تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

«شؤون الشباب» في معرض الكتاب

28/02/2026 - حسام جزماتي

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة


المهاجرون بالمغرب... باحثون عن الأمن والأمان




الرباط - عندما قرر المغرب التسوية القانونية للمهاجرين الذين يوجدون في وضعية غير شرعية فوق ترابه، بدأ يتخلص شيئا فشيئا من عقدة "بلد العبور إلى أوروبا" التي التصقت به لسنوات طويلة، وبات قريبا من بلد استقبال واستقرار المهاجرين.


المهاجرون بالمغرب
المهاجرون بالمغرب
ولم يتوقف الوضع عند هذا الحد، بل وبتعليمات من العاهل المغربي محمد السادس أعطيت الأوامر لتتم معاملة المهاجرين معاملة قانونية وإنسانية، من خلال سن قانون جديد يروم منح الإقامة للمهاجرين وطالبي اللجوء.

ورغم فسح المجال للتسوية القانونية، إلا أن السلطات، سواء في المرحلة الأولى من عملية التسوية، التي أجريت خلال عام 2014 أو في مرحلتها الثانية، التي تمت قبيل انتهاء عام 2016، لم تتمكن من الاستجابة لكافة الطلبات التي عرضت عليها، ومع ذلك رأى متتبعون لهذا الملف الإنساني والاجتماعي الشائك أن هناك عددا من المزايا والإيجابيات لمسألة التسوية حتى لو لم تسو الوضعية القانونية لمعظم المهاجرين الراغبين في ذلك، وأن المهم أن الملف فتح ربما لمراحل أخرى في أفق تسوية عشرات آلاف الطالبات التي تنتظر دورها.

زينب الشاهدي الوزاني، معالجة نفسية مهتمة بمجال الهجرة في المغرب، ترى أن القرار الملكي القاضي بتسوية وضعية المهاجرين خصوصا الأفارقة منهم الذين ينحدرون من دول جنوب إفريقيا يحمل في طياته رسالتين أساسيتين، الأولى تتجلى في تسريع إدماج هؤلاء في المجتمع المغربي، والثانية تستهدف عموم المغاربة الذين باتوا مجبرين بأن يألفوا حضور المهاجرين إلى جانبهم في حياتهم اليومية وعليهم أن يتعاملوا معهم بطريقة قانونية؛ سواء في مجالات العمل أو في الفضاءات العمومية، "إنها مبادرة تهدف في جوهرها لأن ينعم المهاجر بالاستقرار ويشعر بالأمن ، إلى جانب أنه يستحضر أنه أصبح مواطنا يتمتع بكافة حقوقه مقابل ضرورة التزامه بالواجبات التي يفرضها العيش في مجتمع تحكمه قوانين وأعراف". فمن بين الحقوق التي يمكن أن يتمتع بها المهاجر أنه بمجرد تسوية وضعيته القانونية، يحصل على بطاقة إقامة قابلة للتجديد كل سنة. وفي هذا الإطار، ورغم إيجابية الحصول على بطاقة الإقامة، تعتقد الدكتورة زينب الشاهدي أن الحصول عليها "لا يعني بالضرورة حل كافة مشاكل المهاجرين، بل لابد من مواكبة هؤلاء ومرافقتهم لتحقيق الاستقرار الاجتماعي على أرض الواقع"، وبحكم عملها اليومي في الميدان واحتكاكها المباشر بالمهاجرين، ترى الدكتورة الوزاني أنه من الناحية النفسية فإن "المهاجر يكون عادة في وضعية نفسية حرجة بسبب العوامل المختلفة التي دفعته إلى ركوب سفينة الهجرة وتحمل مشاقها ومخاطرها"، إذ أن أغلب هؤلاء "إما تعرضوا للضغط للهروب من بلدانهم الأصلية بسبب الحروب، وإما تعرضوا للعنف وهم يعبرون طريق الهجرة، بيد أنه قبل الوصول إلى التراب المغربي، ثمة مخاطر عديدة أحدقت بهم سواء تعلق الأمر بالعنف الجسدي والنفسي وأحيانا العنف الجنسي الذي تتعرض لهم المهاجرات على وجه التحديد"، إنه واقع عاينته الدكتورة الشاهدي من خلال جلسات الاستماع النفسي التي تقوم بها لفائدة هؤلاء في مختلف المناطق خصوصا في شرق المملكة، حيث تتقاطر جحافل المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء، أو الذين فروا من تداعيات الحروب التي ما والت تدور رحاها في بلدانهم مثل سوريا أو اليمن .

فالإحساس بالأمان يمكن لا محالة المهاجر من تحقيق الهدف الذي من أجله هاجر ووطأت قدماه التراب المغربي، بمعنى أن مستقبله يصبح واضحا ويزيح عنه غموض مصيره بعد أن عانق الهجرة غير الشرعية، ولم يعر أي اهتمام لما ستؤول إليه أوضاعه في بلد الاستقبال. إنه تحدي المهاجر الذي قوبل بتفهم السلطات المغربية لهذه المعاناة ولطبيعة المآسي التي حملها هؤلاء معهم رغم قساوة المغامرة.

ففي تقدير الطبيبة النفسانية الشاهدي، فإنه بقدر إيجابيات القرار الملكي الذي قضى بتسوية وضعية المهاجر، بقدر ما أن ذلك القرار ساعد المغاربة على رفع مستوى وعيهم بوجود مهاجرين، وبضرورة قبولهم والتعايش معهم بعيدا عن كافة أشكال العنصرية التي قد يتعرضون لها.

ففي عدد من أحياء الشعبية في العاصمة الرباط مثل حي التقدم ودوار الحاجة ودوار الرجاء في الله ويعقوب المنصور والعكاري وغيرها، يتخذ المهاجرون، خصوصا الأفارقة والسوريون، مساكن للاستقرار ويحاولون التعايش مع جيرانهم المغاربة الذين منهم من ينفر منهم بحجة اختلاف اللون، ومنهم من يرى فيهم "منافسون" على سوق شغل اليد العاملة، علما أن أغلب هؤلاء يشتغلون، بحكم وضعيتهم القانونية، في مجال البناء أو في غسل السيارات ومهن النجارة وفي الأعمال التي تحتاج قوة جسدية وبدنية. وخلال الجولة التي قامت بها وكالة الأنباء الألمانية (د.ب. ا)، لبعض الأحياء التي تأوي هؤلاء المهاجرين، الذين مازال أغلبهم يوجد في وضعية غير شرعية بسبب عدم التقدم بعد بطلب التسوية، عاينت نماذج من هؤلاء من الذين يقطنون غرفا في شقق ضيقة، فمنهم من تمكن من الاندماج الاجتماعي بسرعة، ومنهم من صعب عليه تجاوز نظرة الدونية وعبارات العنصرية التي مازالت تلتقطها آذانهم من بعض "الجيران الأعداء"، لذا، فهم يفضلون "هجرة" حيهم السكني طيلة اليوم، بحثا عن قوت العيش ليعودوا في ساعة متأخرة من الليل للخلود للراحة، بعد يوم مضن، مليء بالتسكع بين الشوارع والأزقة بحثا عن عمل أو طلبا لصدقة أمام أضواء المرور في كبرى شوارع العاصمة، فيما ينهمك آخرون في بيع وتسويق منتوجات إفريقية من قبيل الأثواب وأدوية (مرهم المفاصل وعيره) وأكسسوارات التزيين .

إن الوضع يحتاج تكثيف جهود جمعيات المجتمع المدني المهتمة بأوضاع المهاجرين، من أجل تسهيل عملية إدماج هؤلاء في المجتمع المغربي، والحرص على تكوينهم ليتخلصوا من نظرات الدونية التي قد تصدر من البعض. وأمام قلة عدد الأخصائيين النفسانيين المهتمين بالمهاجرين، وهم ليسوا بكثيرين، فإن عبء المواكبة لابد أن تحمله الجمعيات المتطوعة التي تتولى دور الاستماع والمرافقة، وهنا تجدر الإشارة إلى جانب المفوضية السامية للاجئين، التي تهم باللاجئين، يوجد عدد من الجمعيات خصوصا في الرباط ووجدة والناظور (شرق المملكة)، وطنجة (الشمال) ،وفي مراكش (الجنوب) ، وفاس ومكناس (وسط المملكة)، تحاول جاهدة تقديم الرعاية للمهاجرين سواء في مجال الصحة أو التعليم أو التكوين المفضي للإدماج الاجتماعي.

وفي هذا الصدد، تقول الأخصائية النفسية زينب الوزاني، التي تنشط في عدد من جمعيات المجتمع المدني المختصة في شؤون المهاجرين، إن "مهمة الجمعيات في النهوض بأوضاع المهاجرين يبقى جوهريا، لأنها تلعب دور الوساطة بين هؤلاء وبين باقي مكونات المجتمع المغربي"، مشيرة في هذا الصدد إلى أن وجود جمعيات تجتهد في تقديم دروس تعلم اللغة العربية والدارجة المغربية للمهاجرين من أجل تسهيل إدماجهم وسط المجتمع وتيسير حصولهم على عمل وتجاوز عائق التواصل، علما أن هناك جمعيات تخصص دروسا للتكوين المهني للأفارقة سواء في الطبخ المغربي والخياطة بالنسبة للنساء المهاجرات، أو تخصيص تكوين في بعض المهن والحرف اليدوية من قبيل الحلاقة والنجارة والبستنة والتشجير.

وهناك جمعيات أخرى تتدخل لضمان التعليم لأبناء المهاجرين، وتساعدهم على الالتحاق بأقسام الدراسة في المؤسسات التعليمية العمومية إلى جانب الأطفال المغاربة، إلى جانب الدور الرائد في مجال الصحة وضرورة مرافقة المهاجرين للحصول على الخدمات الاستشفائية، علما أنه حتى الآن، ورغم التسوية القانونية، فإنه لا يوجد في المملكة حاليا أي إطار قانوني للاستفادة من مجانية العلاج كما هو الشأن بالنسبة للمواطنين المغاربة الفقراء الذين يحصلون على بطاقة "الراميد" التي تخول لهم العلاج مجانا.

د ب ا
السبت 1 أبريل 2017