هل عقدت اوربا اتفاقا مع الشيطان لتفادي الهجرة من السودان؟



الخرطوم/ بروكسل - جيويا فوستر ومارتينا هيرزوج وميشيل وندي– أوروبا... كانت هذه وجهته. قبل عشر سنوات عندما تسلل علي أحمد جمال جهاد من إثيوبيا إلى السودان بصورة غير شرعية، كان يسعى للسفر إلى أوروبا على الفور، إلا أن مافيا تجارة البشر استولوا على ماله وتركوه ورحلوا. يحكي الشاب ذو الـ36 ربيعا، مؤكدا أنه بالرغم من كل شيء لم يتخل عن حلمه بعد. الآن أصبح في حكم المستحيل الوصول إلى ليبيا، ومنها إلى شواطئ أوروبا. لماذا؟ "بسبب أنجيلا ميركل"، على حد قوله، حيث تعتبر ألمانيا وجهة اللاجئين المفضلة، ولكن الكثيرين لقوا حتفهم في البحر المتوسط، مما دفع المستشارة الألمانية للتدخل. "وهذا أدى لتوقف الهجرة من السودان"، يتابع جهاد.
تعيش السودان في الوقت الراحل مرحلة تغيير قوية. مطلع نيسان/ أبريل الماضي، تمت الإطاحة بالرئيس عمر البشير بعد فترة حكم امتدت لثلاثة عقود، وتولى مقاليد البلاد مجلس عسكري. وظل البلد العظيم ينظر إليه ويتعامل مع سكانه كما لو كانوا "منبوذين" بسبب البشير، الملاحق دوليا بسبب أمر قضائي من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة الضلوع في ارتكاب جرائم ضد الانسانية خلال أزمة دارفور، كما أدرجت الولايات المتحدة السودان ضمن قائمتها الخاصة بالدول الراعية للإرهاب.
بالرغم من ذلك، تعتبر السودان من الدول المهمة على طريق عبور مسار الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، وهذا دفع الاتحاد الأوروبي لعقد اتفاق "غير مريح" للتعاون مع الخرطوم للحد من تدفق الهجرة غير الشرعية.


 
يقف السودان الآن في مفترق الطرق: فهل يصبح حليفا مستقرا للاتحاد الأوروبي أم يتحول إلى بلد المنشأ التالي لأزمة لاجئين جديدة في المنطقة؟ يجب الأخذ في الحسبان أن السودان يأوي 1ر1 مليون لاجئ، وكان دوما نقطة استراتيجية بالنسبة للهجرة، نظرا لموقعه المتميز بين العالم العربي وباقي دول أفريقيا.
وبالفعل في 2014، أطلق الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع عدد من الدول الأفريقية ما يعرف بـ"عملية الخرطوم"، وكان هدف التعاون مع السودان وجيرانه الأفارقة، في المقام الأول، محاربة مافيا الإتجار بالبشر وحماية المهاجرين. وهذا در على السودان ملايين اليوروهات، ومع ذلك أكد مصدر من الاتحاد الأوروبي أنه "لم يكن مقصودا من الأمر تقديم دعم اقتصادي للحكومة في السودان، بل تم توجيه المال لمنظمات غير حكومية ووكالات دعم من أجل التنمية"، على الأقل كان هذا من الناحية النظرية.
فهل عقد الاتحاد الأوروبي اتفاقا مع الشيطان؟
بالنسبة للبشير، وافقت هوى في نفسه حاجة أوروبا للتصدي لتدفق الهجرة. فالسودان يعاني منذ سنوات من وطأة أزمة اقتصادية طاحنة، ومفروض عليه عزلة، جعلته لا يستطيع الحصول على أي تمويل خارجي من المجتمع الدولي، وكان من تبعات هذه الأزمة على وجه التحديد، الإطاحة بنظام البشير نفسه.
رأت الخرطوم في ضغط الاتحاد الأوروبي من أجل التصدي للهجرة فرصة لكسب قدر من المصداقية على الصعيد الدولي، مهما كان الثمن. في هذا السياق كتبت آنيت ويبر من المؤسسة الألمانية للعلوم والسياسة أن الحكومة السودانية افترضت، وكانت محقة في ذلك، أن أوروبا لديها اهتمام كبير بأن يظل اللاجئون في مناطقهم الأصلية.
ولهذا لجأت الخرطوم لإرسال قوات الدعم السريع (RSF) المخيفة لحراسة الحدود الشمالية مع ليبيا، وتوقيف المهاجرين. تعتبر عناصر الجنجويد هي نواة قوات الدعم السريع، وهي ميليشيات تعاملت بوحشية مع السكان أثناء أزمة دارفور.
وكان قائد هذه القوات محمد حمدان داقلو الشهير بـ(حميتي) يحب التفاخر بأنه يتصرف بناء على رغبة الاتحاد الأوروبي. وفي تصريحات لقناة الجزيرة في وقت سابق قال "الاتحاد الأوروبي يخسر الملايين في صراعه مع الهجرة، ولهذا يتعين عليه أن يدعمنا".
تقول كلوتيلدي وارين من مركز أبحاث كلنجندايل بهولندا "تواجه قوات الدعم السريع اتهامات بإساءة معاملة المهاجرين، بالإضافة إلى استغلالهم بشكل ممنهج، والارتزاق بصورة مباشرة من الإتجار بالبشر". وتضيف "مقابل المال، تساعد عناصر الدعم السريع المهاجرين على الوصول إلى حدود ليبيا، أو يقومون عمليا ببيع المهاجرين على الحدود الليبية".
ولا توجد مؤشرات على قيام المجلس العسكري بحل ميليشيات قوات الدعم السريع، على العكس، لقد اصبح قائدها "حميتي" الرجل الثاني في المجلس العسكري الانتقالي.
ومن ثم يشكك الخبراء في إمكانية ردع تيار الهجرة في الواقع. تقول وارين "كلما أغلق طريق، فتح آخر. كل ما هنالك أن الطرق يتم استبدالها".
تقول نوريكو يوشيدا مديرة مكتب المفوض السامي لشئون اللاجئين التابع للأمم المتحدة (ACNUR) بالسودان "إجراءات الحكومة لن توقف الأشخاص العازمين بالفعل على الرحيل، سيحاولون مرة تلو المرة. وفي النهاية يصبحون أكثر هشاشة وينتهي بهم الحال للتعرض لمواقف أكثر خطورة".

جيويا فوستر ومارتينا هيرزوج وميشيل وندي
الاحد 12 ماي 2019