كان يكفي لعمار سعداني الامين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، الذي يمتلك الاغلبية في البرلمان الجزائري ويفترض انه الواجهة المدنية للجيش، أن يوجه اتهامات بالإخفاق في مهام أمنية على درجة كبيرة من الخطورة والحساسية والتدخل في نشاط الاحزاب والعدالة والصحافة لرئيس جهاز الاستخبارات في توقيت غير بريء على اعتبار انها جاءت قبل نحو شهرين من تنظيم الانتخابات الرئاسية، حتى تخرج " الحرب الاهلية" بين الاجنحة في هرم السلطة إلى العلن وتصبح على لسان العام والخاص.
واعتمد سعداني على دعم وسند المخابرات في تقوية وجوده سياسيا واجتماعيا، حتى وصل إلى رئاسة مجلس النواب عام 2004، قبل أن يتزعم اكبر قوة سياسية في البلاد منذ نهاية اب / اغسطس الماضي، ويتهمه مناوؤه بالتورط في قضايا فساد بملايين الدولارات.
لقد نجح النظام الجزائري في الخروج سالما من كل الخلافات التي نشبت بين اجنحته والأزمات التي تعرض لها بداية من ازمة صيف 1962، ثم الانقلاب العسكري الذي قاده الكولونيل الراحل هواري بومدين عام 1965، وخلافة الكولونيل الشاذلي بن جديد لبومدين بعد وفاته عام 1978. ثم تجاوزه بـ"نجاح" الاحداث الدامية للخامس اكتوبر 1988 ( التي تشبه اليوم احداث الربيع العربي) وقرار الانفتاح السياسي عام 1989، وتوقيف المسار الانتخابي عام 1991، والمجئ بالجنرال ليامين زروال رئيسا للبلاد عام 1995، ثم اختيار عبد العزيز بوتفليقة ليكون رئيسا للبلاد منذ 1999 حتى اليوم.
يعتبر جهاز الاستخبارات، أهم حلقة في منظومة الجيش الجزائري، هذه الميزة جعلت منه اداة فعالة في رسم خارطة الطريق التي ينبغي على الجميع اتباعها
وحتى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كان يعي ذلك جيدا عندما قال في تصريح قبل تقدمه للانتخابات الرئاسية لأول مرة عام 1999 " اردت في الواقع أن اكون مرشح الجيش. لم اكن اريد ان تكون هناك علاقة لا مع المجتمع المدني ولا مع الحركة الاسلامية. كمرشح للجيش سأتقدم كرجل مصالحة". لكن بوتفليقة، بعد اشهر قليلة من اعتلائه سدة الحكم اعلن رفضه أن يكون ثلاثة ارباع رئيس، في اشارة واضحة أنه يرفض أن تسلب منه المؤسسة العسكرية صلاحياته.
ويشهد التاريخ ان جهاز المخابرات وقف إلى جانب بوتفليقة، عندما قرر الترشح لولاية رئاسية ثانية عام 2004، بخلاف قائد أركان الجيش الفريق محمد العماري، الذي أحيل لاحقا على التقاعد بقرار رئاسي قبل وفاته. وتكرر نفس السيناريو بعد خمس سنوات.
ترك سعداني، الانطباع بأن قائد جهاز الاستخبارات الجنرال محمد مدين المدعو توفيق، يقف ضد رغبة الرئيس بوتفليقة في الاستمرار في الحكم لولاية رئاسية رابعة، لكن المحلل السياسي محمد حشماوي يرفض هذه القراءة، ويعتقد أن أصل الصراع هو على تقاسم السلطة مشيرا إلى أن الجنرال توفيق نفسه يساند عهدة رابعة للرئيس بوتفليقة. كما لفت أنه لو لم يكن الامر كذلك لما أعلن كل من رئيس الوزراء عبد المالك سلال، وحزب التجمع الوطني الديمقراطي ثاني اكبر الاحزاب ونقابة اتحاد العمال الجزائريين مبايعتهم لهذا المسعى، وهم المعروفين بالولاء للمخابرات قبل اية جهة اخرى.
ويشبه حشماوي، ما يحدث اليوم في الجزائر بالصراع بين مجموعتين ينضم الجناح الرئاسي في النهاية إلى المنتصر فيه مؤكدا أن الرهان الحقيقي للحرب الجديدة بين الاجنحة ليس اقامة الدولة المدنية بدلا من دولة المخابرات وإنما تقاسم السلطة تحسبا لما بعد عهد بوتفليقة.
وينفي الضابط المتقاعد في الجيش، احمد عظيمي، في تصريحه لوكالة الانباء الألمانية (د.ب.أ) وجود صراع اجنحة في الجزائر لأن الرئيس بوتفليقة كونه أيضا وزيرا للدفاع يملك كل الصلاحيات لتعيين وإقالة أي مسؤول في اي وقت يريده حتى لو كان الامر يتعلق برئيس جهاز الاستخبارات.
يجمع عدد من المتتبعين على أن ما تناوله سعداني بكون جهاز المخابرات يتحكم في كل مفاصل الدولة لا يعتبر سبقا صحفيا او اكتشافا، لكنهم يجزمون أن النخبة والطبقة السياسية هي من أسست لهذا الوضع عندما تخلت عن واجباتها ومبادئها وسمحت لأعوان المخابرات من التحكم في كل شئ.
يقول الشيخ عبد الله جاب الله، رئيس جبهة العدالة والتنمية لوكالة الانباء الألمانية (د .ب. أ) أنه لن تكون هناك نهضة ولا اصلاح في الجزائر، إذا لم تتحرر النخبة من القابلية للاستعباد والاستغلال والرشوة.
وانتقد جاب الله تعاطي النخبة مع تصريحات سعداني، ضد جهاز المخابرات وقائده مشددا أنه ذهب مرتين ضحية للنظام، الاولى عندما ازاحته الاستخبارات من على رأس حركة النهضة الجزائرية التي يعد مؤسسها الأول إثر انقلاب أبيض، والثانية لما تدخلت رئاسة الجمهورية في عهد الرئيس بوتفليقة لإبعاده من على رأس حركة الاصلاح التي أسسها مع انصاره الذين كانوا معه في النهضة.
ويذهب الضابط المتقاعد احمد عظيمي، الى تحميل المسؤولية لغالبية التشكيلات السياسية التي سمحت للمخابرات بالتدخل في شؤونها لافتا ان تواجد هذا الجهاز في كل مكان لا يمنحها الشرعية لتتدخل في عمل هذه الاحزاب. ويعتبر كريم طابو الناطق الرسمي للاتحاد الديمقراطي الاجتماعي والسكرتير السابق لحزب جبهة القوى الاشتراكية (اقدم حزب معارض في الجزائر) في تصريح لوكالة الانباء الألمانية (د .ب. أ)، أن وصول عمار سعداني، إلى منصب رئيس مجلس النواب يمثل اكبر اخفاق سياسي للدولة الجزائرية مشددا على ان المسار السياسي المنتهج منذ عدة سنوات هو الذي أدى إلى الوضع الذي تعيشه البلاد اليوم.
ونوه طابو أن احزاب السلطة تسير وفق قواعد خاصة عكس الاحزاب التي تنبثق من رحم الشعب، ما يخلق حالة فراغ رهيبة في الساحة السياسية لإقناع المواطنين بغياب البديل الذي يمكنه خلافة النظام القائم.
ووصف محمد خلفاوي، عقيد متقاعد في المخابرات، في تصريح لوكالة الانباء الألمانية (د .ب. أ) الهجوم على الاستخبارات وقائده بافتقار اصحابه لثقافة الدولة
زاد صمت الرئيس بوتفليقة حيال الاتهامات الخطيرة ضد جهاز المخابرات ورئيسه من حالة الخوف والشك مما هو قادم، وأجمعت العديد من الاحزاب والشخصيات على ضرورة تدخل الرئيس ومخاطبته الجزائريين لوضع حد لحالة الفوضى والتصدي لأولئك الذين يتحدثون باسمه واضعين استقرار ومستقبل البلاد على المحك.
وهناك من ذهب إلى اعتبار أن صمت الرئيس هو دليل قاطع عن عزمه تنحية مدير المخابرات بعدما أحال عدد من مقربيه على التقاعد قبل اسابيع قليلة.
تكلم الرئيس اخيرا بمناسبة كارثة تحط طائرة نقل عسكرية واعترف بان التكالب وصل إلى حد لم تصله الجزائر منذ الاستقلال منددا بمحاولة المساس بوحدة الجيش والتعرض لما من شأنه أن يهز الاستقرار في البلاد وعصمتها لدى الأمم. وأكد بوتفليقة انه لا يحق لأحد مهما تعالت المسؤوليات أن يعرض الجيش الوطني الشعبي والمؤسسات الدستورية الأخرى إلى البلبلة.
غير أن هناك جهات لم تكترث لرسالة الرئيس لأنها ترى أنه لا حول ولا قوة له لأنه مريض ولا يستطيع حتى التكفل بنفسه متهمين محيطه المقرب بتدبير " هذه المخططات الانقلابية" من اجل البقاء في الحكم والإفلات من العقاب لأنهم متورطون في قضايا فساد كبرى وحتى لو جلب ذلك الخراب والدمار للبلاد. وأعطى وزير العدل السابق محمد شرفي، مصداقية لهذه الفرضية ولو تلميحا عندما كشف أن عمار سعداني زاره في مكتبه في اليوم الذي تم تنصيبه امينا عاما لحزب جبهة التحرير الوطني وطلب منه وديا اخراج وزير الطاقة السابق شكيب خليل (محسوب على الرئيس بوتفليقة) كالشعرة من العجين من قضية شركة سوناطراك للمحروقات المملوكة للحكومة (فضيحة فساد) مقابل حفاظه على منصبه في الحكومة. لكن شرفي رفض التجاوب مع هذا الاقتراح مما تسبب في اقالته بعد ايام قليلة.
من جهتها لم تر وزارة الدفاع حتى الان الحاجة لإصدار اي بيان تدافع فيه عن احدى فروعها وهي التي سارعت في اكثر من مرة للرد على كتابات صحفية "بسيطة". كما ان وزارة العدل لم تتخذ اي موقف رغم انها كان يمكن ان تتأسس أليا كطرف مدني لأن تصريحات سعداني تقع تحت طائلة مواد قانون العقوبات وقانون ميثاق السلم والمصالحة الوطنية اللذان يجرمان الاساءة الى الجيش.
مقابل هذه السكوت الذي يخشى انه يخفي وراءه اشياء كثيرة، ازداد التعاطف الشعبي وفعاليات المجتمع المدني مع جهاز المخابرات ورئيسه، حيث خرج عدد من مناضلي حزب جبهة التحرير الوطني إلى الشارع في عدة مناطق للمطالبة بالقصاص من سعداني والانتصار للجنرال توفيق والهيئة التي يقودها.
يعترف الضابط المتقاعد احمد عظيمي، انه يخشى على الجزائر اليوم اكثر مما كان يخشاه عليها في مرحلة الإرهاب، غير أنه شدد أن الجيش الجزائري هو من اكثر الجيوش انضباطا في العالم ولا يمكن الحديث عن سوء تفاهم في صفوفه. أما العقيد المتقاعد محمد خلفاوي، فيرى أن الصراع داخل الجيش خطير جدا ولو كان هناك صراع لظهر وأن الخلاف غير مسموح به داخل المؤسسة العسكرية. كما لفت إلى أن نظام الدولة هو الذي يحدد ادوار الجيش والمخابرات والوزارات وبقية مؤسسات الدولة. متسائلا إذا كان هذا النظام لا زال مقبولا وهل هناك ضرورة لمراجعته بعدما وصل إلى نهايته.
ودعا كريم طابو إلى استخلاص الامور الايجابية من النقاش حول دور المخابرات موضحا ان ذلك يساعد على بناء الديمقراطية من خلال توسيع النقاش إلى النخب والمجتمع المدني حتى لا يكون هناك خلط بين أمن السلطة وأمن الدولة.
وبعد اهتزاز اسطورة المخابرات وفي انتظار ما ستحمله الايام المقبلة من جديد، يبقى الارتباك سيد الموقف على المشهد العام في الجزائر التي لا تستحق ان تعود الى الوراء بعد كل الذي عاشته في الماضي.
واعتمد سعداني على دعم وسند المخابرات في تقوية وجوده سياسيا واجتماعيا، حتى وصل إلى رئاسة مجلس النواب عام 2004، قبل أن يتزعم اكبر قوة سياسية في البلاد منذ نهاية اب / اغسطس الماضي، ويتهمه مناوؤه بالتورط في قضايا فساد بملايين الدولارات.
لقد نجح النظام الجزائري في الخروج سالما من كل الخلافات التي نشبت بين اجنحته والأزمات التي تعرض لها بداية من ازمة صيف 1962، ثم الانقلاب العسكري الذي قاده الكولونيل الراحل هواري بومدين عام 1965، وخلافة الكولونيل الشاذلي بن جديد لبومدين بعد وفاته عام 1978. ثم تجاوزه بـ"نجاح" الاحداث الدامية للخامس اكتوبر 1988 ( التي تشبه اليوم احداث الربيع العربي) وقرار الانفتاح السياسي عام 1989، وتوقيف المسار الانتخابي عام 1991، والمجئ بالجنرال ليامين زروال رئيسا للبلاد عام 1995، ثم اختيار عبد العزيز بوتفليقة ليكون رئيسا للبلاد منذ 1999 حتى اليوم.
يعتبر جهاز الاستخبارات، أهم حلقة في منظومة الجيش الجزائري، هذه الميزة جعلت منه اداة فعالة في رسم خارطة الطريق التي ينبغي على الجميع اتباعها
وحتى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كان يعي ذلك جيدا عندما قال في تصريح قبل تقدمه للانتخابات الرئاسية لأول مرة عام 1999 " اردت في الواقع أن اكون مرشح الجيش. لم اكن اريد ان تكون هناك علاقة لا مع المجتمع المدني ولا مع الحركة الاسلامية. كمرشح للجيش سأتقدم كرجل مصالحة". لكن بوتفليقة، بعد اشهر قليلة من اعتلائه سدة الحكم اعلن رفضه أن يكون ثلاثة ارباع رئيس، في اشارة واضحة أنه يرفض أن تسلب منه المؤسسة العسكرية صلاحياته.
ويشهد التاريخ ان جهاز المخابرات وقف إلى جانب بوتفليقة، عندما قرر الترشح لولاية رئاسية ثانية عام 2004، بخلاف قائد أركان الجيش الفريق محمد العماري، الذي أحيل لاحقا على التقاعد بقرار رئاسي قبل وفاته. وتكرر نفس السيناريو بعد خمس سنوات.
ترك سعداني، الانطباع بأن قائد جهاز الاستخبارات الجنرال محمد مدين المدعو توفيق، يقف ضد رغبة الرئيس بوتفليقة في الاستمرار في الحكم لولاية رئاسية رابعة، لكن المحلل السياسي محمد حشماوي يرفض هذه القراءة، ويعتقد أن أصل الصراع هو على تقاسم السلطة مشيرا إلى أن الجنرال توفيق نفسه يساند عهدة رابعة للرئيس بوتفليقة. كما لفت أنه لو لم يكن الامر كذلك لما أعلن كل من رئيس الوزراء عبد المالك سلال، وحزب التجمع الوطني الديمقراطي ثاني اكبر الاحزاب ونقابة اتحاد العمال الجزائريين مبايعتهم لهذا المسعى، وهم المعروفين بالولاء للمخابرات قبل اية جهة اخرى.
ويشبه حشماوي، ما يحدث اليوم في الجزائر بالصراع بين مجموعتين ينضم الجناح الرئاسي في النهاية إلى المنتصر فيه مؤكدا أن الرهان الحقيقي للحرب الجديدة بين الاجنحة ليس اقامة الدولة المدنية بدلا من دولة المخابرات وإنما تقاسم السلطة تحسبا لما بعد عهد بوتفليقة.
وينفي الضابط المتقاعد في الجيش، احمد عظيمي، في تصريحه لوكالة الانباء الألمانية (د.ب.أ) وجود صراع اجنحة في الجزائر لأن الرئيس بوتفليقة كونه أيضا وزيرا للدفاع يملك كل الصلاحيات لتعيين وإقالة أي مسؤول في اي وقت يريده حتى لو كان الامر يتعلق برئيس جهاز الاستخبارات.
يجمع عدد من المتتبعين على أن ما تناوله سعداني بكون جهاز المخابرات يتحكم في كل مفاصل الدولة لا يعتبر سبقا صحفيا او اكتشافا، لكنهم يجزمون أن النخبة والطبقة السياسية هي من أسست لهذا الوضع عندما تخلت عن واجباتها ومبادئها وسمحت لأعوان المخابرات من التحكم في كل شئ.
يقول الشيخ عبد الله جاب الله، رئيس جبهة العدالة والتنمية لوكالة الانباء الألمانية (د .ب. أ) أنه لن تكون هناك نهضة ولا اصلاح في الجزائر، إذا لم تتحرر النخبة من القابلية للاستعباد والاستغلال والرشوة.
وانتقد جاب الله تعاطي النخبة مع تصريحات سعداني، ضد جهاز المخابرات وقائده مشددا أنه ذهب مرتين ضحية للنظام، الاولى عندما ازاحته الاستخبارات من على رأس حركة النهضة الجزائرية التي يعد مؤسسها الأول إثر انقلاب أبيض، والثانية لما تدخلت رئاسة الجمهورية في عهد الرئيس بوتفليقة لإبعاده من على رأس حركة الاصلاح التي أسسها مع انصاره الذين كانوا معه في النهضة.
ويذهب الضابط المتقاعد احمد عظيمي، الى تحميل المسؤولية لغالبية التشكيلات السياسية التي سمحت للمخابرات بالتدخل في شؤونها لافتا ان تواجد هذا الجهاز في كل مكان لا يمنحها الشرعية لتتدخل في عمل هذه الاحزاب. ويعتبر كريم طابو الناطق الرسمي للاتحاد الديمقراطي الاجتماعي والسكرتير السابق لحزب جبهة القوى الاشتراكية (اقدم حزب معارض في الجزائر) في تصريح لوكالة الانباء الألمانية (د .ب. أ)، أن وصول عمار سعداني، إلى منصب رئيس مجلس النواب يمثل اكبر اخفاق سياسي للدولة الجزائرية مشددا على ان المسار السياسي المنتهج منذ عدة سنوات هو الذي أدى إلى الوضع الذي تعيشه البلاد اليوم.
ونوه طابو أن احزاب السلطة تسير وفق قواعد خاصة عكس الاحزاب التي تنبثق من رحم الشعب، ما يخلق حالة فراغ رهيبة في الساحة السياسية لإقناع المواطنين بغياب البديل الذي يمكنه خلافة النظام القائم.
ووصف محمد خلفاوي، عقيد متقاعد في المخابرات، في تصريح لوكالة الانباء الألمانية (د .ب. أ) الهجوم على الاستخبارات وقائده بافتقار اصحابه لثقافة الدولة
زاد صمت الرئيس بوتفليقة حيال الاتهامات الخطيرة ضد جهاز المخابرات ورئيسه من حالة الخوف والشك مما هو قادم، وأجمعت العديد من الاحزاب والشخصيات على ضرورة تدخل الرئيس ومخاطبته الجزائريين لوضع حد لحالة الفوضى والتصدي لأولئك الذين يتحدثون باسمه واضعين استقرار ومستقبل البلاد على المحك.
وهناك من ذهب إلى اعتبار أن صمت الرئيس هو دليل قاطع عن عزمه تنحية مدير المخابرات بعدما أحال عدد من مقربيه على التقاعد قبل اسابيع قليلة.
تكلم الرئيس اخيرا بمناسبة كارثة تحط طائرة نقل عسكرية واعترف بان التكالب وصل إلى حد لم تصله الجزائر منذ الاستقلال منددا بمحاولة المساس بوحدة الجيش والتعرض لما من شأنه أن يهز الاستقرار في البلاد وعصمتها لدى الأمم. وأكد بوتفليقة انه لا يحق لأحد مهما تعالت المسؤوليات أن يعرض الجيش الوطني الشعبي والمؤسسات الدستورية الأخرى إلى البلبلة.
غير أن هناك جهات لم تكترث لرسالة الرئيس لأنها ترى أنه لا حول ولا قوة له لأنه مريض ولا يستطيع حتى التكفل بنفسه متهمين محيطه المقرب بتدبير " هذه المخططات الانقلابية" من اجل البقاء في الحكم والإفلات من العقاب لأنهم متورطون في قضايا فساد كبرى وحتى لو جلب ذلك الخراب والدمار للبلاد. وأعطى وزير العدل السابق محمد شرفي، مصداقية لهذه الفرضية ولو تلميحا عندما كشف أن عمار سعداني زاره في مكتبه في اليوم الذي تم تنصيبه امينا عاما لحزب جبهة التحرير الوطني وطلب منه وديا اخراج وزير الطاقة السابق شكيب خليل (محسوب على الرئيس بوتفليقة) كالشعرة من العجين من قضية شركة سوناطراك للمحروقات المملوكة للحكومة (فضيحة فساد) مقابل حفاظه على منصبه في الحكومة. لكن شرفي رفض التجاوب مع هذا الاقتراح مما تسبب في اقالته بعد ايام قليلة.
من جهتها لم تر وزارة الدفاع حتى الان الحاجة لإصدار اي بيان تدافع فيه عن احدى فروعها وهي التي سارعت في اكثر من مرة للرد على كتابات صحفية "بسيطة". كما ان وزارة العدل لم تتخذ اي موقف رغم انها كان يمكن ان تتأسس أليا كطرف مدني لأن تصريحات سعداني تقع تحت طائلة مواد قانون العقوبات وقانون ميثاق السلم والمصالحة الوطنية اللذان يجرمان الاساءة الى الجيش.
مقابل هذه السكوت الذي يخشى انه يخفي وراءه اشياء كثيرة، ازداد التعاطف الشعبي وفعاليات المجتمع المدني مع جهاز المخابرات ورئيسه، حيث خرج عدد من مناضلي حزب جبهة التحرير الوطني إلى الشارع في عدة مناطق للمطالبة بالقصاص من سعداني والانتصار للجنرال توفيق والهيئة التي يقودها.
يعترف الضابط المتقاعد احمد عظيمي، انه يخشى على الجزائر اليوم اكثر مما كان يخشاه عليها في مرحلة الإرهاب، غير أنه شدد أن الجيش الجزائري هو من اكثر الجيوش انضباطا في العالم ولا يمكن الحديث عن سوء تفاهم في صفوفه. أما العقيد المتقاعد محمد خلفاوي، فيرى أن الصراع داخل الجيش خطير جدا ولو كان هناك صراع لظهر وأن الخلاف غير مسموح به داخل المؤسسة العسكرية. كما لفت إلى أن نظام الدولة هو الذي يحدد ادوار الجيش والمخابرات والوزارات وبقية مؤسسات الدولة. متسائلا إذا كان هذا النظام لا زال مقبولا وهل هناك ضرورة لمراجعته بعدما وصل إلى نهايته.
ودعا كريم طابو إلى استخلاص الامور الايجابية من النقاش حول دور المخابرات موضحا ان ذلك يساعد على بناء الديمقراطية من خلال توسيع النقاش إلى النخب والمجتمع المدني حتى لا يكون هناك خلط بين أمن السلطة وأمن الدولة.
وبعد اهتزاز اسطورة المخابرات وفي انتظار ما ستحمله الايام المقبلة من جديد، يبقى الارتباك سيد الموقف على المشهد العام في الجزائر التي لا تستحق ان تعود الى الوراء بعد كل الذي عاشته في الماضي.


الصفحات
سياسة









