منذ حرب تموز/ يوليو 2006، لم تعد جوليا بطرس مجرد مغنّية لبنانية ذات أغنيات وطنية. تحوّل صوتها، بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين، إلى جزء من الذاكرة السمعية لـ”المقاومة”. وفي أغنية “أحبائي”، استعارت كلمات من رسالة وجّهها الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله إلى المقاتلين خلال الحرب، فتحوّل الخطاب السياسي العسكري إلى أغنية، والأغنية إلى وجدان، والوجدان إلى سردية كاملة عن التضحية والصمود والأرض.
جنوب لبنان الذي غنّت له جوليا بطرس طويلاً ليس بخير. فمنذ اندلاع المواجهات على جبهة الجنوب في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، قُتل 8,920 شخصاً وجُرح 30,543 آخرون جراء الهجمات الإسرائيلية، بينهم 4,350 قتيلاً و12,310 جرحى منذ 2 آذار/مارس 2026.
ودمّرت إسرائيل بلدات حدودية بكاملها، وسوّت أحياء ومنازل أرضاً، وألحقت أضراراً واسعة بالأراضي الزراعية ومصادر رزق السكان، فيما لا تزال عائلات كثيرة نازحة أو عاجزة عن العودة إلى قراها، وبعضها بات تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر. لم تترك هذه الحرب وراءها “انتصاراً” يصلح لأغنية جديدة، بل جنوباً مثقلاً بالقتلى والجرحى والدمار والنزوح.
وفي لبنان نفسه، احتفلت عائلة جوليا بطرس وزوجها، نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب، قبل عام بخطوبة نجلهما سامر ولانا نصولي في حفل وصفته الصحافة الفنية بالفخم، قبل أن يعود زفافهما هذا العام إلى واجهة أخبار الفن والمجتمع.
لا مشكلة، بالطبع، في أن يتزوج سامر بو صعب، نجل المغنية جوليا بطرس، ولا في أن تفرح أم بزفاف ابنها. لكن المشكلة تبدأ في مكان آخر تماماً. تبدأ عندما يصبح السؤال: من يعيش فعلياً الحياة التي تصفها الأغنيات والخطابات؟
مقاومة للاستهلاك الشعبي
بعد أيام فقط، اندلع جدل آخر حول حفل زفاف نجل النائب علي حسن خليل، أحد أبرز وجوه حركة أمل. انتشرت بطاقة دعوة لحفل قيل إنه سيقام في قصر سرسق في بيروت في 18 أيلول/ سبتمبر، فانطلقت موجة اعتراض واسعة. لم يكن الاعتراض، في جوهره، على الزواج، بل على الصورة: أحد أبرز وجوه الطبقة السياسية التي تمثّل الجنوب يقيم، بحسب الدعوة المتداولة، احتفالاً في أحد أفخم قصور بيروت، فيما يعيش الجنوب نفسه واحدة من أكثر مراحله قسوة.
وهنا، لا بد من التمييز بين حركة أمل وحزب الله. فالحركة حليف سياسي للحزب وشريك أساسي له في تمثيل البيئة الشيعية، لكنها ليست صاحبة السلاح ولا صاحبة القرار العسكري بفتح جبهة الجنوب. وهي مسافة نادراً ما تظهر في المواقف العلنية، لكنها حاضرة في أحاديث داخل البيئة نفسها، حيث تُطرح، بعيداً عن الكاميرات، أسئلة عن الحرب وجدواها وكلفتها، وعن قدرة الحلفاء والجمهور أصلاً على الاعتراض عليها.
ولم يكن اسم قصر سرسق تفصيلاً عابراً في الاعتراض. فالقصر نفسه كان أحد ضحايا انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس 2020، وقد أصيبت السيدة إيفون سرسق داخله يوم الانفجار، قبل أن تتوفى لاحقاً متأثرة بجروحها. أما علي حسن خليل، فكان من بين السياسيين الذين ادعى عليهم المحقق العدلي في قضية الانفجار، ودخل اسمه في صلب المواجهة السياسية والقضائية التي عطّلت مسار التحقيق مراراً.
لهذا حمل الاعتراض على إقامة الحفل في القصر معنى يتجاوز البذخ والتوقيت. بالنسبة إلى عائلات الضحايا ومنتقدي الحفل، بدت المفارقة قاسية: اسم سياسي مطلوب للتحقيق في ملف انفجار المرفأ يرتبط باحتفال داخل قصر دمّره الانفجار نفسه وفقدت صاحبته حياتها متأثرة بجروحها.
أعلنت إدارة قصر سرسق لاحقاً إلغاء الحفل المقرر في القصر. أما علي حسن خليل فنفى الرواية المتداولة، وقال إن زواج ابنه تم قبل أيام في منزل العروس واقتصر على العائلتين، وإن مناسبة أخرى كانت مقررة في منزل العائلة في الخيام ألغيت سابقاً بسبب الأوضاع.
قد يكون الجدل حول تفاصيل الحفل انتهى هنا، لكن السؤال الذي فجّره لم ينتهِ. لأن القضية لم تعد زفافاً. إنها مسألة طبقية وسياسية تتعلق بمن يدفع ثمن الأحداث الكبرى في لبنان.
على مدى عقود، لم تكن “المقاومة” مشروعاً عسكرياً وسياسياً فقط. كانت أيضاً اقتصاداً كاملاً للرموز. أنتجت أغنيات وصوراً وخطابات واحتفالات وشعارات ومفردات يومية عن الأرض والشهادة والصمود والفداء. وفي هذا الاقتصاد، كان الجنوب المادة الخام الأهم.
الصمود وظيفة الفقراء
الوقاحة ليست في امتلاك المال، ولا في إقامة حفل زفاف جميل، ولا في ارتداء ثوب باهظ الثمن. الوقاحة هي أن تتحول المعاناة إلى خطاب يُستهلك من أسفل، بينما يستطيع منتجو الخطاب العيش خارجه من أعلى. أن تقول للناس إن الأرض أغلى ما يملكون، فيما هم عاجزون عن العودة إلى أرضهم.
أن تصبح كلمة “الصمود” وصفاً رومانسياً لحياة شخص خسر منزله ومدخراته ومصدر رزقه، بدلاً من أن تكون سؤالاً سياسياً عن المسؤولية: لماذا وصل إلى هنا؟ ومن سيعوّض عليه؟ ومن قرر عنه؟ ومن وعده بالحماية؟ في هذه المعادلة، لا يعود الصمود قيمة وطنية فحسب. يصبح وظيفة اجتماعية يؤديها الفقراء. هم الذين يُطلب منهم أن يصمدوا. أما أصحاب النفوذ، فلديهم هامش أوسع بكثير بين الخطاب والحياة. وهذا تحديداً ما يجعل مشاهد الرفاهية مستفزة، ليس لأنها رفاهية، بل لأنها تكشف فجأة المسافة بين البائع والمشتري.
لكن هذه الصورة تحتاج بدورها إلى بعض الدقة. فالحرب لم تُبقِ أصحاب خطاب المقاومة خارج دائرة الموت. إسرائيل لاحقت قيادات حزب الله ومسؤوليه واغتالت عدداً كبيراً منهم، وصولاً إلى أمينه العام السابق حسن نصرالله. لذلك، سيكون من التبسيط القول إن قادة المشروع طلبوا من الآخرين الموت فيما بقوا هم بمنأى عن الكلفة.
إقرأوا أيضاً:
لكن اشتراك القادة والجمهور في الخطر لا يعني تساويهم في القرار أو في القدرة على تحمّل نتائجه. هنا يكمن السؤال الأكثر إلحاحاً: من يملك قرار الحرب، ومن يتحمل تبعات قرار لم يشارك في اتخاذه؟ ومن يملك، بعد انتهاء القصف، المال والنفوذ وشبكات الأمان التي تسمح له باستعادة حياته، في مقابل من خسر منزله وأرضه ومصدر رزقه ولا يزال ينتظر العودة أو التعويض؟
بائعو الأمل
في لبنان، لدينا صناعة قديمة يمكن تسميتها “بيع الأمل”.
السياسي يبيع الأمل بأن الدولة ستعود. الزعيم يبيع الأمل بأن الطائفة محمية. المصرفي كان يبيع الأمل بأن أموال الناس آمنة. أما حزب الله، فبنى جزءاً أساسياً من شرعيته على وعد أكثر حساسية: أن السلاح والتضحيات، مهما بلغت كلفتها، يشكلان طريقاً إلى حماية الأرض وردع إسرائيل وصون الكرامة والتحرير.
هنا لا نتحدث عن النفاق الفردي فقط، بل عن امتياز سياسي. فالطبقات الحاكمة في لبنان لا تطلب من الناس فقط أن يتحملوا نتائج سياساتها. تطلب منهم أيضاً أن يمنحوا هذه النتائج معنى نبيلاً.
الفقر يصبح “صموداً”.
فقدان المنزل يصبح “تضحية”.
النزوح يصبح “ثباتاً”.
والموت يصبح “فداءً”.
إنها عملية لغوية شديدة الفعالية: تحويل الخسارة التي يتحملها المواطن إلى فضيلة، بحيث يصبح الاعتراض عليها أقرب إلى الاعتراض على الفضيلة نفسها.
جوليا ليست المشكلة
لهذا، ليست جوليا بطرس المشكلة، كما أن زفاف ابن علي حسن خليل ليس المشكلة. هما صورتان داخل مشهد لبناني أكبر. المشكلة هي أن اللبنانيين باتوا يعيشون في بلد توجد فيه حياة لمن يملك القدرة على الخروج من نتائج السياسة للأحداث كالحرب وانفجار المرفأ، وحياة أخرى لمن يُطلب منه أن يحمل نتائجها وأن يغني لها أيضاً.
ربما لهذا تبدو العودة إلى أغنيات جوليا اليوم مختلفة. الأغنيات نفسها لم تتغير. لكن البلاد التي تسمعها تغيّرت.
حين كانت جوليا تغني “أحبائي”، كان ممكناً بالنسبة إلى كثيرين سماع الأغنية باعتبارها تعبيراً عن لحظة مواجهة وانتصار وصمود. أما اليوم، فمن الصعب فصل كلمات البطولة عن صور قرى الجنوب المدمرة، وعن العائلات التي لم تعد تعرف متى تعود، وعن أشخاص بنوا منازل طوال حياتهم ثم شاهدوها تتحول إلى ركام.
والأصعب هو تجاهل أن بعض الذين صنعوا سردية التضحية أو عاشوا سياسياً وثقافياً في ظلها، لا يعيشون بالضرورة التضحية نفسها. هذه ليست دعوة إلى أن يصبح الجميع فقراء أو شهداء حتى تتحقق العدالة، ولا إلى إقامة شرطة أخلاقية تراقب أعراس أبناء السياسيين والفنانين.
إنها دعوة إلى شيء أبسط بكثير: ألا يملك أصحاب المشاريع السياسية وحدهم حق اتخاذ الخيارات الكبرى، ثم يُترك للناس أن يدفعوا كلفتها وأن يُطلب منهم، فوق ذلك، أن يسمّوا هذه الكلفة صموداً.
لأن المشكلة ليست أن في هناك من يرقص فيما الجنوب يتألم وعائلات ضحايا تفجير المرفأ يقبعون اليوم بلا عدالة. المشكلة في منظومة سياسية وثقافية استطاعت، طوال سنوات، أن تمنح الألم معنى بطولياً، وأن تطلب من الناس تحمّل الخسارة باسم قضية أكبر، من دون أن تمنحهم الحق نفسه في تقرير حجم الخسارة التي يستطيعون تحمّلها.
اقتصاد الوقاحة لا يبدأ من فستان ولا من قصر ولا من حفل زفاف. يبدأ حين يصبح الصمود واجباً على من لا يملك القرار، فيما يبقى القرار امتيازاً لمن يملك السلطة.
------
درج


الصفحات
سياسة










