تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

الأسدية: ولادة المجرم السفاح

10/05/2026 - أحمد برقاوي

في أهمية مدوّنة

10/05/2026 - عمر كوش

حُفرة التضامن... حيث سقطت النخب

10/05/2026 - عالية منصور

إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى

07/05/2026 - عبد الرحمن الراشد


محاكمة الأسد من دون الأسد




تُعقد الإجراءات الجارية أمام المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق ضد بشار الأسد وثمانية متهمين آخرين في غياب عدد منهم، وفي مقدمتهم الأسد نفسه. ولا تتناول هذه المقالة الأساس القضائي للمحكمة أو طبيعتها المؤسسية، إذ سبقت مناقشة ذلك في مقال سابق، بل تركز على معنى المحاكمة الغيابية وحدودها القانونية والسياسية.


 
بشار الأسد فارّ من العدالة، ويتمتع بحماية روسية، ولا يبدو أنَّ ثمة احتمالًا واقعيًا قريبًا لتسليمه أو القبض عليه. لذلك، لن تؤدي هذه الإجراءات، في مرحلتها الحالية، إلى معاقبته فعليًا أو مثوله أمام القضاء. غير أنَّ أهميتها لا تكمن في هذا الجانب وحده. فما يمكن أن تنتجه هذه المحاكمة هو سجل قضائي رسمي، صادر عن محكمة سورية، يتضمن وقائع مثبتة، وتوصيفات قانونية، وسلسلة موثقة للمسؤولية الجنائية، بما يسمح لهذا السجل بأن يبقى ذا أثر بعد انتهاء المحاكمة الحالية، وأن يسهم في جهود المساءلة المستقبلية.
ولم يسبق لسوريا أن شهدت إجراءات جنائية من هذا النوع ضد مسؤولين كبار متهمين بالمسؤولية عن انتهاكات منهجية. وبالنسبة إلى ملايين الضحايا والناجين وذوي المختفين والقتلى، تحمل المحاكمة، حتى وهي غيابية، قيمة رمزية كبيرة؛ فهي تنقل الأسد من موقع الرئيس السابق وصاحب السلطة المطلقة إلى موقع المتهم أمام القضاء السوري.
يوفر القانون السوري أساسًا إجرائيًا لمحاكمة المتهم الفار غيابيًا. فالمحاكمة الغيابية تجوز في حالات محددة إذا استُدعي المتهم أصولًا ولم يحضر، وكانت الجريمة من الجرائم التي تستوجب عقوبة جسيمة. غير أنَّ الحكم الغيابي، في هذا السياق، لا يُعد حكمًا نهائيًا غير قابل للمراجعة. فالقانون السوري يتيح سقوط الحكم الغيابي وإعادة المحاكمة إذا سلّم المحكوم عليه نفسه أو قُبض عليه. 
وبذلك، لا تكون قيمة الحكم الغيابي في كونه عقوبة نهائية، بل في كونه سجلًا قضائيًا مؤقتًا ونافذًا إلى حين مثول المتهم وإعادة محاكمته. وتشير تحليلات قانونية حول القانون السوري إلى أنَّ الحكم الغيابي بحق الفار يرتب أيضًا أثرًا على أمواله، من خلال إدارتها وفق قواعد أموال الغائب.
ومن هنا، يجب تقييم هذه الإجراءات وفق معيار محدد: ليس مدى قدرتها على تنفيذ العقوبة الآن، بل مدى قدرتها على إنتاج سجل قضائي نزيه وقابل للصمود. فإذا كان حضور الأسد غير ممكن في هذه المرحلة، فإنَّ حضور القانون يجب أن يكون واضحًا وكاملًا.
ولا يكون الاستناد إلى القانون الإجرائي السوري وحده كافيًا في هذا المجال. فالمحاكمة الغيابية، حتى حين يجيزها القانون المحلي، تبقى مقيدة بضمانات المحاكمة العادلة. فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يكفل حق المتهم في أن يُحاكم بحضوره، لكن التعليق العام رقم 32 للجنة حقوق الإنسان لا يستبعد المحاكمات الغيابية بصورة مطلقة، بل يربط مشروعيتها بشروط أساسية: إخطار المتهم مسبقًا وبصورة كافية، وثبوت أنَّ غيابه كان طوعيًا، وضمان حقه في إعادة المحاكمة إذا حضر لاحقًا أو قُبض عليه.
في جلسة 10 أيار/ مايو، أكد القاضي المشرف أنَّ أوامر الإخطار بُلّغت «حسب الأصول» في آخر مكان إقامة معروف للمتهمين، وأنَّهم لم يمتثلوا للاستدعاء. غير أنَّ السجلات العامة المتاحة لا توضح بصورة كافية جميع وسائل الإخطار المستخدمة. ويبدو أنَّ بعضها تم عبر النشر أو عبر قنوات غير مباشرة. وعلى النيابة العامة اتخاذ الخطوات المعقولة لإبلاغ كل متهم، بصورة فعلية وكافية، بالإجراءات الجارية ضده. وكلما كان سجل الإخطار أكثر تفصيلًا، أصبح الحكم الغيابي أكثر قدرة على الصمود أمام الطعن، وأقل عرضة للانتقاد.
كما أنَّ أثر الحكم الغيابي لا يقتصر على البعد الرمزي أو السجل القانوني. فإحدى النتائج العملية المهمة تتعلق بأموال المحكوم عليه غيابيًا. فالقانون السوري يتيح وضع الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتهم الفار تحت الإدارة القانونية، بما يمنعه من التصرف بها إلى حين سقوط الحكم الغيابي أو إعادة المحاكمة. فمحاكمة الأسد لا تمس صورته السياسية والرمزية فحسب، بل قد تمس أيضًا البنية المادية للسلطة التي راكمها. وإذا أُدير ملف الأموال بضمانات قانونية، فقد يشكل مدخلًا لاحقًا لربط الأصول المدارة أو المحجوزة بحقوق الضحايا وجبر الضرر، بدل أن تبقى المسألة مجرد إجراء إداري معزول.
في النهاية، لا تكمن أهمية محاكمة الأسد غيابيًا في قدرتها المباشرة على معاقبته الآن. فالأسد غائب، والحكم الغيابي قابل للسقوط وإعادة المحاكمة إذا مثل أمام القضاء. لكن القيمة الحقيقية لهذه المحاكمة تكمن في أمرين: أن تنتج سجلًا قضائيًا سوريًا بشأن الجرائم المنسوبة إلى رأس النظام السابق، وأن تؤكد أنَّ سقوط السلطة لا يعني سقوط الحق في المساءلة. 
لهذا السبب، فإنَّ رمزية المحاكمة كبيرة، لكنَّها ليست كافية وحدها. فالرمزية تحتاج إلى سند قانوني، والسجل القضائي يحتاج إلى دقة إجرائية، وأثر الحكم في الأموال يحتاج إلى إدارة شفافة ومنضبطة بالقانون. فإذا نجحت المحكمة في ذلك، فقد تتحول محاكمة الأسد من إجراء غيابي محدود التنفيذ إلى وثيقة تأسيسية في مسار العدالة السورية. أما إذا بقي السجل ناقصًا أو مرتبكًا، فستظل المحاكمة حدثًا مهمًا في صورته، محدودًا في أثره.
---------------
مؤسس و مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان

فضل عبد الغني
السبت 23 مايو 2026