.

الموعد النهائي: بين “الحسم” و”المفتوح”

تظهر أولى نقاط الخلاف في “الجدول الزمني”، إذ قدمت الحكومة السورية رواية حاسمة ومحددة بالوقت. 
وأعلن وزير الإعلام السوري أن الاتفاق ليس سوى “خارطة طريق” للبناء على تفاهمات 18 من كانون الثاني الماضي.
وبحسب الرواية الرسمية، مُنح الطرفان مهلة شهر واحد للتنفيذ الكامل، مع تحديد سقف عشرة أيام لاستلام مرافق استراتيجية، تشمل حقلي “رميلان” و”السويدية” النفطيين، ومطار القامشلي.
في المقابل، جاءت رواية “الإدارة الذاتية” مغايرة، إذ قالت المسؤولة الكردية فوزة يوسف، في تصريح لقناة “روناهي”، إنه “لا يوجد موعد نهائي محدد” لتنفيذ الاتفاق.
ويضع هذا التناقض الميدان أمام رؤيتين: رؤية حكومية تستعجل تثبيت السيادة، ورؤية من “قسد” تتعامل مع الاتفاق بوصفه مسارًا مفتوحًا وخاضعًا للتطورات.

صراع التعيينات: “مرشحون” أم “مُعيَّنون”؟

انتقلت التناقضات من الميدان إلى أروقة المؤسسات الرسمية، مع تداول تسريبات عن أسماء مرشحة لشغل مناصب رفيعة في هيكلية الدولة السورية.
وتتحدث مصادر إعلامية مقربة من “قسد” عن أسماء جرى “تعيينها” بالفعل، في حين تصر دمشق على وصفهم بـ”المرشحين”.
وفي حديث إلى عنب بلدي، أكد مصدر في الحكومة السورية بعض الأسماء المتداولة، لكنه شدد على أنها لا تزال في مرحلة الترشيح من جانب “قسد”، ولم يصدر قرار بتعيينها بعد، مرجحًا صدور التعيينات الرسمية خلال الساعات المقبلة.
وتشمل قائمة الترشيحات نور الدين عيسى، مسؤول العلاقات العامة السابق في “قسد”، لمنصب محافظ الحسكة، وجيا كوباني لمنصب معاون وزير الدفاع، وريدور خليل لمنصب معاون وزير الداخلية، إضافة إلى ترشيح سيامند عفرين نائبًا لمدير الأمن العام في محافظة الحسكة.
ويعكس هذا التباين في توصيف الوضع القانوني صراعًا غير معلن حول الجهة التي تملك قرار التعيين، بين القامشلي ودمشق.

الإدارة الأمنية: سيادة كاملة أم “مربعات” رمزية؟

يُعد ملف دخول قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي من أكثر بنود الاتفاق إثارة للجدل.
فبينما تتحدث دمشق عن خطة أمنية شاملة تتولى بموجبها إدارة الملف الأمني بالكامل، تصف “قسد” هذا الدخول بأنه محدود ورمزي ومؤقت، ويهدف إلى تسهيل دمج عناصرها ضمن هيكلية وزارة الداخلية.
وقالت فوزة يوسف إن عناصر الحكومة سيتمركزون في مناطق محددة، على غرار نموذج “المربعات الأمنية”، مع بقاء قوات “الأسايش” (قوات الأمن الداخلي التابعة لـ”قسد”) في مواقعها الحالية.
ويمتد الخلاف ليشمل تعريف “الأمن المحلي”، ففي حين عينت الحكومة السورية مروان العلي مديرًا لأمن الحسكة بقرار مباشر، ترى “قسد” أن إدارة الملف يجب أن تبقى بيد القوى المحلية، وهو ما يفسر ترشيح سيامند عفرين نائبًا لمدير الأمن العام.

الثروات والمعابر.. ملفات معلقة

تظهر الفجوة أيضًا في ملف الموارد، إذ تؤكد دمشق قرب استلامها المنشآت النفطية، بينما قالت المسؤولة في “قسد” إلهام أحمد، في مؤتمر صحفي عبر تطبيق “زووم”، إن جميع جوانب الأمن والسيطرة في مناطق نفوذ “قسد” ستبقى تحت إدارتها في المرحلة الحالية، على أن تُدمج لاحقًا ضمن المؤسسات السورية بآليات لم تُناقش بعد.
وأشارت أحمد إلى أن ملفات سيادية، من بينها معبر القامشلي (نصيبين) مع تركيا، لم تُحسم حتى الآن، في تناقض مع خطاب “الحسم” الذي تروجه وسائل إعلام رسمية في دمشق.

معضلة “المناطق المختلطة” وآلية الدمج

نص الاتفاق على أن تتولى القوات المحلية إدارة الأمن في المناطق ذات الأغلبية الكردية، لكنه لم يحدد مصير القرى والبلدات ذات الأغلبية العربية أو المسيحية، مثل تل تمر.
ويمنح هذا الغموض الحكومة السورية هامشًا لتوظيف قوى محلية موالية لها، في مقابل سعي “قسد” للحفاظ على نفوذها تحت مسمى “القوات المحلية”.
وعسكريًا، تصر الحكومة السورية على دمج مقاتلي “قسد” بشكل فردي ضمن ثلاثة ألوية عسكرية، ما يعني تفكيك هيكلها القيادي.
في المقابل، تشير تصريحات مسؤولي “قسد” إلى تفضيل الدمج على شكل كتل أو مؤسسات قائمة، وهو ما يفسر ترشيح قيادي مثل جيا كوباني لمنصب معاون وزير الدفاع، لضمان تمثيل هذا الهيكل داخل المؤسسة العسكرية.
في المحصلة، يدخل الاتفاق حيز التنفيذ من دون آلية موحدة للتفسير والتطبيق، فما تعتبره دمشق استعادة للسيادة بقرارات مركزية، تراه “قسد” شراكة مؤسساتية بشروط تفاوضية، فيما يبقى الميدان مفتوحًا على جولات إضافية من الشد والجذب.