وفي الجهة الأخرى من البلاد، كان يُفترض بآلاف الطلاب في السويداء أن يستعدوا اليوم لدخول الصف الأول الثانوي، وبعضهم الآخر للسنة الجامعية الأولى، لكن أغلبية المقيمين داخل المحافظة لم يتمكنوا من الوصول إلى امتحانات الدورة الاستثنائية التي خصصتها لهم الدولة في ريف السويداء الشمالي، بعدما منع “الحرس الوطني” التابع للشيخ حكمت الهجري الحافلات من الخروج باتجاه المراكز الامتحانية.
أمامنا إذًا صورتان سوريتان متزامنتان، في الأولى، لم يحصل أحد على كل ما يريده، لكنه حصل على شيء يمكن البناء عليه، وفي الثانية، لم تنجح الأطراف في الوصول إلى الحد الأدنى الذي يسمح للطلاب بمتابعة حياتهم.
وبين الصورتين تظهر مسألة يبدو أننا سنحتاج إليها كثيرًا في سوريا المقبلة: فن التسوية.
منذ أكثر من قرن، تحدث سيغموند فرويد عن انتقال أساسي يحدث في حياتنا النفسية، من “مبدأ اللذة” إلى “مبدأ الواقع”، في البداية، يريد الإنسان إشباع رغبته، ويريدها الآن، لكن العالم الخارجي لا يعمل وفق رغباتنا، لذلك نتعلم تدريجيًا تأجيل بعض الإشباع، والتخلي عن بعض أشكاله، وتحمل شيء من عدم اللذة، للوصول في النهاية إلى إشباع ممكن في الواقع.
مبدأ الواقع عند فرويد لا يعني التخلي عن الرغبة، وهذه نقطة أساسية ومهمة جدًا، بل يعني تعديل الطريق إليها، فالإنسان الناضج لا يتوقف عن الرغبة (لا توجد أصلًا حياة بلا رغبة)، وإنما يصبح قادرًا على النظر إلى الواقع كما هو، والتفكير بما يستطيع تحقيقه الآن، وما يمكن تأجيله إلى الغد.
تصلح هذه الفكرة النفسية لفهم ما حدث أخيرًا بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بعد سنوات من الصراع والتوتر والمفاوضات، انتهت “قسد” بوصفها قوة عسكرية مستقلة واندمجت في مؤسسات الدولة، ثم عُيّن قائدها السابق مظلوم عبدي مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية.
لم تحصل “قسد” على كل ما أرادته، ولم تعد دمشق ببساطة إلى ما كانت عليه سوريا قبل عقود، تنازل الطرفان، لكن كليهما حصل في المقابل على شيء يمكن البناء عليه.
واللغة الكردية ربما تكون المثال الأجمل.
قد تبدو ثلاث حصص أسبوعية قليلة أمام عقود من التهميش، ويمكن بسهولة القول إنها لا تحقق كامل الطموحات الثقافية للكرد السوريين (وأنا أتفق مع هذا الرأي)، لكن ماذا لو نظرنا إليها وفق مبدأ الواقع، لا باعتبارها نهاية الطريق وإنما بدايته؟
الأطفال الذين سيتعلمون الكردية اليوم سيصبحون بعد سنوات قراء بها، ووجود القراء يسمح بوجود الكتب، والكتب تحتاج إلى كتّاب ومترجمين ودور نشر، وقد نرى مكتبات تضم أقسامًا للأدب الكردي، ومهرجانات شعرية، وأمسيات ثقافية وتوقيع كتب، وترجمة من الكردية إلى العربية وإليها، وقد يأتي يوم يتعلم فيه سوريون من غير الكرد اللغة الكردية للعمل أو الدراسة أو قراءة أدبها، أو لمجرد الفضول تجاه لغة أصبحت جزءًا طبيعيًا من المشهد الثقافي السوري.
عندها لن تكون الكردية فقط لغة يتحدث بها بعض السوريين، بل ستكتسب شخصيتها ومكانتها بوصفها إحدى لغات الثقافة السورية.
هكذا لا يعني القبول بالواقع الاستسلام له، بل الانطلاق منه لتغييره، وهناك فرق كبير بين الأمرين.
وفي السويداء كان يمكن البحث عن المنطق نفسه، فحتى بعض المعارضين للحكومة لم يرفضوا من حيث المبدأ فكرة إجراء الامتحانات خارج مدينة السويداء، بشرط أن تكون قريبة وآمنة، وأن تبقى تحت إشراف وزارة التربية بما يحفظ قيمة الشهادة السورية ومعاييرها، وبالفعل، أُنشئت دورة استثنائية و24 مركزًا في الريف الشمالي قادرة على استيعاب نحو 13 ألف طالب.
ربما لم يكن ذلك الحل مثاليًا، وربما كان يمكن التفاوض على ضمانات إضافية أو أماكن مختلفة أو ترتيبات أكثر قبولًا، وكان يمكن للطرف الرافض أن يقدم بديله أيضًا، لكن ما لا يمكن تعويضه هو سنة من حياة طالب.
ليست التسوية فضيلة في كل الأحوال، وليس مطلوبًا من الناس أن يقبلوا بأي شيء يعرض عليهم، هناك حقوق لا يجوز التنازل عنها، وتسويات قد تكون ظالمة فعلًا، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح السياسة بحثًا دائمًا عن الحل الكامل، وحين يصبح الحصول على بعض ما نريد مرادفًا للهزيمة، وهذه مشكلة عميقة في التفكير نحتاج إلى تجاوزها بسرعة.
ربما كان أحد أصعب الدروس التي ينبغي أن نتعلمها بعد 14 عامًا من الصراع أن السياسة ليست المكان الذي تتحقق فيه رغباتنا كاملة، وإنما المساحة التي نحاول فيها تحويل أكبر قدر ممكن منها إلى واقع، فمبدأ الواقع لا يطلب منا أن نتوقف عن الحلم، بل أن نجد للحلم طريقًا يمكن السير فيه.
وأحيانًا، تكون الخطوة الصغيرة التي نقبل بها اليوم هي التي تجعل الخطوة الأكبر ممكنة غدًا.
-----------
عنب بلدي


الصفحات
سياسة








