في حين عبّر الفاعلون عما قاموا به، واستمروا به، بكلمة "ثورة". ولجأ مؤيدو النظام غير المكرّسين، ومحايدون معلَنون، إلى لفظة "أزمة" التي تسير نحو المنطقة الرمادية التي اتسعت لمفردات أخرى متدرجة؛ "الاحتجاجات" عند بدء "الحراك"، ثم "الحرب"في السنوات التالية والشعر، و"الحرب الأهلية" مع تعقد المشهد وتعدد الأطراف، وفي الدراسات المكتوبة بالإنكليزية أو التي تسير على منوالها.
لم يكن بشار الأسد أول من كلّف نفسه مهمة تفنيد وصف "الثورة"، لكنه أبرزهم، وإن لم يكونوا كلهم على نهجه. ففي خطاب ألقاه في دار الأوبرا بدمشق، مطلع العام 2013، قال إن خصومه "يسمونها ثورة وهي لا علاقة لها بالثورات". لأن "الثورة"، بحسبه، بحاجة لمفكرين، و"من يعرف مفكراً لهذه الثورة؟". كما أن الثورات تُبنى على العلم لا على الجهل، وعلى تعميم النور على المجتمع لا على "قطع الكهرباء عن الناس"، وفق كلامه. ليتساءل أخيراً: بالله عليكم، هل هذه ثورة؟ ويخلص إلى أن المتمردين عليه هم مجرد "حفنة من المجرمين.. المستوردين".
والحال أن مجادلته في أن الثورة السورية لا تشبه الثورات أشيع من أن تختصّ بخطابه المعادي وبجوقة إعلامه. فقد كرر هذه الحجة كثير من مناهضي الثورة، ولا سيما المثقفون منهم، مستندين إلى نموذج مفترض على الثورات سلوكه كي تستحق هذا الوصف، معتمدين على جهل الجمهور بتاريخ الثورات في العالم وعلى البريق اللامع لمفردة "ثورة" عموماً، الذي يوحي بأنها مخطط منضبط منظم يطلقه قادة معروفون بعد "دراسة جدوى" تضمن النجاح، أو ترجّحه بشدة. على أن يتمتع هؤلاء برؤية فكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية "تقدمية" بمعنى من المعاني، وبالقدرة على ضبط الجماهير التي سيخرجونها من عقالها. وإلا فليبقوا في بيوتهم ويكفوا الشعوب جهد النضال.
في الحقيقة لا عيب في صورة هذه "الثورة" سوى أنها متخيلة ومسطرية، وأنها هي التي لا تشبه الثورات الواقعية بالفعل.
فالثورات اندفاعات بشرية مفاجئة، لا يمكن التنبؤ بها وتحليل أنها كانت واجبة وفي "وقتها" إلا بأثر رجعي. قد يلعب بعض المثقفين أو السياسيين دوراً في التحريض عليها، لكنهم، في الغالب، سيصبحون على الهامش عندما تفرز الوقائع "دولة ورجالاً" ربما لم يخطر لهم الاحتجاج من قبل. يصعدون لأسباب تتعلق بمقدرتهم المكتشفة على زعامة الجماهير، أو مهارتهم المستجدة في القتال، أو حذقهم في خداع الرأي العام، أو مسارعتهم إلى نسج علاقات خارجية، أو فقط بفعل القدر أو المصادفة التي يمكن تفكيكها لاحقاً بعد أن يمضي المشهد وتصبح ذكراه مادة للمؤرخين ولمحطّمي الأساطير.
الطريق "الطبيعي" للثورات هو أنها مسار عريض جداً إلى الأمام، يحوي دروباً صغيرة متقاطعة كثيرة شديدة التعرج، قابلة للانتكاس والوقوع والقيام. وقد فهم هذه الحقائق من شاركوا في الثورة السورية من البداية وعبر سنيّها المديدة، ولم يغيبوا عن حضور دروسها طويلاً. أما من يريد فهمها الآن بمشاهدة أبرز الفيديوهات فستعوزه الروحية، وهي شرط ضروري لحدس الحركات الجماعية الكبرى؛ في طبقاتها، وصعود الأوزان الفاعلة فيها وهبوطها، والسمات المميزة لجغرافياتها، والحساسية الخاصة لكل حقبة من مراحل مسارها، المعقد حكماً.
يقول هذا إن الثورة، بما أنها ليست هندسية، مؤهلة للتعثر والتيه وتشوش البوصلة والثورة المضادة والسير بأنصاف الخطوات. وهذه كلها ليست كبوات عارضة قصيرة الأجل بالضرورة، بل ربما تمتد طويلاً لأن التغيير المطلوب سيواجه قوى راسخة تستطيع إعاقته بما قد تمتلك من "دولة عميقة" أو، بالأحرى، "مجتمع عميق". لكن الخبر الجيد هو أن كل ذلك سيمر في النهاية، إذ إن السير نحو الأفضل بدأ منذ سلوك الخطوة الأولى. والمطلوب هو عدم الغرق في اللحظة رغم إيلائها الاهتمام الكافي، ومتابعة الثورة حتى تستقر كل أهدافها المؤسِّسة في الحياة العامة؛ دستوراً وقوانين وأعرافاً، وتجنب "النزق الثوري" عند التفكير في التحول الاستراتيجي ذي التكلفة التي تُسدّد تراكمياً، وربما على أكثر من جيل.
وإلا ما البديل لدى من يرى أن الثورة سُرقت أو من لا يراها ثورة من الأساس؟ أهو الوقوع في القنوط أم الانزلاق باتجاه جنون خطاب الكراهية السائد في هذه الأيام، أو نفض اليد نهائياً؟ كل هذا ممكن كخيار فردي من دون الزعم بأنه موضوعي. ففي كل سنة مما سبق كانت هناك جوانب سيئة إلى درجة غير مسبوقة، غير أن ذلك لم يستأصل الحلم بالتغيير. وفي نهاية المطاف أزيل من طريقه العائق الأكبر بالإطاحة بالديكتاتور الذي كان نظامه يسدّ الأفق. صحيح أن هناك بيئات تعاني اليوم من أوضاع لم تتعرض لها من قبل، لكن هذه الحالة ليست أبدية، بل مشروطة بالواقع المضطرب، وهو ليس نهاية التاريخ الذي لا يتوقف عن تقديم الفرص وخلق الصعوبات، فهناك دوماً إمكانية للتغيير وتحولات متاحة. وهذه الطرق الملحمية هي ما يسمى "الثورة".
----------
تلفزيون سوريا


الصفحات
سياسة








