زنزانة عمر البشير فيها تكييف وتلفزيون وأشياء أخرى

21/04/2019 - صحيفة الانتباهة - مواقع تو،اصل



هل أصبح بارون المخدرات المعروف بالـ"تشابو" نجما؟





نيويورك / مكسيكو - يوهان شميت تيجي وإيميلي ريختر– خلال الخمسينيات، ردت السينما الاعتبار لما يعرف ب"الغرب البعيد"، من خلال أفلام الويسترن، والتي حظي أبطالها بشعبية جارفة أمثال جون وين، ومن بعده كلينت إيستوود. بعد ذلك حلت أفلام العصابات والمافيا محل أفلام الويسترن، وفي مقدمتها سلسلة الأب الروحي، و"سكارفيس" ولعب آل باتشينو بطولة العديد منها مع روبرت دي نيرو وحتى مارلون براندو، المتمرد على الخط السائد في عالم هوليوود. في الوقت الراهن، تفضل سينما الجريمة، تناول موضوعات واقعية، وخصوصا عن عالم بارونات المخدرات في أمريكا اللاتينية، حيث انتجت نتفلكس مسلسل "ناركوس" عن أسطورة المخدرات الكولومبي، بابلو اسكوبار، وفي نفس الوقت، قدم خابيير بارديم وبنيلوبي كروث فيلما عن نفس الشخصية، في رواية تكاد تكون مختصرة ومكررة عن نفس الشخصية. ومن كولومبيا إلى المكسيك، نجد بارون آخر للمخدرات وهو خواكين جوثمان الملقب بـ"التشابو"، ويعامل في بلاده كبطل شعبي.


 
تجتذب محاكمة التشابو في مدينة نيويورك جمهورا عريضا من السائحين الذين انبهروا بشخصية زعيم كارتيل المخدرات في البلد اللاتيني، والفضوليين من عشاق قصص الجريمة سواء في الصحافة أو الأدب على أمل أن يحظوا بنظرة عن قرب لملك المخدرات، والذي قد يقضي بقية عمره خلف القضبان بسبب نشاطه الحرام، وجرائمه التي تشي بمسئوليته عن أكثر من ثلاثة آلاف عملية اغتيال. ومع ذلك تنتج عنه مسلسلات تليفزيونية وتكتب له أغاني تمجد شخصيته، وبطبيعة الحال فإنه بالنسبة لهوليوود تعتبر قصته موضوع فيلم أكيد.
يقدم عالم عصابات المخدرات لكتاب السيناريو والمخرجين مادة خصبة بامتياز مليئة بالأكشن والإثارة، تتخللها مشاهد أطنان من الكوكايين وغيره من المواد المخدرة، وسط الأحراش الكولومبية، ووجوه القتلة المأجورين، وأفراد عصابات التهريب في قلب الحدث، وبطبيعة الحال، المنطقة المضطربة على الحدود بين الولايات المتحدة وجيرانها الجنوبيين سواء المكسيك أو باقي دول أمريكا الوسطى، وخاصة السلفادور وجواتيمالا. تقدم الرواية السينمائية رؤية واقعية لصراع السلطة والنفوذ والمال الوفير، وسط عالم من البذخ جعل من تجار المخدرات قياصرة وبارونات مع أسرهم، حيث يملكون أساطيل من السيارات، وترسانات أسلحة، وطائرات خاصة وغواصات ويخوت، وحتى حدائق حيوانات ومدنا بأكملها.
يعتبر فيلم آل باتشينو، سكارفيس، الذي جسد فيه عام 1983، دور المهاجر الكوبي توني مونتانا الذي تحول إلى أكبر تاجر مخدرات في ساحل ميامي، نموذجا ومرجعية للأعمال التي قدمت بعد ذلك، مثل "خيوط التهريب"، بطولة بنيثيو ديل تورو، وكاثرين زيتا جونز ومايكل دوجلاس، للمخرج ستيفن سودربيرج، ثم "انفجار" 2001، بطولة جوني ديب وبنيلوبي كروث، ثم "قاتل مأجور" 2015. مع الفارق أن الصراع مع بارونات المخدرات كان أحيانا يأخذ شكلا واقعيا وأحيانا يبتعد كثيرا عن الواقع لدرجة الكوميديا مثل فيلم "نحن عائلة ميللر"، 2013 بطولة جنيفر آنستون وجيسون سوديكيس.
حلت أفلام المخدرات، إلى حد ما محل أفلام رجال عصابات الجريمة المنظمة والمافيا، والتي ظلت تعتمد عليها الأفلام البوليسية لفترة طويلة استمرت حتى مطلع التسعينيات. ومع ظهور شركات البث عن طريق الانترنت أو الاستريمينج، مثل نتفليكس، حققت هذه النوعية من الأفلام انتشارا لا حدود له، وهو ما تأكد مع نجاح مسلسلات مثل "اختلال ضال"، بالإضافة إلى "ناركوس" و"التشابو"، حيث يُسرد الواقع بصورة درامية.
في مقابلة مع "الجارديان" بقول الممثل اللاتيني، بنيثيو ديل تورو، الذي جسد دور جيفارا في فيلم "التشي" للمخرج سودربيرج "لا شك أننا بصدد نوع جديد، هذه الأعمال سوف تصبح مستقبلا الويسترن الجديد"، في إشارة إلى الأعمال التي حققت شهرة عالمية لا محدود في نصف القرن الماضي. ولعب ديل تورو بطولة أفلام مهمة عن تجارة المخدرات في الألفية الجديدة مثل "اسكوبار: الفردوس المفقود"، و"متوحشون" و "قاتل مأجور"، بالإضافة إلى "خيوط التهريب"، وتصور جميعها مدى تطور الصراع الذي بدأ في الولايات المتحدة مع مطلع الثمانينيات، ولكن غير الواقعي في الموضوع هو حرص السينما على التأكيد على الرواية الرسمية وهي أن الصراع يمكن فيه انتصار الخير الذي تمثله الولايات المتحدة على الشر الذي يمثله بارونات المخدرات، دون الانتباه للشعبية الرهيبة التي يحظى بها هؤلاء في بلادهم، التي تعاني من استغلال واشنطن لها اقتصاديا وسياسيا.
تحرص المعالجة السينمائية أيضا على التأكيد على خلق صورة نمطية عن العناصر اللاتينية التي تظهر على الشاشة في هذه النوعية من الأعمال، وهي ليست بالقليلة، فأغلبهم رجال عصابات، يتحدثون بأسلوب فظ وألفاظ غير لائقة، وهناك أيضا اللقاءات السرية في الضياع والقصور المكسيكية، حيث تدور كؤوس شراب التكيلا المكسيكي على المسابح المليئة بفتيات لاتينيات بالبكيني، وفقا لتحليل "نيويورك تايمز" عن خلفيات سيناريو أفلام المخدرات التي تتكرر فيها هذه العناصر بشكل روتيني فج، موضحة أنه لا يمكن اختصار تاريخ 57 مليون لاتيني يعيشون في الولايات المتحدة في ذلك فقط، حيث يتجاوز ذلك بكثير لقصة انعدام المساواة والصراع من أجل البقاء والحق في الحصول على حياة أفضل.
يهرول كتاب سيناريو هذه النوعية من الأعمال بدون تفكير، لتكريس أسطورة بارون المخدرات من خلال معالجتهم للموضوع من كافة جوانبه. كما أصبحت هناك أغاني تكتب وتلحن خصيصا لهذه الأعمال على إيقاعات تمزج بين الفالس والبولكا، والميلودي السريع، وتتمحور موضوعاتها حول ثلاثي العنف والمخدرات والجنس، والغرض منها تمجيد زعيم عصابة المخدرات، وتعتبر الأوشام والفتيات شبه العاريات والانتقال السريع من الأحياء العشوائية الفقيرة بالضواحي للضياع والقصور الفاخرة، سمات أساسية، حتى لو كانت كلمات الأغنية تتحدث عن خيانة الأصحاب أو عشق صعب المنال. المثير في الأمر أن بعض بلديات الولايات المكسيكية قد حظرت بث هذه النوعية من الأغاني في الإذاعة المحلية، على اعتبار أنها تبرر العنف وتروج له.
هناك الكثير من الأغاني حول التشابو، تمجد أغلبها رحلة صعوده من القاع حيث الفقر والبؤس، إلى قمة هرم الجريمة والسلطة على العالم السفلي للمخدرات في كارتيل سينالوا، وهي نفس قصة اسكوبار مع كارتيل ميديين في كولومبيا. من بين الأغاني عن التشابو "هروب آخر"، تتحدث عن ملحمة هروبه المثيرة من سجن الآلتيبلانو مشدد الحراسة عام 2015 عبر نفق حمام زنزانته. تقول كلماتها: لكي تقبضوا على التشابو، كانت فضيحة، ومن الحمام خرج مهندما من جديد، السنيور...".
تعتبر المخدرات من الموضوعات الرئيسية للمسلسلات اللاتينية، يطلق عليها في كولومبيا وعدد غير قليل من دول أمريكا اللاتينية "مسلسلات المخدرات"، ومنها "عرائس المافيا" و"كارتيل الضفادع" و"ملكة الجنوب"، وتحظى هذه الأعمال بنسب مشاهدة مرتفعة للغاية، حيث يبدو واضحا أن الإثارة والعنف والقوة والنفوذ، مقابل الضعف البشري، من العناصر الأشد جذبا للجمهور.
قبل عامين، قال نلسون مارتينيث، منتج مسلسل "الكابو" لصالح قناة "فوكس موندو"، "إنه أمر مذهل أن نجد البطل المضاد، مهرب المخدرات في هذه الحالة، لديه القدرة على اجتذاب الجمهور إلى كل هذا الحد. إنه أمر معقد، ولكنه إنساني، وهذا هو السبب في تصوري الذي يجعل الناس تحبه".

يوهان شميت تيجي وإيميلي ريختر
الاربعاء 30 يناير 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث