تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

إدارة الصراع على الجغرافيا السورية

26/03/2026 - عدنان عبدالرزاق

بروفات فاشلة في دمشق

24/03/2026 - ماهر حميد

حرب تغيير الملامح

13/03/2026 - غسان شربل


الثورة التونسية من هوية الشعب الى عجين السلطة




تونس - صوفية الهمامي - لماذا صوت اغلب التونسيين الذين قصدوا صناديق الاقتراع في الثالث والعشرين من اكتوبر الماضي لحركة النهضة الاسلامية ؟ سؤال حير العائلة اليسارية التونسية والمراقبين الدوليين والمتابعين للثورة التونسية التي لم ترفع شعارا دينيا واحدا، وهذا ما جعل الصحافة العالمية تصفها بالثورة العلمانية التي عكست صورة المجتمع التونسي الذي يعيش التفتح والحداثة


الثورة التونسية من هوية الشعب الى عجين السلطة
ذهول الاحزاب اليسارية امام الفوز الكاسح لحركة النهضة وخيبتها السياسية اوقعها في هفوات متكررة، فبعد هدر وقتهم في انتقاد حركة النهضة وشن الحروب الافتراضية وتجنيد الكفاءات العلمية والاكاديمية لمتابعة كل ما يصرح به اعضاؤها والرد عليهم على الشبكة العنكبوتية بدل نشر الوعي بكتابة المقالات وتقديم برامجهم السياسية، انخرطوا منذ ان تم الاعلان عن تقدم حركة النهضة في النتائج الجزئية لانتخابات المجلس التاسيسي بوصف الشعب التونسي بالجهل والحماقة لانه صوت للنهضة وقدم لها تونس على طبق ذهبي حسب وصف "م م" .
هذه الاتهامات بحق التونسيين حركت القواعد اليسارية ضد قياديها وخلقت خلافا حقيقيا داخل اعضاء المكاتب السياسية للأحزاب وقد تدارك بعضهم أمره بتهنئة النهضة ولو مكرها والاعتراف بالفشل السياسي في اول انتخابات بعد خلع نظام بن علي.
لكن يبقى السؤال محيرا كيف حازت حركة النهضة على اعلى نسبة في انتخابات التاسيسي؟ قبل ايام كنت في باريس للمشاركة في مائدة مستديرة نظمتها جمعية نسائية فرنسية لائكية، وهناك طرح علي نفس السؤال من قبل فرنسيين ومغاربة مقيمين هناك
عجوز فرنسية شديدة اللائكية، حد التطرف، كانت قلقة جداً على مستقبل تونس وتسأل كيف لللائكيات واللائكيون ان يتحركوا لانقاذ تونس من هذا الحزب الديني وتختم بدعوة الشعب التونسي لتجاوز أزمة النتائج، ثم تضرب كفا بكف لماذا صوتوا لها...
كان لزاما ان تعلم هذه السيدة ان تونس دولة مستقلة وليست مقاطعة فرنسية وان الشعب الذي ذهب الى صناديق الاقتراح لم يتم استيراده على ظهر باخرة عملاقة، اما لماذا أعطى أصواته للنهضة فكان على هذه السيدة ان ترد على سؤالي قبل ان أسمعها وجهة نظري.
للائكية العجوز قلت : التونسيون والتونسيات المستقرين والمولودين في اوروبا وامريكا، حتى التونسيين الغير الناطقين باللغة العربية صوتوا لحركة النهضة الاسلامية فهل هم أيضاً حمقى وجهلة؟
اضفت للسيدة التي لم ترد على السؤال ، اظن ان الهوية الضائعة بين ثنايا الحداثة سببا رئيسيا، فالهوية والشعور بالاعتذار خاصة عندما يكون هناك اكثر من جيل، جيل الآباء وجيل الأبناء وربما الأحفاد، يجعل التفاوت في زاوية الهوية يتسم بالتعقيد والتركيب في حد ذاته، مما يزيد في تعقيد الظاهرة الكبرى، وهي لماذا يصوت هؤلاء المغتربون الى حزب ديني هو النهضة؟...
فجيل الآباء يعيش بطبيعته بسبب هجرته من وطن الهوية الام الى وطن الاغتراب ، حالة الانفصام التي تجعله في تنازع بين التاقلم مع المنزل الجديد والحنين الى المنزل الاول كما قال الشاعر كم منزل في الارض يسكنه الفتى وحنينه أبدا لاول منزل / نقل فؤادك حيث شئت من الهوى، ما الحب الا للحبيب الاول ...
هذا الجيل يشعر بان حزبا يتسم بالأصالة الثقافية وفي مقدمتها الدين يشكل جزءا مهما من انتمائه الى هويته، حيث التكوين الاول والوطن الاول والمنزل الاول كما يشده بحنين نوستاجلي قوي الى مسقط راسه يشبه حنين الناقة في التفكير العربي الصحراوي القديم.
اما جيل الأبناء والأحفاد فلعل ما يعانيه من محاولة للتأقلم وصعوبة ما يواجهه في سبيل ذلك يجعله سهل التاثر بمشاعر الاب والانسياق الى حنينه للوطن الاول ، فما يعانيه الشباب اليوم من رفض عنصري بسبب اصوله العربية والذي زاد بعد الفوبيا الاسلامية والخوف من الاسلام الارهابي في نظر القسم الاكبر من الغرب، جعل هذا الجيل الفتي رغم حياة الحداثة التي يعيشها في بلاد الغرب يخضع بوعي او بدون وعي الى ردة فعل من العصبية الى حزب ديني يدافع عنه ويصد عنه النظرة العنصرية.
وهذا ربما يعد عاملا نفسيا موجبا يساعد الشباب القلق على مصيره وعلى انتمائه على اكتساب نوع من الطمأنينة والثقة بالنفس والانتماء أخيرا الى هوية الآباء، ويبقى فشل الاحزاب اليسارية والقومية في اول انتخابات حرة وشفافة في تونس صدمة للمتابعين.
ان انعدام الثقة في التيارات السياسية الراديكالية القائمة والمعروفة على مدى السنين بعد اختبارها في تجربة السياسية العملية قد اوجد حالة من الرفض عند الأجيال المتعاقبة على مدى الستين سنة الماضية، خاصة لتلك الاحزاب والقوى التي تمكنت من القفز على ظاهر السلطة في اكثر من بلد عربي عن طريق الانقلابات العسكرية المعروفة وفشلت في إقناع الجماهير العربية بصدقيتها وقدرتها على القيادة وتحقيق آمال شعوبها.
اما القوى السياسية التي لم تتمكن من القفز على الحكم واستلام السلطة بقيت تمارس ايديولوجيتها في فضاء التنظير وحده، مما جعلها تفشل بدورها في إقناع الجماهير بقدرتها العملية والميدانية، ولم يتبقى امام الأجيال المتعاقبة وخاصة المتوالدة في خارج الخارطة العربية سوى القوى التي لم يجربها وظلت وثيقة الصلة بالجماهير من خلال شعاراتها العملية والأخلاقية والثقافية المتصلة بالدين الاسلامي.
فمساعده الفقراء على ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والتصدق لهم بأموال الزكاة مع التبرعات لهم اثناء النكبات والزلازل والعوز جعل منهم قوة قريبة من هذه الجماهير ومتطلباتها، كما ان الإحساس بحاجات الناس اليومية أبلغهم ماثلين في تجربة الانسان العربي المسلم الذي صار يعاني من الشعور بالاضطهاد امام اصطناع الغرب المبالغ فيه لفوبيا الاسلام، خاصة عندما جعلت الولايات المتحدة الاسلام العدو البديل بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وغياب شماعة الشيوعية هذا ما جعل الناس تتعاطف مع هذه القوى التي جاءت لتطرح برنامجا عمليا كانت له تطبيقات في واقع حياتها قبل ذلك.
اليوم تجد القوى الدينية التي كسبت ثقة الشعب نفسها في المحك الذي سيحدد مصيرها اما بالنجاح الناتج عن صدقيتها في تطبيق الشعارات وتطوير البرامج الميدانية البدائية ووضع استراتيجيات واضحة وبعيدة المدى، خاصة تلك التي تتصل بصدقيتها السياسية في التداول الديمقراطي على السلطة، او ان تجد نفسها في الطريق المسدود الذي وجدت القوى السياسية العربية التقيليدية نفسها فيه منذ قيام الثورات العسكرية والانقلابية في منتصف القرن الماضي.
علما بان الناتج التاريخي للحركات الاسلامية باعتبارها تجسيدا لبشارة ثورات الربيع العربي في تونس، سيكون اسرع من الناتج التاريخي في الفترة والحصيلة والتأثير مما كانت عليه الثورات العسكرية السابقة التي دخلت في طريق الاستبداد المرير، لان الثورات العربية الجديدة لن تتوقف هذه المرة وستستمر لعشرات السنين القادمة في الرقابة والتأصيل لمجسداتها السياسية، كما انها لن تتسامح مع الاخطاء التي ستنتج عن هذه القوى الممثلة لها وستطيح بها في اسرع وقت منعا لها من دخول طريق الاستبداد المرير .
ان الشعوب العربية بعد هذا النمط الجديد من الثورات الحقيقية في إطارها الذي لم ترسمه القوى السياسية الموجودة في الواقع العربي، بل حددته ورسمته الشعوب العربية في اندلاعها العميق والحقيقي كقوى غير أيديولوجية هو الذي يضمن لهذه الثورات استمراريتها وللشعوب قدرتها على تنصيب القوى السياسية المناسبة لها عبر صناديق الاقتراع، كما تستطيع الشعوب عزل هذه القوى وإسقاطها بنفس الطريقة وهذا ما يجعل اندفاع الثورة مستمرا وعميقا وفعالا لأمد طويل .
واذا كنا نسطيع ان نمثل الثورة بالفرن المستعر في الشوارع والميادين العربية وان مشعل النار ومشعل الفرن هو الشعب في كل بلد عربي، فانه يمكننا كذلك ان نشبه التجسيد السياسي الذي يختاره الشعب في كل بلد برغيف الخبز الذي ينضج على نار الفرن.
هذا يجعل العلاقة بين الفرن والرغيف تتمثل وتختصر في حاجة الشعب لذلك الرغيف او انتفاء هذه الحاجة، والحاجة الى رغيف خبز جديد اكثر نضجا وتلبية لمطالب المرحلة، وتحقيق مثل ذلك يتطلب الإبقاء على النار مستعرة في فرن الثورة ....
لان هذه النارً ضرورية كي تحرق خبز الحكم وعجين السلطة الذي لا يستجيب او يتشكل وفق متطلباتها وجوعها للحرية، هكذا ينبغي للفرن ان يظل مستعرا بين يدي الشعب حتى يطمئن الى ضرورة ان تتحول النار الحارقة فيه الى نور يغمر الآفاق ...وتصبح شمس الحرية الدافئة خبز الشعب اليومي...


صوفية الهمامي
السبت 19 نوفمبر 2011