس الشعب صلاحية إقرار الموازنة العامة للدولة، ويكلف السلطة التنفيذية بإدارة الموارد العامة وضمان استخدامها بصورة فعالة وشفافة، لكنه لا يضع في نصه نظامًا تفصيليًا ومستقلًا يحدد الجهة التي تعد موازنة مجلس الشعب، أو حجم اعتماده المالي، أو آليات إنفاقه.
وانطلاقًا من المعطيات السابقة، بحسب عبد الغني، لا يمكن القول إن رئاسة المجلس وحدها، أو الحكومة وحدها، تملك صلاحية تحديد نفقات المجلس بإرادة منفردة، فالاعتمادات المالية للمجلس يجب أن تكون جزءًا واضحًا من الموازنة العامة التي يقرها مجلس الشعب، وأن يجري تنفيذها وفق القواعد المالية النافذة، مع إخضاع الإنفاق لرقابة مهنية وقانونية، موضحًا أن المطلوب استقلال تشغيلي يمنع استخدام التمويل وسيلة للتأثير في عمل المجلس، أو لتقييد جلساته ولجانه ودوره الرقابي.
وأوضح عبد الغني أنه لا يحق لأي سلطة التدخل في اختصاصات مجلس الشعب التي حددها الإعلان الدستوري، سواء عبر فرض جدول الأعمال أو تعطيل عمل اللجان أو التأثير في التصويت، أو استخدام الموارد المالية لإضعاف قدرة المجلس على التشريع والرقابة، فهذا النوع من التدخل يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، ويحوّل الاستقلال التشريعي إلى استقلال شكلي.
وبيّن أن ذلك لا ينطبق على كل تواصل أو تنسيق بين الحكومة والمجلس، فالتنسيق بشأن مشروعات القوانين أو الموازنة أمر طبيعي، وكذلك الرقابة المالية القانونية العامة، منوهًا إلى أن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التنسيق إلى ضغط سياسي أو إداري يمنع المجلس من ممارسة اختصاصه الدستوري بحرية وفعالية.
واختتم عبد الغني حديثه في أن الحماية لا تكمن في نهاية المطاف بالنصوص المجردة وحدها، بل في نشر النظام الداخلي كاملًا وبشفافية الموازنة وعلنية الجلسات، وتوثيق القرارات والإجراءات، مشيرًا إلى أن هذه هي الضمانات العملية التي تمكّن السوريين من مساءلة المجلس والحكومة معًا خلال المرحلة الانتقالية.
خطوات سابقة
بدأ مجلس الشعب السوري أعماله في 12 من تموز الماضي، بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، ووزير العدل مظهر الويس، ووزير الداخلية أنس خطاب، ورئيس اللجنة العليا لانتخابات المجلس محمد طه الأحمد، وأعضاء المجلس.وشهدت الجلسة الأولى انتخاب رئيس المجلس ونائبيه وأمين السر، بعد استكمال تشكيله بموجب المرسوم رقم “143” لعام 2026، المتضمن تسمية أعضاء مجلس الشعب الجديد، بمن فيهم الثلث المكمل.
وأقر مجلس الشعب النظام الداخلي بصيغته النهائية، بعد انتهاء عملية التصويت على مواده، في 30 من تموز، وبموجب المواد التي تبلغ 231 مادة، تمتد ولاية المجلس 30 شهرًا، بما يتوافق مع الإعلان الدستوري.
وجرى التصويت على النظام بالأغلبية، وذلك بعد خمسة أيام على نقاشات لكل مادة على حدة، ويتضمن مشروع النظام الداخلي الأحكام المتعلقة بمهام مجلس الشعب واختصاصاته، وآلية انتخاب مكتب المجلس، وتنظيم الدورات التشريعية العادية والاستثنائية، إلى جانب الإجراءات الناظمة لإدارة الجلسات ومناقشة مشاريع القوانين والتصويت عليها.
وكان مجلس الشعب بدأ مناقشة مشروع النظام الداخلي، في 26 من تموز، بعد بدء بحث مواده المتعلقة بمهام المجلس واختصاصاته وآلية انتخاب مكتب الرئاسة والإجراءات الداخلية المنظمة لعمله.
وجرى إقرار المواد تباعًا ضمن آلية تعتمد التصويت على كل مادة على حدة قبل التصويت على مشروع النظام الداخلي بصيغته النهائية، وبدأت مناقشة المواد بعدما أنهت لجنة صياغة النظام الداخلي، المؤلفة من 17 عضوًا، إعداد المسودة الأولية بعد اجتماعات استمرت أربعة أيام.
وكانت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب أعلنت، في 1 من تموز الماضي، قائمة الأعضاء المعيّنين من قبل الرئيس السوري، أحمد الشرع، والبالغة 70 عضوًا، لاستكمال نصاب الأعضاء المنتخبين سابقًا.
وفي مطلع تشرين الأول 2025، أجرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب عملية الاقتراع لاختيار أعضاء المجلس، بينما تأجلت الانتخابات في بعض المحافظات التي كانت تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
واستكملت اللجنة الانتخابات في محافظات شمال شرقي سوريا في وقت سابق من هذا العام بعد سيطرة الحكومة على المنطقة، لتكون بذلك قد أنهت عمليات الاقتراع في جميع الدوائر الانتخابية باستثناء دوائر محافظة السويداء التي تتضمن السويداء وشهبا وصلخد بمعدل مقعد واحد فقط لكل دائرة.
ويبلغ العدد الكلي لأعضاء مجلس الشعب 210 أعضاء، من بينهم 140 مقعدًا منتخبًا، في حين تم تعيين 70 مقعدًا من قبل الرئيس السوري أحمد الشرع.


الصفحات
سياسة









