عيون المقالات

المشرق العربي على صفيحٍ ساخن

14/04/2021 - علي العبدالله

الساعات ال24 الأولى بعد سقوط الأسد

11/04/2021 - العقيد عبد الجبار العكيدي

حين تتحول العلمانية إلى ضرورة

10/04/2021 - توفيق السيف

فى مواجهة التضليل الإعلامى

08/04/2021 - علي محمد فخرو

فلسفة هيدغر وسياسات التوظيف

08/04/2021 - فهد سليمان الشقيران

حين تتحول العلمانية إلى ضرورة

07/04/2021 - توفيق السيف


هل مات السلطان محمد الفاتح مسموما؟




عام 1953م، نشر المستشرق الألماني فرانز بابنجر كتابه المعروف بـ "السلطان محمد الفاتح وعصره"، ادعى فيه أن السلطان العثماني مات مسموما على يد طبيب يهودي يدعى يعقوب باشا.وقد
فند المؤرخون الأتراك والعرب هذا الادعاء، وخلصوا إلى أن الرواية الأشهر أن الفاتح مات بمرض النقرس، وأن بابنجر عمد إلى تحريف معنى كلام المؤرخ عاشق باشا زاده الذي اعتمد عليه.
الحملة التي قادها بابنجر كانت تهدف إلى خلق رغبة في تحليل رفات السلطان، ما يترتب عليه أعمال حفر تؤدي إلى التوصل لمقبرة بيزنطية تحت الجامع، حتى يتحول إلى منطقة أثرية ومتحف.



ربما يتساءل القارئ بعد مطالعة عنوان المقال: هل هذه قضية تستحق المناقشة أو الرد أو البحث عما إذا كان السلطان العثماني محمد الفاتح قد مات بالسم أو بغيره؟
ربما يكون لوجهة نظر القارئ حظ من النظر، لأنه لن يضر الحاكمَ أو يقدح في سيرته كونه مات مقتولا أو مات ميتة طبيعية، فكثير من القادة العظام قتلوا على الرغم مما تضمنته سيرتهم من العدل والصلاح أمثال الخلفاء: عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، والسلاطين والملوك أمثال سيف الدين قطز.
لكن اكتسبت مناقشة هذه المسألة أهميتها من جهة أخرى تتعلق بمخططات معادية للتراث العثماني، إذ أنه في عام 1953م، نشر المستشرق الألماني فرانز بابنجر كتابه المعروف بـ "السلطان محمد الفاتح وعصره"، ادعى فيه أن السلطان العثماني مات مسموما على يد طبيب يهودي يدعى يعقوب باشا.
استند بابنجر في ادعائه على عبارة وردت في تاريخ عاشق باشا زاده المسمى بـ "تواريخ آل عثمان" في سياق الحديث عن مرض الموت الذي داهم السلطان، وهي قول المؤرخ: "اتفق الأطباء على إعطائه شراب فارغ" وكان فريق الأطباء المعالجين يتضمن الطبيب اليهودي يعقوب باشا.
ويمكن إجمال الرد على هذا الادعاء من خلال العناصر التالية:
أولا: الرواية التاريخية الأشهر في موت السلطان الفاتح أنه مات بمرض النقرس، وذكر المؤرخ أحمد آق كوندوز في كتاب "الدولة العثمانية المجهولة"، أن الأطباء عندما ساءت حالة السلطان أعطوه كميات زائدة من الدواء لتسكينه توفي على إثرها.
لكن لم يشر أي من المؤرخين العثمانيين المعتبرين أمثال نشري، ولطفي باشا، وصولاق زاده، وعالي، وعاشق باشا زاده، إلى وجود شبهة جنائية في القضية، ولم يدّع أحدا منهم بأن السلطان مات مسموما.

ثانيا: كان الطبيب يعقوب يهوديا حين تولى وظيفة طبيب للسلطان لكنه أعلن إسلامه بعد ذلك، وتم ترقيته إلى رتبة وزير.
وأما قول المستشرق بابنجر بأنه تظاهر بالإسلام وكان جاسوسا للإيطاليين والبنادقة الذين حرضوه على تسميم السلطان، فهذا قول ينقضه استمرار يعقوب باشا في منصبه في عهد السلطان بايزيد الثاني الذي خلف الفاتح على العرش.
ثالثا: استناد المستشرق بابنجر في ادعائه على العبارة الواردة في تاريخ عاشق باشا زاده "اتفق الأطباء على إعطائه شراب فارغ"، بها من التعسف والتكلف الشيء الكثير، وخرج بها عن معناها الأصلي.
وقد تصدى المؤرخ التركي شهاب الدين تكين داغ لفرضية المستشرق بابنجر آنذاك، وصنّف بحثا بعنوان "قضية موت الفاتح"، وأظهر تعسفه في ترجمة العبارة، وأوضح أن معنى الشراب الفارغ هو الشراب المّقيّئ الذي يستثير القيء ويفرغ ما في المعدة، وليس معناه "السام" كما زعم بابنجر.
رابعًا: إذا أضفنا إلى تفسير عبارة عاشق باشا زاده التي أوضحها المؤرخ شهاب الدين تكين، أن أحدا من المؤرخين الذين عاصروا السلطان الفاتح من العثمانيين أو الأجانب لم يشر إلى قتله بالسم، يتبين مدى وهن هذا الادعاء.
وتأسيسا على ما سبق، فليس هناك دليل يمكن الاعتماد عليه في أن السلطان محمد الفاتح قُتل مسموما على يد يعقوب باشا كما زعم المستشرق الألماني بابنجر.
لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي دفع هذا المستشرق لأن يخرج بهذا القول الغريب؟
المؤرخ المصري الراحل الدكتور محمد حرب، أشار في كتابه "العثمانيون في التاريخ والحضارة" إلى هذه النقطة قائلا، إن بابنجر قصد من هذا الادعاء أن يجر الرأي العام العالمي عامة والتركي خاصة إلى طرح مسألة موت الفاتح بالسم ومناقشتها، لأنه من المعروف أن الفاتح قد شيّد جامعه فوق مقبرة بيزنطية.
وأضاف نظرًا لأن هذا الادعاء يلزم للتأكد منه تحليل رفاته، فحتما سيشمل ذلك حفرا يجر بالتأكيد إلى عملية تنقيب التربة، ويمتد الأمر إلى المقبرة البيزنطية القديمة، وبالتالي سيتحول جامع السلطان محمد الفاتح –بحكم قانون الآثار التركية آنذاك-إلى منطقة أثرية أو متحف على غرار جامع آيا صوفيا الذي تحول إلى متحف (قبل إرجاعه لمسجد عام 2020).
وأردف حرب، هذا ما فطن إليه المؤرخ التركي شهاب الدين تكين داغ، وقام بتفنيد ادعاء بابنجر في الصحف والمجلات والندوات الثقافية، وكان لجهوده بالفعل أثر حاسم في إيقاف الحملة على جامع السلطان محمد الفاتح التي كانت ترمي إلى تحويله إلى منطقة أثرية ومتحف.

إحسان الفقيه / الأناضول
السبت 13 مارس 2021