"مصغرات فنيّة" تروي "حكايا" من اللجوء والنضال الفلسطيني



داخل غرفة صغيرة في منزل الشاب مجدي أبو طاقية (39 عاما)، بمخيم النصيرات، وسط قطاع غزة، تروي عدة مجسمات صغيرة الحجم، حكايات مختلفة مرّت بحياة الفلسطينيين وتركت علامة فارقة آنذاك.


المجسّمات، التي صنعها أبو طاقية، على مدار أكثر من عام، منقولة عن صور حقيقية تعبّر إما عن الوضع الإنساني الصعب الذي عاشه الفلسطينيون منذ نكبتهم عام 1948، أو بعضا من مراحل نضالهم. اللافت في تلك المصغّرات كانت هياكل المجسّمات البشرية، التي فضّل أبو طاقية، صناعتها من "الرصاص"، الذي كان يطلقه الجيش الإسرائيلي باتجاه الفلسطينيين. "كل جسم بشري في هذه المجسّمات عبارة عن رصاصة إسرائيلية منحوتة"، هكذا قال أبو طاقية لوكالة "الأناضول". إعادة تدوير المخلّفات العسكرية للجيش الإسرائيلي بات فنا لدى أبو طاقية، يستطيع من خلالها "فضح الانتهاكات الإسرائيلية وتذكير العالم بالأدوات العسكرية التي تستخدم لقتل الفلسطينيين السلميين"، على حدّ قوله. كما أراد أبو طاقية بذلك إرسال رسالة للعالم أن الشعب الفلسطيني الذي يقتله الرصاص الإسرائيلي هو شعب "محبّ للحياة، مبدع، ويكره الحروب والموت". **بداية الفكرة بدأ أبو طاقية عام 2018 استخدام مخلّفات الجيش الإسرائيلي من الرصاص أو قنابل الغاز التي استخدمت ضد الفلسطينيين قرب السياج الأمني الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل، خلال مشاركتهم بمسيرات العودة. راودته الفكرة بداية منذ إصابة شقيقه البالغ من العمر (19) عاماً آنذاك برصاص متفجّر في القدم، حيث أخرج الأطباء تلك الرصاصة من جسده بحجمها الكامل دون أن تفجر لـ"حسن حظّه"، كما قال أبو طاقية. وصنع بتلك الرصاصة أولى مجسّماته حينما نحت تمثالا كنعانيا صغيرا بهيكل الرصاص. نجاح ذلك الهيكل كان نقطة انطلاق بالنسبة لأبو طاقية للتوسّع في "فن المصغّرات" باستخدام المخلّفات العسكرية للجيش الإسرائيلي. وعلى طاولة صغيرة ركنها في زاوية غرفة منزله، رتب أبو طاقية عدة مجسّمات صغيرة صنعها من تلك المخلّفات مثل ـ"البندقية، والطائرة الحربية الإسرائيلية، ومدفع رمضان، وبعض المعدّات العسكرية للمقاومة الفلسطينية، وأدوات فنية كالجيتار والعود". ** أوضاع إنسانية لم يكتف أبو طاقية بصناعة الهياكل البشرية مستخدما الرصاص الإسرائيلي، لكنّه توجّه نحو نحت وتلوين حكايا فلسطينية كاملة باستخدام فن المصغّرات. يحمل الفنان الفلسطيني بكلتا يديه مجسّما صنعه مستعينا بذاكرة المعاناة التي عايشها اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات اللجوء بفلسطين أو في الشتات. ذلك المجّسم ضم صنبورا للمياه "العذبة"، والذي قال إن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، كانت قد شيّدته عام 1987 قرب مدرسة(مخيم) النصيرات، وسط قطاع غزة. وإلى جانب الصنبور وضع دلوا للمياه صُنع من قنبلة غازية، وقال معقّباً: "كنا نأتي إلى هذه الحنيفة من أجل تعبئة المياه الحلوة للشرب وحملها إلى المنازل". الكثير من المعاناة التي عاشها الفلسطينيون إبان نكبة عام 1948، حينما هُجّروا من منازلهم هم وأبنائهم. وفي مجسّم آخر، وأمام عيادة تابعة لوكالة "أونروا" جسّد أبو طاقية حالة اجتياح إسرائيلي للمخيم بالآليات العسكرية عام 1987. وقال أبو طاقية إن المخيم تعرّض آنذاك لحصار إسرائيلي امتد لنحو 17 يوما، نفدت خلالها المواد التموينية لدى اللاجئين، وعاشوا حالة من الجوع. وأضاف:" بعد 17 يوم، تسلل مجموعة من الفلسطينيين ليلا ووزعوا المواد الغذائية على اللاجئين". **محطات من النضال إلى جانب تجسيد المعاناة الإنسانية الي عايشها الفلسطينيون بسبب ما وصفه بـ"الإجرام الإسرائيلي"، روى أبو طاقية بمجسّماته بعضا من محطات نضال الفلسطينيين ضد الاحتلال. وفي مجسّم أبرز فيه الفنان الكثير من التفاصيل، حاكى مسيرات العودة التي انطلقت قرب حدود شرقي قطاع غزة، نهاية مارس/ آذار 2018. أبو طاقية نصب سلكا شائكا يتوزع خلفه مجموعة من الجنود الإسرائيليين المدججين بالأسلحة، وفي الجانب الآخر منه عدد من المتظاهرين الفلسطينيين، بجوارهم مجسمات صغيرة لإطارات المركبات المستعملة والمشتعلة، وخلفهم سيارات الإسعاف تنقل بعضا من المصابين، فيما تتوزع الطواقم الصحفية لتغطّي الحدث كاملا. ويقول إن "كل مجسم يبرز حالة خاصة في حياة الفلسطينيين لكنها تكون متكاملة الأركان، بشكل يمكّن المشاهد معرفة تفاصيل القصة بشكل متوازن". ** آمال وطموحات لم تقتصر مجسمات أبو طاقية على سرد بعض الوقائع التي حدثت في حياة الفلسطينيين، إنما جسّد حالات تمنى لو أنها تتحقق في المستقبل القريب. من تلك الحالات، نحت مجسما للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، زعيم حركة "فتح" السابق، وأحمد ياسين، زعيم حركة "حماس" الراحل، وهما يجلسان في غرفة واحدة، وخلفهما بندقية. وقال:" هذا المجسم هو أكبر أمل لدى الفلسطينيين بأن تتحقق الوحدة بين حركتي فتح وحماس، وتنهي حقبة سوداء من الانقسام، الذي هدد القضية". ويعتقد أبو طاقية أن هذه المجسمات "قادرة على تقديم معلومات للأطفال وللعالم تذكّرهم بالقضية الفلسطينية". وبيّن أنه شارك في عدد من المعارض المحلية بقطاع غزة، معربا عن أمله في المشاركة بمعارض دولية. ويصف أبو طاقية الفن في غزة بأنه عمل مقاوم خاصة وأنه قادر على "إحياء القضية والتذكير فيها، والدفاع عنها"، إلى جانب "فضح الانتهاكات الإسرائيلية".

وكالات - الاناضول
الاثنين 6 ماي 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث