تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

الأسدية: ولادة المجرم السفاح

10/05/2026 - أحمد برقاوي

في أهمية مدوّنة

10/05/2026 - عمر كوش

حُفرة التضامن... حيث سقطت النخب

10/05/2026 - عالية منصور

إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى

07/05/2026 - عبد الرحمن الراشد

"الحزب" يرفض دخول تفاوض لن يُدعَى إليه

29/04/2026 - عبدالوهاب بدرخان

في التيه العلوي

27/04/2026 - حسام جزماتي


نحو تنظيم يحمي حق التظاهر ولا يقيده




بلاغ وزارة الداخلية الأخير المتعلق بتنظيم التظاهر السلمي أثار اهتماماً ونقاشاً واسعاً وهذا أمر طبيعي، لأنه يتناول واحداً من أهم الحقوق العامة في مرحلة انتقالية صعبة تمرّ بها سوريا. فالبلد يعيش ظروفاً استثنائية من دمار واسع واقتصاد منهك وموارد شبه معدومة وخطاب كراهية يرفع منسوب التوتر، وجرائم لم يتم كشف حقيقتها بعد، ومجرمون فارون من وجه العدالة، وعدالة انتقالية بلا إطار تشريعي.


 
في مثل هذه الظروف، من الطبيعي أن ترتفع الأصوات المطالبة بالاستقرار، وأن يكون هناك حرص على عدم الانزلاق إلى الفوضى. لكن في المقابل لا يمكن بناء دولة جديدة على قواعد هشة أو على إجراءات إدارية تتجاوز الإعلان الدستوري وتعيد إنتاج أنماط السيطرة القديمة.
الحق في التظاهر هو حق دستوري أساسي. والإعلان الدستوري نص بوضوح على أن تنظيم الحقوق والحريات يتم عبر قانون يصدر عن السلطة التشريعية، وليس عبر بلاغات أو تعاميم أو قرارات صادرة عن وزارة أو محافظة. 
لذلك، فإن أول إشكالية يطرحها البلاغ هي مسألة الاختصاص: هل يحق للوزير أن ينظّم حق دستورياً ببلاغ أو تعميم؟ قانونياً ودستورياً لا يحق له فعل ذلك، لأن الوزير أو المحافظ وظيفته تنفيذ القوانين، وليس إنشاء قواعد جديدة تمسّ جوهر الحقوق.
الإشكالية الثانية تتعلق بطبيعة الإجراءات التي اعتمدتها وزارة الداخلية في بلاغها. فبدل أن تعتمد نموذج الإخطار، الذي يُعدّ الأكثر انسجاماً مع المعايير الدولية، أعادت تبنّي نفس الإجراءات التي اعتمدها نظام الأسد المخلوع في سوريا من خلال المرسوم التشريعي رقم 54 لعام 2011، الذي جعل ممارسة حق التظاهر مشروطة بموافقة الإدارة وباتت ممارسته شبه مستحيلة، وحوّل التظاهر من حق إلى امتياز. 
وهو الأمر الذي رفضه السوريون وثاروا عليه. والعودة اليوم إلى هذا النموذج بعد كل التضحيات الهائلة التي قدّمها السوريون تثير تساؤلات حول مدى جدية التغيير.
من الناحية الإجرائية، البلاغ يقدّم مساراً مقيداً وطويلاً بدءاً من تقديم الطلب إلى المحافظة دون تحديد الجهة المختصة داخلها، ثم يعطي البلاغ مهلة 24 ساعة للمحافظة لإحالة الطلب مع التوصيات إلى لجنة غير معروفة التكوين أو الصلاحيات أو المعايير، وهنا سيفهم أن قرار اللجنة سيكون محكوماً بالتوصيات، ثم منح اللجنة خمسة أيام للبتّ، والمحكمة تبت بالطعن خلال أسبوع. 
هذا المسار لا يساعد على تنظيم الحق، بل يخلق حالة من الغموض الإداري ويمنح السلطة التنفيذية قدرة واسعة على التعطيل. فالتظاهرات غالباً تكون مرتبطة بأحداث طارئة، ولا يمكن انتظار أكثر من خمسة أيام للحصول على قرار. وحتى “الموافقة الضمنية” التي يذكرها البلاغ لا تشكّل ضمانة حقيقية، لأن الامتناع عن الرد قد يتحوّل إلى وسيلة لتعطيل الحق دون إصدار قرار صريح.
كما أن النص الذي يطلب من اللجنة المنظمة “منع أي قول أو فعل يتعارض مع مضمون الترخيص” يفتح الباب أمام رقابة مسبقة على مضمون التظاهر، وهذا يتعارض مع حرية التعبير، ويضع الإدارة في موقع الحكم على الخطاب السياسي، وهو أمر مرفوض في المعايير الدولية.
لذلك بات من الضروري إعادة النظر في البلاغ وإدخال تعديلات جوهرية عليه، بحيث يصبح منسجماً مع المعايير الدولية ومع متطلبات المرحلة الانتقالية في سوريا. 
من بين هذه التعديلات اعتماد نظام الإخطار بدل الترخيص، على أن يقدّم الإخطار قبل 72 ساعة على الأقل ويتضمن المعلومات الأساسية حول سبب التظاهر والشعارات التي سترفع، وترد الجهة المختصة خلال 24 ساعة بتعليمات تنظيمية تتعلق بالسلامة فقط. أما الترخيص فيُترك للحالات الاستثنائية التي تتطلب تدخلاً خاصاً. 
كما يجب تحديد معايير واضحة للرفض، ولا تترك لكل محافظة على حدة، بحيث لا يُرفض الإخطار إلا في حالات استثنائية جداً، مثل وجود خطر مباشر وجسيم على السلامة العامة مثبت بأدلة واضحة أو وجود مجموعات محظورة قانونياً أو تحريض صريح على العنف، على أن يكون الرفض مكتوباً ومعلّلاً وقابلاً للطعن خلال مهلة قصيرة لا تتعدى الثلاثة أيام.
ولا بد أيضاً من حماية التظاهرات العفوية باعتبارها حقاً مشروعاً، ولا يجوز اشتراط الإخطار لها، انسجاماً مع التعليق العام رقم 37 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان. كما يجب إلغاء التجريم المرتبط بغياب الإخطار، وتجريم العنف والتخريب فقط، لأن تحويل عدم الإخطار إلى جريمة يفتح الباب أمام إساءة استخدام السلطة.
ويجب وضع قواعد واضحة لاستخدام القوة إذا دعت الحاجة إليها، مبنية على الضرورة والتناسب، مع تدرّج واضح في التدخل، وتوثيق كامل، ومساءلة لأي تجاوز. كما أن نشر تقارير دورية عن الإخطارات والقرارات والإجراءات الأمنية يساعد على بناء الثقة بين المجتمع والسلطات.
في النهاية، سوريا اليوم أمام فرصة لإعادة بناء علاقتها مع مواطنيها على أساس احترام الحقوق. التنظيم مطلوب، لكن التقييد غير المدروس يعيد إنتاج المشكلات نفسها التي خرج السوريون ضدها. وإذا أردنا دولة مستقرة، فلا بد من قواعد قانونية واضحة وشفافة ومتوازنة تحمي الحق وتمنع الفوضى في الوقت نفسه. هكذا فقط يمكن أن نؤسس لبناء دولة جديدة لا تهدر تضحيات السوريين.
---------- 
صحيفة الثورة

ميشال شماس
الخميس 14 مايو 2026