يكشف تحليل المأزق الذي وجد "الإخوان" أنفسهم فيه بنية المشهد السياسي في سورية والديناميات الجديدة فيه، وهو سبب كافٍ لتناول جماعة الإخوان المسلمين، لكنْ ثمّة سبب إضافي وهو مرور ثمانية عقود على تأسيس التنظيم، لم يقدّم خلالها أيّ مراجعة علنية، لم يُخبر السوريين عن أسرار الأحداث والفظائع في الثمانينيات، وما الأخطاء والمسؤوليات التي يتحمّلونها، وأيضاً ما الإنجازات التي حقّقوها، وإذا ما أرادوا التقدّم نحو المستقبل، فعليهم تصفية حساب الماضي، فالماضي الذي لا يُعالج لا يموت.
أُسّست جماعة الإخوان المسلمين في سورية عام 1945، ما يجعلها ثالث أقدم تنظيم سياسي في هذا البلد، نشأ قبلها أولاً الحزب القومي السوري سنة 1936 متأثّراً بصعود النازية الألمانية اليمينية، ثم نشأ الحزب الشيوعي السوري متأثّراً بالثورة البلشفية وظهور الاتحاد السوفييتي، وأمّا الجماعة فنشأت من تداعيات سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية ثم الانتداب الفرنسي وصعود الدولة الوطنية، متأثّرةً بنهج مؤسّس التنظيم في مصر حسن البنّا. فالقضية الجوهرية لـ"الإخوان" كانت مواجهة معضلة تراجع موقع الشريعة الإسلامية في الدولة، والتغريب وآثار الاستعمار للحفاظ على الهُويّة، أي قضية أمّة إسلامية في سياق وطني.
لم تكن الفرصة المتاحة للجماعة في سورية أكثر من تصوّر تقليدي عن صعود "الإخوان" بعد "الربيع العربي" فاعلاً رئيساً
احتفظ "الإخوان" السوريون باسم "الجماعة" في التسمية، لم تسمّ نفسها حزباً ولا حركة، والواقع أنّ هذا الاسم هو أقرب الأسماء إلى الوضع السياسي الملتبَس للتنظيم الذي يرى أنّ له مهمّةً اجتماعيةً قد تكون أهمَّ من المهمّة السياسية. كما أُطلق على أعلى منصب في التنظيم اسم "المراقب العام"، وهو اسم استخدمه فيما بعد "إخوان" لبنان والأردن (أُسّس التنظيمان في العام نفسه)، والمقصود بهذه التسمية، المقابلة لتسمية "المرشد العام" في الجماعة المصرية الأمّ (استخدم لاحقاً الخميني مسمّى "المرشد الأعلى للثورة" تأثّراً بأدبيات الإخوان)، المراقبة لأداء الجماعة، ما يوحي بمفهوم ضبطي وتنسيقي أكثر منه قيادياً.
الجيل الأول: العصر الذهبي
ضمّ الجيل الأول للجماعة نخبة من المثقّفين والأكاديميين وعلماء الدين والقانون، منهم مصطفى السباعي وعصام العطار ومحمّد الحامد ومحمّد المبارك، شخصيات كارزمية حظيت باحترام واسع بين السوريين. وخلال هذه الفترة خاض "الإخوان" الانتخابات البرلمانية عام 1949، تنافسوا على نحو خمسة مقاعد، وظهروا تنظيماً صغيراً ناشئاً بين تنظيمَين كبيرَين: حزب الشعب والحزب الوطني، وفازوا بمقعدَين، شغلهما محمّد المبارك والمراقب العام مصطفى السباعي، ثم شاركوا في الانتخابات التالية 1954 و1961 (بعد الوحدة)، وفي هذه الفترة شارك "الإخوان" بفعّالية في نقاشات الدستور، ولعبوا درواً رئيسيا في صياغة مواده، وفي شكل خاص تلك المتعلّقة بالدين والدولة.
انطلاقاً من المادة التي تنصّ على أنّ الفقه الإسلامي المصدر الرئيس للتشريع، استطاع السباعي استصدار قانون بتأسيس أول كلية حديثة للتعليم الفقهي الإسلامي تربط بين الفقه والقانون في سورية سنة 1954، تحت اسم "كلية الشريعة"، على أساس أنّ دولة تعتمد الفقه الإسلامي مرجعاً يجب أن يكون لديها فقهاء متمكّنون من القانون والشريعة لرفد الدولة بالمؤهَّلين لمراجعة التشريعات وصياغتها.
يحسب لـ"الإخوان" في المرحلة البرلمانية أنهم ساهموا إلى حدّ كبير في صياغة المادة 25 في الدستور سنة 1950، وهي تعتبر متقدّمة جدّاً بالنسبة للإسلاميين: وهي "المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة"، ولم يُظهر "الإخوان" ميلاً إلى الانخراط مع العسكريين في وقت كان العسكر ينقلبون بشكل مستمرّ متحالفين مع أحزاب يسارية وقومية صغيرة لم تستطع الوصول إلى البرلمان عبر الانتخابات (خصوصاً حزب البعث والحزب الاشتراكي العربي، اللذَين اندمجا سنة 1953) فقرّرت الوصول عبر العسكر والانقلابات، كما لم يُنشئ "الإخوان" ذراعاً عسكرية خلافاً للجماعة الأمّ في مصر.
كان السباعي الشخصية الأكثر تأثيراً في التنظيم، وشكّلت مشاركته في قيادة متطوّعين للقتال في فلسطين مع جيش الإنقاذ العربي عام 1948 علامةً فارقةً في تاريخ الإخوان المسلمين السوريين. وأثبت خلال قيادته للتنظيم أنّ التنظيم كان جزءاً من اللعبة الديمقراطية، وكان أداؤه محلّ تقدير عام، وطوّر خطابا خاصّاً لجماعة الإخوان في سورية يؤمن بالتعددية، مختلفاً عن خطاب الجماعة الأمّ، انطلاقاً من الواقع السوري والتجربة السياسية، ولم يؤيّد "الإخوان" أيّ انقلاب عسكري، كانوا ضدّ الانقلابات جميعها، ومع ذلك رفض "الإخوان المسلمون" الانفصال بعد وحدة فاشلة مع مصر (1958-1961)، وخاضوا انتخابات 1961، ولكن انقلاب البعث 1963 دفعهم إلى الحياة السرّية، والبدء بتنسيب ضبّاط الجيش في صفوفهم، وفي السبعينيّات أنشؤوا للمرّة الأولى ذراعاً عسكرية لهم.
الجيل الثاني: الانقسام المتسلسل
تُوفّي السباعي سنة 1964، فخلفه عصام العطار، الذي يمكن القول إنّه شخصية كارزمية قوية كانت ترى نفسها أكبر من التنظيم. خلال فترة العطار، كان التنظيم قد انتقل للعمل السري، وبدأت الانقسامات الجهوية تفرض نفسها، إضافة إلى انعكاس سياسات اللجنة العسكرية التي أدّت إلى صعود الطائفية (علوَنة الجيش) التي أدّت إلى ظهور أوّل جماعة إسلامية تؤمن بالعنف وسيلةً للتغيير، خصوصاً بعد حادثة مسجد السلطان في حماة الشهيرة 1964 التي قُصف فيها مسجد للمرّة الأولى في تاريخ سورية.
ولأنّ العطار كان شخصيةً كارزميةً مؤثّرةً في الشارع يُحسب لها حسابات، كان يقال إنّه يسقط حكومات ويرفع أخرى، ما عرّضه لضغوط أمنية وملاحقات إلى أن خرج من سورية بعد نحو عام، وقاد التنظيم من المنفى في ألمانيا، ما أدّى إلى ضعف المركز بسبب طبيعة وسائل الاتصال البطيئة في تلك المرحلة، وصعود قيادات محلّية في المدن، ما أدّى إلى تحوّل الأطراف إلى مراكز شبه مستقلّة: جناح حلب، وجناح دمشق، وجناح حماة. وأدّى هذا الوضع إلى انقسام متسلسل وصراع أجنحة على القيادة، لكنّ العطار انشق من التنظيم من دون أن يعلن رسمياً ذلك، وأنشأ تنظيماً عسكرياً تحت مسمّى "الطلائع الإسلامية". وسيتطوّر هذا الانقسام على أساس جهوي، وعلى أساس الرؤية السياسية وأسلوب القيادة في أحداث الثمانينيّات، إلى تنظيمَين لكلّ منهما هيكل قيادة مستقل ومراقب عام في الوقت نفسه: حسن الهويدي (في العراق)، وعلي صدر الدين البيانوني (في الأردن، ولاحقاً في لندن). استمرّ الأمر نحو عقد ونصف العقد، ولم يُوحّد التنظيم مرّة أخرى إلا بعد غزو العراق.
ضغطت تجربة الصدام المسلّح في الثمانينيّات على الجماعة، فأحجمت عن تصدّر الثورة السورية خشية وصف الثورة بالإسلامية
الجيل الثالث: الصدام المسلّح
في نهاية الستينيّات ومطلع السبعينيّات، كان معظم أعضاء مجلس الشورى (القيادة) شباباً، بعضهم في أوائل العشرينيّات من عمره، وخلال السبعينيّات وُضع أوّل نظام داخلي للجماعة، وكان للأقدمية التنظيمية دور رئيسي في الوصول إلى القيادة، وسيؤدّي ذلك مع الوقت إلى شيخوخة قيادة التنظيم. ومع تصاعد الطائفية وعلونة مؤسّسات الدولة بعد مؤسّسات الجيش، وظهور خطاب معادي للدين في الدولة، ظهر تنظيم متنام، "الطليعة المقاتلة"، بقيادة مروان حديد داخل جماعة الإخوان، فسعت قيادة الجماعة إلى إقامة فصل واضح بين التنظيمَين ومنع ازدواجية العضوية في تنظيمَين سرّيين داخل بعضهما. كُلّف عضو مجلس الشورى عن حماة (آنذاك) فاروق طيفور التفاوض مع حديد لضبط قائمة الأسماء، وفي المحصّلة أخفقت الجماعة في تحقيق هذا الفصل واستمراره، فقد انتشرت الطليعة داخل الجماعة في جميع المحافظات.
وفي هذه الفترة أحدثت الجماعة تغييراً مهمّا في استراتيجيتها للانخراط في المجتمع، فقد قرّرت أن يكون النشاط المسجدي أساس عملها التنظيمي والحزبي، ما أدّى إلى اتساع الجماعة إلى حدّ كبير في وقت قياسي، وأصبحت للجماعة قاعدة اجتماعية قادرة على تهديد استقرار حكم حافظ الأسد. ومع ذلك، حافظ "الإخوان المسلمون" على خطاب ينبذ العنف، وتشير السجالات الموثّقة في رسائل بين مروان حديد وقيادة الجماعة إلى رفض الجماعة استخدام العنف، ولكنّ العنف المنفجر في الثمانينيّات والازدواجية التنظيمية في قسم أكبر من أعضاء الجماعة مع الطليعة وصدور قانون 49 في أكتوبر/ تشرين الأول 1980 جرّ الجماعة للدخول في الصدام المسلّح ضدّ نظام الأسد، وكانت نهايته مأساوية، ختمت بمجزرة حماة الشهيرة، وعمليات إعدام جماعي ممنهج طاول عشرات الآلاف في السجون، وخروج الجماعة إلى المنافي، وتصاعد صراعاتها الداخلية.
سنوات الثورة
نظّم "الإخوان" في الثمانينيات مواردهم المالية عبر مؤسّسات اقتصادية مستقرّة، تضمن لها تمويلاً مستداماً، وهو ما حفظ للجماعة قدرتها على الاستمرار والنشاط في المنفى من دون الاعتماد على مصادر خارجية، وبقاء الجماعة متماسكة، ما دفع حافظ الأسد في التسعينيّات إلى التفاوض معها للعودة لأنّها كانت التنظيم الوحيد وقتها الذي يمكن أن يشكّل تحدّياً لمشروع توريث الجمهورية لابنه، لكنّه تراجع في اللحظة الأخيرة؛ لأنّه من غير المؤكّد أن يستطيع "الإخوان" تجاوز تلك الذاكرة الدامية.
دعم صدّام حسين "الإخوان" منذ مطلع الثمانينيّات بسبب مساندة حافظ الأسد للإيرانيين في حرب الخليج. وفي نهاية 1989 عقب انتهاء الحرب عرض على "الإخوان"، وبقية قوى التحالف الوطني لتحرير سورية، دعم عملية برّية واسعة لإسقاط الأسد، بدأ "الإخوان" تنظيم صفوفهم وتدريب مئات المتطوّعين السوريين في معسكر قرب بغداد، وأسندت الجماعة قيادة المكتب العسكري (مؤلف من 12 شخصاً) إلى فاروق طيفور. أراد صدّام معاقبة الأسد ولكنّ شيئاً ما غيّر تفكيره على نحو مفاجئ وجعله يتجه نحو غزو الكويت.
حين مات الأسد الأب وجد "الإخوان" فرصةً يجب استغلالها، بدأوا بتأسيس خلايا سرّية في المدن السورية أُطلق عليها داخلياً "تنظيم الداخل"، لكنّ هذه الخلايا السرّية، التي اكتُشف بعضها، ظلّت ضعيفة الانتشار ومحدودة الحجم بسبب الظروف الأمنية. وبعد اغتيال رفيق الحريري، انضمّ "الاخوان" إلى تحالف جبهة الخلاص الوطني مع نائب الرئيس المنشقّ عبد الحليم خدام، لكن هذا التحالف، الذي لم يكن له تأثير عملي، يشكّل نموذجاً للتناقض بين الصواب السياسي والصواب الأخلاقي.
ومع اندلاع الثورة لاحت الفرصة العظيمة المنتظرة في الأفق، غير أنّ تجربة الصدام المسلّح في الثمانينيّات، وذاكرتها الدامية، ظلّت تضغط على الجماعة، ما أوقعها في موقف متردّد، فهي لا تريد تصدّر المشهد وتحمّل العواقب، بما في ذلك الخوف من وصف الثورة بالإسلامية والتأثير في مستقبلها، وتخشى تحمّل مسؤولية الفشل، لأنّه لا ضمان لنجاح الثورة، ولا هي تريد تفويت الفرصة في الوقت نفسه، فشاركت الجماعة في التحالفات السياسية الرئيسة، وكان لها دور في تشكيل تلك التحالفات، إلا أنّها ظلّت في الصفّ الثاني. كانت دائماً حاضرة، لكنّها هامشية التأثير؛ كانت صورة حضورها أكبر من ظلّ تأثيرها، خصوصاً أنّ الكلمة الفعلية كانت للقوى المقاتلة في الميدان التي لم تكن القوى السياسية تملك عليها سيطرة أو نفوذاً.
يمكن لجماعة الإخوان أن تحافظ على التنوّع السياسي في المجتمع السوري، سواء عبر تنظيم جديد أو البقاء في الظلّ
وعلى الرغم من سيطرة "الإخوان" على عدة فصائل، فإنّ تلك الفصائل كانت صغيرةً ولم يشكّل النفوذ عليها فارقاً في موازين القوى على الأرض. في عام 2012، أنشأت الجماعة تنظيمات عسكرية صغيرة تتبع لها تحت اسم "الدرع" (يُضاف إليه اسم المدينة أو البلدة)، ثم أنشأوا مظلّةً عسكريةً لها باسم "هيئة دروع الثورة"، وفي 2014، اندمج عديد من فصائل هيئة الدروع مع تنظيم عسكري آخر أنشأه مقرّبون من الجماعة تحت اسم "فيلق الشام". أصبح هذا الأخير إحدى القوى المتوسّطة في الجيش الحرّ. وفي النتيجة، لم يكن للجماعة تأثير يتناسب مع وزنها السياسي والتاريخي. ورغم ذلك، كانت الجماعة راضيةً لأنها تعتقد أنّها تصرّفت بدافع المسؤولية، وليس بدافع المكاسب الحزبية.
مفترق طرق
بعد 80 عاماً، شاخت الجماعة لأنّ قيادتها الفعلية أو "التنظيم العميق" صار طاعناً في السن، ونظام الجماعة التقليدي يعوق تصدّر الدماء الشابّة، ومزّقتها الجهوية، ما جعل موقع المراقب العام موقع تسوية داخل الحركة أكثر منه موقعاً انتخابياً. واليوم، مع صعود هيئة تحرير الشام ودورها الرئيس في إسقاط النظام، التي كانت خصماً أيديولوجياً للجماعة، يحثّ أتباعُ الهيئة الجماعة على تفكيك نفسها أو حلّها؛ حتى لا يكون هناك انقسام سياسي مبكّر بين الجمهور السوري على أسس أيديولوجية دينية، بمعنى أنّهم لا يريدون أيّ منازعة على تمثيل الأكثرية السنّية، فتخوض الجماعة منافسةً غير متكافئة مع الهيئة وقاعدتها الاجتماعية، المحمولة من جهة على الإنجاز التاريخي في إسقاط النظام، ومن جهة ثانية هي الآن في السلطة وتمتلك قدرة تنافسية استثنائية مع وجود موارد الدولة في يدها.
أضف إلى ذلك أنّ هناك سياقاً إقليمياً يرى في جماعة الإخوان المسلمين خطراً يهدّد استقرار الأنظمة، ويربط بينهم وبين ثورات الربيع العربي، كما لم تعد الجماعة تقديم نفسها للسوريين من خلال مراجعة علنية وصريحة لدورها وأخطائها في أحداث الثمانينيّات، ورؤيتها لدورها في سورية المستقبل، مكتفيةً بتأييد العهد الجديد، وألّا تكون عقبةً في الانتقال السياسي.
اتّخذت الجماعة قراراً بالاستمرار وعدم الحلّ في سبتمبر/ أيلول 2005، وقالت إنّها لن تهدر تاريخها، ولكن من الأفضل للجماعة في ظلّ هذا الوضع، البحث عن مخارج، والتفكير في البدائل، فيمكن لها أن تكون قوةً سياسيةً تحافظ على التنوّع في المجتمع السوري، سواء بحلّ نفسها وإنشاء تنظيم جديد، أو بالبقاء في الظلّ. هي أمام مفترق طرق قاسٍ بعد ثمانين عاماً من التأسيس.
-----------
العربي الجديد


الصفحات
سياسة









