"أتخيل كيف لن يتوقفوا عن شرب الكحول طوال اليوم بسبب وفاة مطربة فريق (كوراسون سيرانو)، أيها الهنود السكارى عودوا إلى أراضيكم".. كان هذا تعليق كتبته على حسابها بشبكة (تويتر) للتدوين المصغر، الشابة تشيلسي ليتس المعروفة بنشر الكراهية والعنصرية على الإنترنت.
لم يكن هذا هو التعليق العنصري الوحيد بخصوص وفاة المطربة إديتا حيث كتب مستخدم آخر "لا أعرف كيف أقول هذا لخادمتي، إن التي ماتت هي- إديتا-، ولكنني لا أرغب في حصولها على زيادة بالراتب"، فيما كتب ثالث "لتنته الخادمات من التنظيف قبل الذهاب إلى العالم الآخر".
يقول الإخصائي النفسي جورج بروس صاحب العديد من المؤلفات حول الموضوع وأحد أكبر خبراء المجال في بيرو "العنصرية حرمتنا من التنمية الاقتصادية والثقافية، لأن العنصرية باختصار عقبة كبيرة"، حيث يرى أيضا أنها تمثل عبئا كبيرا على من يمارسها لأنه مكون من الكره الذي يجبر على العيش كما لو كان هنالك "سم داخل الجسد".
ولدت إديتا في إحدى قرى جبال الأنديز بمقاطعة بيورا بشمال البلاد وأسست مع أشقائها مجموعة موسيقية وغنائية تقدم أحد أنواع موسيقى الـ(كومبيا) المحلية أطلقت عليه اسم (سانخوانيرا)، حيث لم يكن هناك أي نية لديها للتوسع والشهرة، بل أن فكرتها كانت فقط التشجيع على إقامة حفلات صغيرة بالبلدات المجاورة.
وبمرور الوقت وفي واحدة من الظواهر التي تحدث بدون مقدمات خاصة في ظل صعوبات التواصل الثقافي بين ليما وباقي أنحاء البلاد، أصبح فريق (كوراسون سيرانو) الغنائي بمثابة أيقونة لأهالي المناطق الريفية والداخلية في البلاد، خاصة هؤلاء الذين ينتمون للطبقات الاجتماعية الأكثر تواضعا.
وبحلول عام 2010 وصلت المجموعة الموسيقية لإحياء أول حفل لها في ليما ولكن في حضور جمهور محدود يقتصر على الخادمات وبائعي السوق وسائقي التكاتك وبعض الوظائف الأخرى التي ينظر لها بـ"صورة سيئة" في البلد اللاتيني، خاصة بالنسبة لهؤلاء الذين يتفاخرون بأن لونهم أكثر نقاء و"ليس ملوثا بدم السكان الأصليين"، وهو الأمر الذي يعد شبه مستحيل في بلد تاريخه قائم على الخلط بين الأعراق، كما يؤكد مؤرخه الأشهر الإنكا جارثيلاسو دي لا بيجا "نحن أمة من المهجنين والخلاسيين".
وتباينت ردود الأفعال في العوالم المتوازية التي تتعايش معا في بيرو بخصوص كوراسون سيرانو حيث اكتسب شهرة وشعبية كبيرة لدى مئات الآلاف، إلا أن قطاعا كبيرا من سكان ليما، ومن ضمنهم أناس لا توجد أي مؤشرات حول ميلهم للعنصرية، لم يكن لديهم أي فكرة عن وجود هذا الفريق الموسيقى من الأساس.
واقترحت بعض الإذاعات على إديتا بصفتها مديرة الفريق تغيير اسم الفريق نظرا لأن كلمة (سيرانو) والتي تعني بالعامية الـ(فلاح في تصرفاته) ربما تحمل إيحاء سلبيا، إلا أنها رفضت الأمر ولم تتخل أبدا عن فكرة مشروعها الموسيقي على الرغم من الانتقادات التي تعرضت لها سواء على صعيد شكل الفريق أو نوع الموسيقى التي يقدمها.
ووقع الصدام بين العالمين الأسبوع الماضي، حيث نشرت وسائل الإعلام خبر مرض إديتا في ظل عدم وجود آمل لنجاتها، ومن ثم استسلم جانب من الناس للحزن فيما بدأ طرف آخر في متابعة القصة إما بفضول أو احترام أو كره، قصة هذه المطربة الشعبية المعروفة والمجهولة في نفس الوقت.. لم يستمر صراع إديتا التي كانت دوما مليئة بالطاقة وتوفيت قبل أسبوع من بلوغ سن الـ 31 بثلاثة شهور عقب ولادة ابنتها الثانية.
وفي الوقت الذي كانت خلاله جماهير المطربة الراحلة تغرق في الحزن في ظل مشاركة بعضهم في مراسم دفنها وجنازتها، قام عدد ليس بقليل من الأشخاص أغلبهم بأسماء مستعارة باستغلال شبكة (تويتر) الاجتماعية لمهاجمة إديتا وعشاقها.
وكان من ضمن الذرائع التي اتخذها بعض هؤلاء لتفسير شعبيتها بين القطاعات الأكثر تواضعا في المجتمع هو أن "تدني أصولها العرقية" جعل الفن الذي تقدمه بمثابة "تدني في المستوى الثقافي"، هذا فضلا عن إطلاق لقب "الهندية" عليها، على الرغم من أن شكلها لم يكن به ملامح كبيرة من الصورة التقليدية عن السكان الأصليين في بيرو، الذين يطلق عليهم الهنود الحمر.
ومن ناحية أخرى يرى خبراء جانبا إيجابيا في رد فعل جانب آخر كبير من مستخدمي الانترنت الذين استخدموا الحاسوب للمطالبة باحترام ذكرى الفقيدة والدفاع عن اختلاف الأذواق الذي يجعل البعض يفضل هذا النوع من الموسيقى عن أي نمط أخر، مع التركيز على التعددية العرقية لبيرو، التي كانت في يوم من الأيام عاصمة إمبراطورية الانكا، وتحولت بعد وصول المستعمر الإسباني إلى عاصمة الإمبراطورية الإسبانية في العالم الجديد.
قبل ذلك بأسبوع تعرضت بيرو لحادث أخر مخجل، احتجت عليه الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف، حيث أنه وفي مباراة بكأس ليبرتادوريس بين أحد الفرق المحلية وآخر برازيلي، فإن الجماهير تعمدت تقليد أصوات القرود في كل مرة يلمس بها اللاعب الأسمر تينجا الكرة.
المثير في الأمر أن هذه المباراة لعبت في مدينة هوانكايو بجبال الأنديز والتي يقطنها أغلبية مهجنة يغلب عليها طابع السكان الأصليين الذين يعانون من التمييز والسباب العنصري إلا أنهم استخدموا العنصرية ضد اللاعب البرازيلي الأسمر، حيث يرى الخبراء أن هذا الأمر نتيجة لما يتعرضوا له وربما أحد أشكال الانتقام. ويرى الكثير من إخصائيي علم الاجتماع أن العنصرية موجودة بقوة في بيرو، وهو الأمر الذي دفع لوجود مطالبات، خاصة بعد ما حدث على خلفية وفاة اديتا بضرورة التصدي لهذا النوع من الممارسات بل وتدشين نيابة لمكافحة العنصرية.
يقول المحامي إريك إريارتي "يمكن معاقبة التمييز والعنصرية، القانون لا يتحدث عن وسائل تكنولوجية ولكنه يمنع التمييز، حرية الرأي مكفولة، ولكن حينما تتحول الحرية إلى تخطي للحدود بشكل يهين حرية الأخرين فيجب فرض عقوبة".
ويتفق الخبراء على أن العنصرية لا يمكن القضاء عليها بالقوانين ولكن بقدر أكبر من ثقافة الاحتواء، إلا أنه يوجد شعور عام بأنه حينما تبدأ عمليات العقاب والسجن بسبب هذه القضية، فإن من يتبعون هذا الأسلوب في الحياة حتى ولو تحت أسماء مستعارة سيفكرون في الأمر أكثر من مرة قبل القيام به.
لم يكن هذا هو التعليق العنصري الوحيد بخصوص وفاة المطربة إديتا حيث كتب مستخدم آخر "لا أعرف كيف أقول هذا لخادمتي، إن التي ماتت هي- إديتا-، ولكنني لا أرغب في حصولها على زيادة بالراتب"، فيما كتب ثالث "لتنته الخادمات من التنظيف قبل الذهاب إلى العالم الآخر".
يقول الإخصائي النفسي جورج بروس صاحب العديد من المؤلفات حول الموضوع وأحد أكبر خبراء المجال في بيرو "العنصرية حرمتنا من التنمية الاقتصادية والثقافية، لأن العنصرية باختصار عقبة كبيرة"، حيث يرى أيضا أنها تمثل عبئا كبيرا على من يمارسها لأنه مكون من الكره الذي يجبر على العيش كما لو كان هنالك "سم داخل الجسد".
ولدت إديتا في إحدى قرى جبال الأنديز بمقاطعة بيورا بشمال البلاد وأسست مع أشقائها مجموعة موسيقية وغنائية تقدم أحد أنواع موسيقى الـ(كومبيا) المحلية أطلقت عليه اسم (سانخوانيرا)، حيث لم يكن هناك أي نية لديها للتوسع والشهرة، بل أن فكرتها كانت فقط التشجيع على إقامة حفلات صغيرة بالبلدات المجاورة.
وبمرور الوقت وفي واحدة من الظواهر التي تحدث بدون مقدمات خاصة في ظل صعوبات التواصل الثقافي بين ليما وباقي أنحاء البلاد، أصبح فريق (كوراسون سيرانو) الغنائي بمثابة أيقونة لأهالي المناطق الريفية والداخلية في البلاد، خاصة هؤلاء الذين ينتمون للطبقات الاجتماعية الأكثر تواضعا.
وبحلول عام 2010 وصلت المجموعة الموسيقية لإحياء أول حفل لها في ليما ولكن في حضور جمهور محدود يقتصر على الخادمات وبائعي السوق وسائقي التكاتك وبعض الوظائف الأخرى التي ينظر لها بـ"صورة سيئة" في البلد اللاتيني، خاصة بالنسبة لهؤلاء الذين يتفاخرون بأن لونهم أكثر نقاء و"ليس ملوثا بدم السكان الأصليين"، وهو الأمر الذي يعد شبه مستحيل في بلد تاريخه قائم على الخلط بين الأعراق، كما يؤكد مؤرخه الأشهر الإنكا جارثيلاسو دي لا بيجا "نحن أمة من المهجنين والخلاسيين".
وتباينت ردود الأفعال في العوالم المتوازية التي تتعايش معا في بيرو بخصوص كوراسون سيرانو حيث اكتسب شهرة وشعبية كبيرة لدى مئات الآلاف، إلا أن قطاعا كبيرا من سكان ليما، ومن ضمنهم أناس لا توجد أي مؤشرات حول ميلهم للعنصرية، لم يكن لديهم أي فكرة عن وجود هذا الفريق الموسيقى من الأساس.
واقترحت بعض الإذاعات على إديتا بصفتها مديرة الفريق تغيير اسم الفريق نظرا لأن كلمة (سيرانو) والتي تعني بالعامية الـ(فلاح في تصرفاته) ربما تحمل إيحاء سلبيا، إلا أنها رفضت الأمر ولم تتخل أبدا عن فكرة مشروعها الموسيقي على الرغم من الانتقادات التي تعرضت لها سواء على صعيد شكل الفريق أو نوع الموسيقى التي يقدمها.
ووقع الصدام بين العالمين الأسبوع الماضي، حيث نشرت وسائل الإعلام خبر مرض إديتا في ظل عدم وجود آمل لنجاتها، ومن ثم استسلم جانب من الناس للحزن فيما بدأ طرف آخر في متابعة القصة إما بفضول أو احترام أو كره، قصة هذه المطربة الشعبية المعروفة والمجهولة في نفس الوقت.. لم يستمر صراع إديتا التي كانت دوما مليئة بالطاقة وتوفيت قبل أسبوع من بلوغ سن الـ 31 بثلاثة شهور عقب ولادة ابنتها الثانية.
وفي الوقت الذي كانت خلاله جماهير المطربة الراحلة تغرق في الحزن في ظل مشاركة بعضهم في مراسم دفنها وجنازتها، قام عدد ليس بقليل من الأشخاص أغلبهم بأسماء مستعارة باستغلال شبكة (تويتر) الاجتماعية لمهاجمة إديتا وعشاقها.
وكان من ضمن الذرائع التي اتخذها بعض هؤلاء لتفسير شعبيتها بين القطاعات الأكثر تواضعا في المجتمع هو أن "تدني أصولها العرقية" جعل الفن الذي تقدمه بمثابة "تدني في المستوى الثقافي"، هذا فضلا عن إطلاق لقب "الهندية" عليها، على الرغم من أن شكلها لم يكن به ملامح كبيرة من الصورة التقليدية عن السكان الأصليين في بيرو، الذين يطلق عليهم الهنود الحمر.
ومن ناحية أخرى يرى خبراء جانبا إيجابيا في رد فعل جانب آخر كبير من مستخدمي الانترنت الذين استخدموا الحاسوب للمطالبة باحترام ذكرى الفقيدة والدفاع عن اختلاف الأذواق الذي يجعل البعض يفضل هذا النوع من الموسيقى عن أي نمط أخر، مع التركيز على التعددية العرقية لبيرو، التي كانت في يوم من الأيام عاصمة إمبراطورية الانكا، وتحولت بعد وصول المستعمر الإسباني إلى عاصمة الإمبراطورية الإسبانية في العالم الجديد.
قبل ذلك بأسبوع تعرضت بيرو لحادث أخر مخجل، احتجت عليه الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف، حيث أنه وفي مباراة بكأس ليبرتادوريس بين أحد الفرق المحلية وآخر برازيلي، فإن الجماهير تعمدت تقليد أصوات القرود في كل مرة يلمس بها اللاعب الأسمر تينجا الكرة.
المثير في الأمر أن هذه المباراة لعبت في مدينة هوانكايو بجبال الأنديز والتي يقطنها أغلبية مهجنة يغلب عليها طابع السكان الأصليين الذين يعانون من التمييز والسباب العنصري إلا أنهم استخدموا العنصرية ضد اللاعب البرازيلي الأسمر، حيث يرى الخبراء أن هذا الأمر نتيجة لما يتعرضوا له وربما أحد أشكال الانتقام. ويرى الكثير من إخصائيي علم الاجتماع أن العنصرية موجودة بقوة في بيرو، وهو الأمر الذي دفع لوجود مطالبات، خاصة بعد ما حدث على خلفية وفاة اديتا بضرورة التصدي لهذا النوع من الممارسات بل وتدشين نيابة لمكافحة العنصرية.
يقول المحامي إريك إريارتي "يمكن معاقبة التمييز والعنصرية، القانون لا يتحدث عن وسائل تكنولوجية ولكنه يمنع التمييز، حرية الرأي مكفولة، ولكن حينما تتحول الحرية إلى تخطي للحدود بشكل يهين حرية الأخرين فيجب فرض عقوبة".
ويتفق الخبراء على أن العنصرية لا يمكن القضاء عليها بالقوانين ولكن بقدر أكبر من ثقافة الاحتواء، إلا أنه يوجد شعور عام بأنه حينما تبدأ عمليات العقاب والسجن بسبب هذه القضية، فإن من يتبعون هذا الأسلوب في الحياة حتى ولو تحت أسماء مستعارة سيفكرون في الأمر أكثر من مرة قبل القيام به.


الصفحات
سياسة









