عنب بلدي تسلط الضوء في هذا الملف على الوقف في سوريا من خلال دراسة حجمه والتحديات القانونية التي قد تواجه الخطوات الحكومية في هذا الملف، والطرق الاقتصادية الأنجح لاستثماره وصولًا إلى تحقيق أفضل مردود يمكن تحصيله.
من العثمانيين إلى حقبة الأسد
أكثر من 37 ألف عقار.. من أين جاءت؟
رغم قدم الأملاك الوقفية في سوريا التي تعود إلى بدايات دخول الإسلام إلى بلاد الشام، فإن مسألة توثيقها ترجع إلى حقبة السيطرة العثمانية على المنطقة، حيث دخلت آنذاك مرحلة التنظيم، من خلال تثبيتها في “حجة وقفية” تُكتب في المحاكم الشرعية بحضور القاضي والشهود، قبل تثبيتها في السجلات الرسمية.وتبرز أهمية هذه السجلات في ظل الأحاديث عن توجه وزارة الأوقاف السورية لاستعادتها من الدولة التركية، والاستعانة بها لتدقيق العقارات الوقفية للوصول إلى الأرقام الدقيقة لهذه الأملاك ومواقعها وملكيتها الأصلية.
ولم تتوقف عمليات توثيق أملاك الوقف على فترة العثمانيين، فمع دخول الفرنسيين وسيطرتهم على سوريا في عشرينيات القرن الماضي، دخلت مرحلة توثيق الوقف مرحلة جديدة مع دخول السجل العقاري، بعد صدور القرار رقم “188” لعام 1926، الذي حصر أصول الأوقاف عبر منحها قيودًا عقارية تحسم الملكية.
معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف سامر بيرقدار يطلع على مخطط بعض العقارات الوقفية في محافظة الرقة – 18 أيار 2026 (وزارة الأوقاف)
القانون “31” الناظم للاستثمارات الوقفية
يتبع ملف الوقف في سوريا حاليًا للقانون رقم “31” الصادر عام 2018 الذي ينظم عمل وزارة الأوقاف، ومن ضمنها مسألة الأملاك الوقفية، عبر منحه عددًا من المهام للمجلس المركزي الذي يترأسه وزير الأوقاف.وتتضمن مهام المجلس المركزي للأوقاف الصلاحيات التالية:
- إقرار عقود المشاركة واستثمار الأوقاف بما يحقق أفضل العوائد الاستثمارية، والموافقة على استثمار الأوقاف المنقولة وفق أحكام الشريعة الإسلامية، بما في ذلك المساهمة في البنوك الإسلامية وشركات التأمين الإسلامي.
- وضع نظام جباية عائدات الأوقاف، وأصول استخدام الجُباة وتحديد حقوقهم وواجباتهم وعملهم لضمان حقوق الأوقاف.
- وضع الأنظمة والأسس اللازمة لاستثمار وتأجير الأوقاف وتنميتها وفق نظام البناء والتشغيل والتحويل والإعادة، ووضع دفاتر الشروط الحقوقية والفنية والمالية الخاصة باستثمار الأوقاف.
- متابعة تنفيذ العقود المبرمة مع المستثمرين للعقارات الوقفية وتصديق عقود تأجير واستثمار هذه العقارات الوقفية.
عشرات آلاف العقارات الوقفية بحاجة إلى تنظيم قانوني
في تصريحات صحفية أدلى بها عبر إحدى المنصات المحلية في آذار الماضي، كشف وزير الأوقاف السوري، محمد أبو الخير شكري، أن الوزارة تملك 37,000 عقار وقفي في سوريا، أكثر من نصفها في حلب، مشيرًا إلى أنها لم تستعد إلا 10% منها. وتعترض استعادة العقارات الوقفية تحديات قانونية، بحسب الوزير، خاصة ما يتعلق بموضوع الإيجار القديم، ضاربًا مثالًا لبيت يعود للوقف في منطقة الشاغور بمدينة دمشق مؤجر حاليًا بـ150 ليرة سورية سنويًا، بينما إيجاره وفق الأسعار الرائجة حاليًا يتراوح بين 400 و500 دولار شهرًيا، بحسب شكري. وتعمل وزارة الأوقاف حاليًا على تعديل القانون رقم “31” الناظم لعمل الوزارة، بما يتماشى مع الأحكام الفقهية المتعلقة بالأوقاف لعرضه على مجلس الشعب لإقراره. من جهته، قال مدير مديرية أوقاف دمشق، سامر بيرقدار، إن سجلات العقارات الوقفية موجودة في مديريات الأوقاف بشكل ورقي إلى الآن، مشيرًا إلى أن الوزارة تعمل على رقمنتها على مستوى كل الجغرافيا السورية. وأضاف أن أغلب هذه العقارات منظمة على أساس الإيجار القديم الذي يعد أقل نوع إيجار في سوريا، منوهًا إلى أن وزارة الأوقاف تعمل على تعديل هذه العقود وفق القوانين المرعية، في ظل غياب أي قانون لتعديل القوانين السابقة الناظمة لعمل الوزارة حتى الآن.العقارات الوقفية بين الهدم والفساد
أشار وزير الأوقاف السوري، محمد أبو الخير شكري، إلى تعرض عدد من الأملاك الوقفية للتدمير خلال سنوات الحرب السورية، وقال إنه تم توقيع عقود استثمارية لـ2800 محل تجاري مهدم تعود لأملاك الوقف في السوق الكبير بحلب، تنص على الحصول على عائدات إيجارها بعد بنائها من قبل المستثمرين الذين كانوا يشغلونها سابقًا. كما بيّن شكري أن العقارات الوقفية لم تكن استثناء من عمليات الفساد التي انتشرت في حقبة نظام الأسد، متهمًا وزير الأوقاف في عهد النظام السابق، عبد الستار السيد، بتفصيل القانون “31” الناظم لعمل الوزارة على مقاسه، موضحًا أن بعض العقارات الوقفية تعرضت للبيع لبعض الشخصيات النافذة المحسوبة على نظام الأسد في خطوة تخالف أحكام الشريعة التي تمنع بيع الوقف أو استخدامه لأغراض شخصية. وأكد شكري أن سوريا لم تشهد أي عمليات وقف للملكيات خلال 60 سنة من حكم حزب “البعث” الذي وصل إلى السلطة في آذار 1963، منوهًا إلى أن الناس بدؤوا يعودون إلى تسجيل الوقف مع سقوط النظام، حيث تم تسجيل 800 عقار وقف جديد منذ تولي الحكومة الجديدة.وقال شكري، إن عوائد الوقف لا تدخل في الميزانية العامة للدولة، مضيفًا أن هناك أوجهًا محددة لاستثمار هذه العوائد التي تنحصر في خدمة الدين وبعض مجالات العمل الخيري، بدءًا من علوم القرآن إلى التعليم الشرعي وصولًا إلى تقديم بعض الأعمال الخيرية في مساعدة المجتمع.
وبيّن أن رواتب وأجور الأئمة والخطباء في المساجد تم إلحاقها بميزانية الدولة، بعدما كانوا يحصلونها من عوائد الوقف خلال حقبة نظام الأسد.
التوزع والقيمة والعوائد
عنب بلدي حصلت على مجموعة أجوبة حصرية من معاون وزير الأوقاف السوري لشؤون الوقف، سامر بيرقدار، تتعلق بعدد العقارات وتوزعها الجغرافي، وقيمتها وعوائدها.عدد العقارات الوقفية ليس ثابتًا بل هو في ازدياد مستمر، فمنذ التحرير (كانون الأول 2024) حتى الوقت الحالي، تم تسجيل زيادة تجاوزت 1100 عقار وقفي جديد.
وسر هذه الزيادة أن منها ما هو مبني وموقوف حديثًا، ومنها ما هو “عقارات مكتشفة” كانت موجودة سابقًا لكن أتباع النظام كانوا متورطين في طمس وإخفاء ثبوتياتها وأوراقها الرسمية لتغييبها عن الأوقاف، بحسب المسؤول في وزارة الأوقاف.
ويتجاوز العدد الإجمالي الحالي للعقارات الوقفية، بعد سيطرة الحكومة على مناطق شمال شرقي سوريا، 37,000 عقار.
التوزع الجغرافي الدقيق (من الأعلى إلى الأدنى):
-
حلب وريفها: تضم الكتلة الكبرى، إذ إن فيها أقل من نصف إجمالي العقارات بقليل (أي قرابة 17,000 إلى 18,000 عقار).
-
دمشق وريفها: تأتي في المرتبة الثانية، حيث تضم ربع العقارات الوقفية (أي قرابة 9000 عقار).
-
بقية المحافظات السورية: يتوزع عليها ما تبقى من العقارات الوقفية.
قيمة العقارات الوقفية
تتنوع العقارات الوقفية، بحسب بيرقدار، لتغطي جميع المجالات العقارية:- عقارات تجارية: مثل المحال والأسواق والمكاتب.
- عقارات زراعية: الأراضي الصالحة للزراعة والاستثمار الزراعي.
- عقارات سكنية: شقق وبيوت.
أولوية استعادة العقارات الوقفية
الوزارة لا تصنف الاستعادة بحسب نوع الأرض (سلطاني أو أميري)، قال بيرقدار، بل بحسب شرعية وضع اليد عليها، وذلك وفق الآتي:- الأولوية الأولى والقصوى للاستعادة: هي كل ما كان مأخوذًا ومستولى عليه من قبل أتباع النظام وسماسرته الذين زوروا الأوراق الرسمية وتحايلوا على المزادات للحصول عليها بطرق غير شرعية، وكل ما يثبت أنه تحت يد هؤلاء السماسرة تعمل الوزارة جاهدة على إعادته فورًا للوقف.
- التعامل مع عامة الناس: أما ما أُخذ بحق وبطرق قانونية سليمة من قبل عوام الناس وعامة الشعب بموجب القوانين والأنظمة السابقة (دون كذب أو نصب أو احتيال أو تزوير)، فإن الوزارة لن تستعيده بل ستستمر الاتفاقيات والعقود المبرمة معهم بشكل طبيعي.
العقارات الوقفية وغايات استثماراتها
تعتمد آلية الإدارة الحالية، بحسب بيرقدار، على مبدأ أن أغلب العقارات الوقفية محكومة بنظام “التمديد الحكمي” للعقود، وبالتالي فهي مستمرة ومُدارة بحسب القوانين والأنظمة الجارية. أما العقارات التي يتم وقفها حديثًا، أو تلك التي تنجح الوزارة في استعادتها من “النصابين وأتباع النظام”، بحسب وصف بيرقدار، فتتم إدارتها واستثمارها بطريقة تحقق العائد الاستثماري الأفضل الذي يعود بالنفع على شرط واقفها، وبما يتوافق تمامًا مع نيته ومصارف الوقف التي حددها في وصيته.عوائد استثمارات الأوقاف
أشار معاون وزير الأوقاف السوري لشؤون الوقف، سامر بيرقدار، إلى أن المردود المالي العام للواردات الوقفية بدأ بالارتفاع التدريجي الملحوظ. وتحدث عن الهدف الاستراتيجي (خطة الخمس سنوات)، إذ وضعت الوزارة خطة للوصول بعد خمس سنوات إلى الاكتفاء الذاتي الكامل لجميع موظفي الأوقاف الدينيين (إمام، خطيب، مؤذن، خادم مسجد) بحيث يتقاضى كل فرد منهم راتبًا شهريًا يعادل 100 دولار أمريكي. والهدف الأساسي حاليًا لعمل الوزارة، بحسب بيرقدار، هو تأمين الحد الأدنى من المعيشة والاكتفاء الذاتي لمن يعمل في الحقل الديني. ويبلغ عدد هؤلاء العاملين نحو 40,000 شخص، وهذا يعني أن الوزارة بحاجة إلى 48 مليون دولار سنويًا لتغطية هذه الرواتب فقط.الواقع المالي بين الماضي والحاضر
ارتفعت واردات الوقف الإجمالية منذ التحرير من 1.65 مليون دولار لتصل اليوم إلى سبعة ملايين دولار، وفق الأرقام التي كشفها المسؤول في الوزارة. وانعكس هذا الارتفاع على رواتب العاملين، حيث تم رفع الرواتب من 3,000 إلى 100,000 ليرة سورية، وسيستمر الرفع بشكل تدريجي ومستمر بالتوازي مع أي زيادة تطرأ على الواردات الوقفية.من يستثمر العقارات الوقفية ومن يرممها؟
يقوم استثمار عقارات الوقف أو ترميمها، بحسب بيرقدار، على أنماط هي:- الاستثمار التجاري والتنمية: حتى هذه اللحظة، فإن جميع المستثمرين والجهات التي ترغب في استثمار أو تنمية العقارات الوقفية هي جهات محلية سورية بنسبة 100%.
- ترميم الأوقاف الأثرية: نظرًا إلى التكلفة العالية والخبرات المطلوبة لترميم العقارات الوقفية ذات الطابع الأثري والتاريخي، فإن الجهات التي تتولى هذه المهمة هي جهات دولية تضم جمعيات ودولًا متعددة مهتمة بالتراث.
وزارتا المالية والاقتصاد خارج إدارة الوقف
الفصل التام في الطبيعة الشرعية والقانونية لأموال الوقف، وفق بيرقدار، يعود لأسباب هي:- المال الوقفي مال خاص وليس مالًا عامًا: المال الوقفي في أصله وجوهره هو ملكية خاصة تبرع بها صاحبها (بما يقل عادة عن ثلث أملاكه) كصدقة جارية في سبيل الله ليضمن استمرار الأجر والثواب له بعد مماته، فهو تطبيق عملي للوصية الشرعية الدينية، وبالتالي لا يجوز للدولة معاملته كمال عام.
- شرط الواقف مقدّس شرعًا وقانونًا: يجب أن تُصرف عوائد الوقف بدقة بالغة وفقًا للجهة والمصارف التي اشترطها الواقف في وصيته، ولا يحق لأي جهة حكومية (كالمالية أو الاقتصاد) دمج هذه الأموال بالخزينة العامة للدولة أو صرفها في مجالات عامة أخرى خارجة عن شرط الواقف.
وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري برفقة محافظ حلب عزام الغريب يضعان حجر الأساس للمدينة الإدارية وكليات فرع الباب في جامعة حلب على أرض وقفية – 21 تموز 2026 (وزارة الأوقاف)
نظام “متفرد” لحماية المال
ما رأي الشريعة والقانون بالعقارات الوقفية؟
قالت المحامية أمل الدباس قبلان، في حديث إلى عنب بلدي، إن نظام الوقف هو نظام إسلامي خالص، متفرد في الشريعة الإسلامية، ولم تعرفه التشريعات الأخرى بصورته الأصلية، وإنما اقتبست كثيرًا من أحكامه من الفقه الإسلامي.ويعد الوقف من الأنظمة الراسخة في الشريعة الإسلامية، كما أخذت به العديد من التشريعات العربية، ومنها التشريع السوري والسعودي، مع اختلافات بسيطة في الفروع، وبقاء الأصول والقواعد العامة متطابقة إلى حد كبير.
أي مشروع استثماري، سواء كان بالمشاركة أو المضاربة أو غيرهما من صيغ الاستثمار المشروعة، يبقى جائزًا متى كان منسجمًا مع القواعد الشرعية المنظمة لاستثمار الوقف.
أمل الدباس قبلان
محامية سورية
تعريف الوقف والعقار الوقفي في الفقه والقانون السوري
للحديث عن العقار الوقفي، لا بد أولًا من تعريف الوقف، بحسب المحامية قبلان، مشيرة إلى أن الوقف في اللغة هو الحبس والمنع، أما في الاصطلاح الفقهي فقد تعددت تعريفاته باختلاف المذاهب الفقهية.ومن أشهر هذه التعريفات ما جاء في المذهب الحنبلي، الذي عرّف الوقف بأنه “تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة”، وهو التعريف الذي يستند إلى حديث النبي محمد للصحابي عمر بن الخطاب عندما قال له: “إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها”.
أما في القانون السوري فقالت المحامية قبلان، إن المشرّع أورد عدة تعريفات للوقف في عدد من التشريعات، منها قوانين الأحوال الشخصية الخاصة بالطوائف، إلا أن التعريف الأهم ورد في قانون الأوقاف رقم “31” لعام 2018.
ونصت المادة الأولى من هذا القانون على أن الأوقاف هي: “الأموال المنقولة وغير المنقولة المحبسة على حكم ملك الله تعالى، والمخصصة للنفع العام وفق أحكام الشريعة الإسلامية”.
وأضافت أن هذا التعريف ينسجم مع الطبيعة الشرعية للوقف، ويؤكد استقلال المال الوقفي عن الملكية الخاصة، بما يحقق الغاية الأساسية من الوقف وهي دوام الانتفاع به في الأوجه التي خُصص لها.
أما تعريف العقار في القانون المدني السوري، فهو: “كل شيء مستقر بحيزه وثابت فيه، لا يمكن نقله دون تلف”.
وبناء على كل ذلك، فإن العقار الوقفي قد يكون أرضًا أو بناء أو أي عقار ثابت بطبيعته، يخصص لتحقيق منفعة الوقف وفق أحكام الشريعة الإسلامية والقانون.
الحماية القانونية والجزائية للأموال الوقفية
قالت المحامية السورية، إن قانون الأوقاف عزز الحماية القانونية والجزائية للأموال الوقفية، من خلال النص على أحكام تتعلق بجميع صور الاعتداء التي قد تطال الوقف، سواء ارتكبها موظف عام أو أي شخص آخر، بما يحافظ على المال الوقفي ويمنع التعدي عليه.ومن الضروري تعزيز هذه الحماية بإدخال نصوص جزائية أكثر شمولًا، تتناول مختلف صور الاعتداء على الأوقاف، بما ينسجم مع مبدأ الشرعية الجزائية، وأشارت المحامية الدباس قبلان إلى أنها تناولت هذا الموضوع ضمن رسالة الماجستير الخاصة بها بعنوان: “الحماية القانونية للأموال الوقفية”، والتي تضمنت عددًا من المقترحات التشريعية الرامية إلى تطوير منظومة حماية الوقف، مدنيًا وجزائيًا.
وترى المحامية أن أي مشروع استثماري، سواء كان بالمشاركة أو المضاربة أو غيرها من صيغ الاستثمار المشروعة، يبقى جائزًا متى كان منسجمًا مع القواعد الشرعية المنظمة لاستثمار الوقف.
ويبقى المبدأ الأساسي في استثمار الأموال الوقفية هو الحفاظ على أصل المال الوقفي وتنمية منافعه، وهو مبدأ مستقر شرعًا وقانونًا، ولا يجوز الإخلال به تحت أي ظرف.
ويقاس نجاح الاستثمار الوقفي بقدرته على تنمية “الريع” مع المحافظة على أصل الوقف وعدم تعريضه للمخاطر التي تؤدي إلى ضياعه أو انتقاصه.
“توجيه عائدات الوقف” قرار تنظمه القوانين
المحامية قبلان قالت، طالما أن قانون الأوقاف نص على أن الأموال الوقفية “مخصصة للنفع العام”، فإن ذلك يمنح مرونة في توجيه عائداتها إلى المجالات التي تحقق المصلحة العامة، بما يسهم في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وخدمة الوطن.وأضافت أن تحديد أوجه صرف هذه العائدات لا يخضع للاجتهاد الفردي، وإنما يعود إلى مجلس الأوقاف المركزي، باعتباره الجهة المختصة قانونًا بتنظيم أولويات الإنفاق وتوزيع الموارد الوقفية وفق أحكام القانون.
وكان المشرّع السوري موفقًا في تنظيم استثمار الأوقاف، بحسب المحامية، لأن قانون الأوقاف يعد من القوانين الحمائية بامتياز، إذ تضمن نصوصًا تهدف إلى منع التعديات والتجاوزات التي قد تطال الأموال الوقفية، بما يسهم في استعادة الدور الحقيقي للوقف بعد عقود من الإهمال والتعثر.
المزايدة العلنية ضمانة لمنع الفساد في استثمار الأوقاف
استمد المشرّع أحكام قانون الأوقاف من الشريعة الإسلامية، ومنح الوقف شخصية اعتبارية مستقلة، بما يعني تمتعه بذمة مالية منفصلة عن الأموال العامة والخاصة، مع منحه بعض الامتيازات المقررة للأموال العامة، ومنها تقييد بعض التصرفات القانونية التي قد ترد عليه.ويهدف اشتراط اتباع المزايدة العلنية في استثمار الأموال الوقفية وفق الإجراءات القانونية الواضحة، بحسب المحامية قبلان، إلى إغلاق أبواب المحاباة والتلاعب والفساد الإداري، من خلال إخضاع عمليات الاستثمار لمعايير المنافسة والشفافية.
واختتمت المحامية قبلان بالقول، إن سوريا تمتلك اليوم فرصة حقيقية لتفعيل أحكام قانون الأوقاف على أرض الواقع، بعد أن بقيت العديد من نصوصه معطلة خلال سنوات النظام السابق، معربة عن أملها بأن تشكل المرحلة الحالية بداية لاستعادة الدور التنموي والحضاري للوقف في خدمة المجتمع.
وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري يجري جولة برفقة مسؤولين حكوميين على مبنى التكية السليمانية بدمشق – 21 تموز 2026 (محافظة دمشق)
ما القطاعات الأكثر جدوى للاستثمار الوقفي اليوم؟
الخبير الاقتصادي ملهم الجزماتي، يرى أن القطاع الأكثر جدوى للاستثمار الوقفي ليس قطاعًا واحدًا، بل مزيج بين أصول مدرّة للدخل وقطاعات ذات أثر اجتماعي.وقال الجزماتي في حديث إلى عنب بلدي، إنه من الناحية المالية، تبقى العقارات الوقفية في المدن الكبرى، خصوصًا المحال والأسواق والمجمعات الصغيرة والمشاريع المختلطة، الخيار الأسرع لتوليد إيرادات مستقرة، نظرًا إلى اعتمادها على قيمة الموقع والأرض أكثر من النشاط التشغيلي.
ويمكن رفع عوائد هذه الأصول عبر إعادة التخمين وتحسين العقود وترميم العقارات وتطويرها بصيغ المشاركة أو البناء والتشغيل والإعادة دون بيع الأصل الوقفي.
وحذر الخبير من حصر الأوقاف في العقار فقط، لأن ذلك يحولها إلى مالك أملاك بدل أن تكون أداة تنموية، لذلك يقترح استخدام العقارات كمصدر تمويل، وتوجيه الريع إلى التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.
وفي السياق السوري، يرى الجزماتي أن التعليم والصحة من أكثر القطاعات حاجة، لكنها ليست بالضرورة استثمارًا ربحيًا سريعًا، لذا يمكن تفعيلها عبر:
- مدارس مهنية.
- منح تعليمية.
- مراكز صحية منخفضة التكلفة.
- شراكات تشغيل مع جهات متخصصة.
شروط تحويل الأوقاف إلى أداة تنموية
يرى الجزماتي أن التحول إلى نموذج تنموي يتطلب إصلاحات في الحوكمة والإدارة، أبرزها:- إنشاء سجل واضح للأصول الوقفية يحدد الموقع والوضع القانوني والعقود والريع.
- اعتماد تقييم مستقل للقيمة السوقية بدل التخمين الإداري.
- ضبط الاستثمار عبر مزايدات شفافة وعقود منشورة.
- فصل إيرادات الوقف عن الإنفاق الإداري.
- ربط الإيرادات بوجهات واضحة: التعليم، الصحة، الرعاية، الترميم، المشاريع المحلية.
- إنشاء رقابة مالية وقضائية متخصصة.
الوقف ليس ملكية دولة ولا ملكية خاصة، بل أصل عام، وبالتالي فإن ضعف الحوكمة يحوله إلى مورد ريعي بدل أن يكون أداة تنموية.
ملهم الجزماتي
خبير اقتصادي
وفد من وزارة الأوقاف يجري جولة ميدانية بدير الزور على عدد من المدارس الوقفية التي تحتاج إلى ترميم لبحث إعادة تفعيلها – 29 نيسان 2026 (وزارة الأوقاف)
كيف تطورت فكرة الوقف بين التاريخ والواقع؟
الخبير في الاقتصاد السياسي يحيى السيد عمر، استعرض التاريخ الاجتماعي للوقف من خلال نماذج مثل “التكية السليمانية” في دمشق، التي أنشأها السلطان سليمان القانوني عام 1553، حيث قامت فكرة الوقف على “حبس المال” ليبقى نفعه مستمرًا، فيطعم الجائع ويؤوي المسافر ويعلّم الفقير.وأشار السيد عمر، في حديث لعنب بلدي، إلى أن “التكايا” كانت مراكز حياة اجتماعية متكاملة، حيث توزع الطعام يوميًا ويجتمع فيها الفقراء والطلاب، لتجسد الوقف كـ”رحمة جارية”.
لكن هذا الدور تراجع في العصر الحديث، مع خضوع الأوقاف لإشراف حكومي مباشر وفقدان جزء من استقلالها، إضافة إلى التعدي عليها بحجة مشاريع تنموية مثل شق الطرق.
وفي الحالة السورية، تحولت بعض الأوقاف التاريخية إلى فضاءات محدودة الوظيفة أو مواقع سياحية، مثل “التكية السليمانية” التي فقدت دورها الاجتماعي الأساسي.
تطرق الخبير السوري إلى تجربة مصر، حيث كانت الأوقاف تمثل جزءًا أساسيًا من الاقتصاد الاجتماعي، لكنها تراجعت بعد عام 1952 مع المركزية الإدارية، ما أدى إلى ضعف العائد والدور الاجتماعي.
وهناك تجارب دول أخرى حاولت إعادة إحياء الوقف، خصوصًا تركيا، التي طورت إدارة مركزية للأوقاف وحولتها إلى مشاريع تعليم وصحة وخدمات، إضافة إلى مفهوم “الوقف الجامعي”.
وأضاف الباحث السيد عمر أن نماذج حديثة ظهرت، مثل “الوقف الرقمي” و”الوقف الأخضر”، إلى جانب التجربة الأمريكية التي حولت “الوقف” إلى مؤسسات اقتصادية ضخمة تدعم التعليم والبحث العلمي.
تحديات الحوكمة والتنمية لدى الأوقاف
يرى الخبير في الحوكمة باسم حتاحت، أن الحديث عن الأوقاف في سوريا يستدعي مقاربة دقيقة، نظرًا إلى ضخامة حجم الأصول الوقفية ودورها التاريخي في البنية الاقتصادية والاجتماعية.وأشار إلى أن التقديرات المتداولة تفيد بأن نسبة كبيرة من الأراضي والمباني والأسواق في سوريا تقع ضمن “الملكيات الوقفية”، ما يمنح هذا القطاع إمكانات تنموية كبيرة في حال تمت إدارته بكفاءة ووفق أسس حوكمة واضحة.
إلا أن الأوقاف، بحسب حتاحت، تعرضت خلال العقود الماضية لعمليات نهب واستخدام واستثمار غير فعّال، في ظل غياب جهاز رقابي مؤسساتي وإطار حوكمة قادر على حماية هذه الأصول وإدارة مواردها بالشكل الأمثل.
وحدد أبرز التحديات التي تواجه القطاع اليوم، وهي:
- تفكك المرجعيات الناظمة لقطاع الأوقاف.
- ضعف الحوكمة والإدارة المؤسسية.
- سوء استثمار الأصول الوقفية.
- غياب الرقابة الفاعلة.
- محدودية الأثر التنموي رغم ضخامة الأصول والإرث الاجتماعي للوقف.
- وضوح المرجعية المؤسسية.
- استقلال القرار الوقفي.
- الفصل بين التشريع والتنفيذ والرقابة.
- المشاركة المجتمعية.
- العدالة في توزيع المنافع.
- المساءلة.
وفد من وزارة الأوقاف يجري جولة ميدانية بدير الزور على عدد من المدارس الوقفية التي تحتاج إلى ترميم لبحث إعادة تفعيلها – 29 نيسان 2026 (وزارة الأوقاف)
كيف تعمل الدولة على إعادة تنظيم قطاع الأوقاف؟
معاون وزير الأوقاف السوري لشؤون الوقف، سامر بيرقدار، أكد أن الوقف ركيزة لبناء المجتمع، وأن الوزارة تتعامل معه باعتباره نظامًا موجهًا للمصلحة العامة.ومن خلال فيديو مصور تم بثه عبر معرفات الوزارة الرسمية، أشار بيرقدار إلى أن القطاع تعرض خلال السنوات السابقة لإهمال وتعديات، ما استدعى إطلاق خطة إصلاحية تقوم على عدة مسارات:
أولًا، ضبط الملف وإعادة التنظيم عبر:
- حصر شامل للأملاك الوقفية.
- توثيق بياناتها.
- إنشاء قاعدة معلومات مركزية.
- مراجعة العقود.
- تصويب المخالف منها.
- فسخ العقود التي تخالف شروط الوقف.
- استعادة العقارات المتعدى عليها.
- جولات ميدانية لمعالجة المشكلات.
- مزادات علنية شفافة.
- استراتيجيات استثمار حديثة.
- تدريب الكوادر.
- تحديث الأنظمة التقنية.


الصفحات
سياسة









