يُصنّف ياسين غليون ضمن ما يسميه "الثقافوية اليسارية". وهو توصيف قد يبدو للوهلة الأولى غريباً إذا وضعناه إلى جانب مشروع غليون المعروف في نقد الاستبداد والدولة العربية. لكن هذا التصنيف عاد إلى ذهني بقوة وأنا أتابع مواقف غليون من السلطة السورية الجديدة ومن أحمد الشرع. ليس لأن ياسين تنبأ بمواقف سياسية ستأتي بعد سنوات، ولا لأن أفكار المفكر تقود آلياً إلى موقف سياسي محدد، بل لأن بعض الخيارات السياسية الراهنة قد تكشف، أحياناً، الافتراضات العميقة الكامنة في طريقة فهم المجتمع والدولة والسياسة منذ البداية.
الثقافوية والذات التي تسبق الدولة
يعرّف ياسين الثقافوية بأنها نزعة إلى "شرح المجتمع والسياسة بالثقافة، مفهومة كعقلية أو ذهنيات، والحكم بخاصة على الأوضاع السياسية العيانية، وعلى شروط حياة السكان الاقتصادية والاجتماعية، والميل بالعكس إلى اعتبار هذه الشروط ذاتها نتاجاً لذهنية السكان أو عقلهم" (ص 10). ليست المشكلة، إذن، في الاهتمام بالثقافة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الثقافة إلى مفتاح تفسيري مهيمن، بينما تتراجع الدولة وعلاقات القوة والمصالح والشروط الاجتماعية والمادية إلى الخلف.
إذا كانت الذات مكتملة، أو شبه مكتملة، قبل الدولة، يسهل النظر إلى السلطة بوصفها قوة هبطت على المجتمع من خارجه.
ويميز ياسين بين ثقافويات متعارضة في خطابها، متشابهة في شيء من آلية عملها. هناك ثقافوية يمينية تبحث عن أصل العطب في التراث أو العقل أو البنية الثقافية للمجتمع العربي والإسلامي، وثقافوية إسلامية ترى أصل الأزمة في الابتعاد عن "الإسلام الصحيح" أو فساد العقيدة والقيم. أما برهان غليون، فيضعه ياسين ضمن صيغة مختلفة يسمّيها "الثقافوية اليسارية". وهنا ينبغي الحذر من اختزال نقده بالقول إن غليون يحمّل المجتمع مسؤولية الاستبداد أو يفسر الأزمة ببساطة بعدم نضج الناس ديمقراطياً. المسألة أعمق من ذلك. ما يلتقطه ياسين هو حضور تصور لـ"ذات عربية"، أو مجتمع أو "أمة"، تبدو "معطاة ومتكونة قبل الدولة"، ثم تظهر الدولة بوصفها كياناً منفصلاً عنها، أو "خارجية عليه أو أجنبية عنه". وهذه النقطة هي المفتاح الحقيقي لفهم نقد ياسين غليون.
إذاً، إذا كانت الذات مكتملة، أو شبه مكتملة، قبل الدولة، يسهل النظر إلى السلطة بوصفها قوة هبطت على المجتمع من خارجه. أما اعتراض ياسين، فيدفع إلى رؤية أقل راحة: الدولة والمجتمع يتشكلان تاريخياً معاً، داخل الصراع والمؤسسات وعلاقات القوة. الدولة لا تقمع مجتمعاً كان موجوداً قبلها وحسب؛ إنها تسهم في إنتاجه أيضاً، وتعيد تشكيل علاقاته وثقافته ومخاوفه وانقساماته.
وبالنسبة إلى ياسين، وعلى مدى صفحات كتابه، تبدو الفكرة شديدة الوضوح في سورية: لم تجد الدولة الأسدية أمامها مجتمعاً طائفياً وخائفاً وضعيف الثقافة الديمقراطية ثم حكمته وفقاً لـ«طبيعته». لقد ساهمت، خلال عقود، في صنع كثير من هذه الطبيعة المزعومة. حكمت الطوائف بالطوائف، وأدارت المخاوف، ومنعت السياسة المستقلة، وسحقت التنظيم الاجتماعي، وأضعفت المجال العام، وتركت الفرد وحيداً أمام جهاز أمني هائل. وبعد كل ذلك صار ممكناً الإشارة إلى النتيجة والقول: هذا مجتمع غير جاهز للديمقراطية.
لكن ماذا لو كان جانب من "عطب الأمة أو الثقافة أو صندوق الرأس" -وفقاً لياسين- من صنع الدولة نفسها؟ عندها لا يعود سؤال استعداد السوريين للديمقراطية بريئاً كما يبدو. فقد يخفي وراءه تاريخاً كاملاً من حرمانهم إياها، ثم يستخدم آثار ذلك الحرمان دليلاً على ضرورة استمرار الوصاية عليهم. ولهذا يكتسب عنوان كتاب غليون «عطب الذات» دلالة تستحق التوقف. العنوان وحده لا يثبت شيئاً، ولا يصح اختزال مشروع فكري في كلمتين. لكنه يصبح لافتاً حين نضعه بجانب نقد ياسين لفكرة الذات السابقة على الدولة والتاريخ. ما هذه الذات التي أصابها العطب؟ هل كانت كياناً قائماً بذاته ثم حال خلل داخلي دون تحققه؟ أم أنها تشكلت، مثل الدولة، داخل التاريخ وتحت وطأة المؤسسات والعنف وأنماط الحكم؟
من النقد القديم إلى غليون اليوم
من هنا عدت إلى مقالات غليون الأخيرة. وما وجدته فيها ليس تأييداً بسيطاً للسلطة الجديدة، كذلك فإنه ليس معارضة بالمعنى المألوف. ثمة حركة تتكرّر في خطابه: نقد شديد أحياناً لبنية الحكم وممارساته، يقابله حرص واضح على حماية المسار القائم من الانهيار، والاعتراف للسلطة بقدر من الشرعية والإنجاز، والتحذير من البدائل التي قد تفضي إلى الفراغ أو التفكك.
في مقاله "أزمة الانتقال السوري... أين الخطأ؟" (العربي الجديد، 15/6/2926) يذهب غليون بعيداً في نقد السلطة. يكتب أن النظام الانتقالي تصرّف كما لو أنه "سلطة شرعية دائمة"، ويتحدث عن تكريس متزايد للسلطات الشخصية، وضعف الشفافية والمساءلة، و"الأخطاء الأمنية الكارثية في الساحل والسويداء". كلام، صحيح، لا يصدر عن مؤيد يريد تبرير السلطة، إنما يختار لغته بعناية، فالمجازر هي مجرّد أخطاء. وفي المقال نفسه، يمنح هذه السلطة أساساً واضحاً للشرعية، فهو يرى أنها استمدت شرعية وجودها من نجاحها في إسقاط النظام السابق، ويسجل لها إنجازات، من إعادة توحيد جغرافية البلاد والسعي إلى بناء المؤسسات، وإلى استعادة موقع سورية الإقليمي والدولي. ثم يضيف القيد الحاسم: "الشرعية لا تعني صكاً على بياض". في جملة واحدة تقريباً تظهر المعادلة كلها: شرعية نعم، إنجازات نعم، ثقة أولية نعم، ولكن من دون إعفاء من النقد والمساءلة.
يرى برهان غليون أن السلطة الحالية استمدت شرعية وجودها من نجاحها في إسقاط النظام السابق، ويسجل لها إنجازات،
هذه هي "الإيجابية الحذرة" التي أقصدها. وربما صحّ، بلغة السياسة اليومية، وصفها بمحاولة "مسك العصا من المنتصف". فغليون في مقاله آنف الذكر يوزع مسؤولية أزمة الانتقال بين السلطة من جهة، والنخب والمجتمع من جهة أخرى، كما لو أن الطرفين متقاربان في القدرة على الفعل وصناعة المسار. وهي مساواة تبدو غير عادلة، لأن السلطة تحتكر القرار والقوة والمؤسسات، بينما يخرج المجتمع السوري ونخبه من عقود من الاستبداد والحرب وتفكيك المجال السياسي.
وهو يقول ذلك بنفسه تقريباً في «سورية... الفريضة السياسية الغائبة». يبدأ بتوصيف معسكرين: واحد يرى في نقد الحكومة تهديداً للثورة والدولة، وآخر يرى في أي تهاون تجاهها منحة تسمح لها بتثبيت نظام إسلاموي. ويرفض الاثنين، باحثاً عن السياسة في المساحة الواقعة بين تمجيد الواقع وإنكاره. لكن الأهم يظهر عندما يقترب من سؤال التغيير نفسه. فهو يصف انتظار تغيير ديمقراطي يأتي من فوق، من السلطة أو المجتمع الدولي، بـ«السياسة الانقلابية»، ويحذر من أن احتمالها الأكبر «تفكك البلاد والدخول في الفوضى». البديل الذي يقترحه، تنظيم المجتمع وبناء قواه لفرض التغيير و«إصلاح خطط السلطة وسياساتها».
هنا تحديداً يلفتني ترتيب المخاطر عند غليون. الخطر الأول ليس أن تستقر سلطة جديدة غير ديمقراطية، رغم أنه يحذر منها بوضوح، وإنما أن تؤدي محاولة كسر المعادلة القائمة إلى تفكك الدولة والفوضى. لذلك يبقى التغيير المطلوب، في النهاية، تغييراً داخل المسار أكثر منه قطيعة معه.
الدولة التي نخاف عليها
يتكرر الأمر في مقاله «سورية على مفترق... مراجعة أم هروب إلى الأمام؟». يستخدم غليون لغة شديدة القسوة في وصف نظام الحكم: «سلطة الفرد الواحد»، و«دولة الظل»، وشبكة لجان مرتبطة مباشرة بمركز السلطة، وتعيينات تتيح للمقربين و«رفاق الدرب» التحول إلى ما يشبه طبقة/دولة. بل يعيد بعض هذه المشكلات إلى طبيعة الجماعة التي حكمت «الإمارة الإدلبية» وخبرتها في إدارة السلطة.
لكن الطريق الذي يخلص إليه ليس إسقاط هذه البنية، بل مراجعتها: فتح الحياة السياسية، بناء دولة المؤسسات، الفصل بين السلطات، اللامركزية، الانتخابات المحلية، واستعادة المجتمع دوره. وحتى بعد هذا النقد كله يقول إن «الآفاق لا تزال مفتوحة»، وإن سورية لن تسير بالضرورة نحو النموذج الأفغاني.
وفي مقاله عن اعتصام باب توما يدافع بقوة عن حق السوريين في الاحتجاج والحريات الشخصية، ويرى في الاعتصام بداية لتعلم لغة السياسة المدنية. لكنه، في اللحظة نفسها، يذكر المعترضين بأن الدولة «لا تكاد تخرج من تحت الأنقاض»، وأنها تواجه تراكما من المشكلات يفوق قدراتها ومواردها، وأن السلطة نفسها ما زالت تبحث عن توازناتها. ثم يطالب السلطة والمعارضة معا بـ«الحكمة والتدرج والصبر». ويذهب أبعد حين يعتبر إسقاط السلطة أو إجبارها على تسليم صلاحياتها احتمالا «أكثر من بعيد المنال»، ويحذر من أن النتيجة قد أن تكون تكرار تجارب ليبيا أو السودان أو العراق.
ليس في هذه المواقف ما يثبت أن غليون تخلى عن الديمقراطية. العكس صحيح: دفاعه عن الحريات والمشاركة ودولة المؤسسات صريح. لذلك أعتقد أن تصنيفه مؤيدا لأحمد الشرع سيكون ظلما فكريا له. المسألة التي تهمني تقع في مكان آخر: ماذا يحدث عندما تتعارض، في لحظة سياسية فعلية، المطالب الديمقراطية مع الخوف من الفراغ وانهيار الدولة؟
نقد ياسين لا يفسّر آلياً موقف غليون الحالي، ومواقف غليون لا تقدّم برهاناً نهائياً على صحة ذلك النقد
هنا يبدو غليون، مرة بعد مرة، أكثر ميلا إلى حماية استمرارية المسار، ثم محاولة إصلاحه من داخله. إنه ينتقد السلطة، لكنه يحذر معارضيها. يطالبها بالانفتاح، لكنه يذكر المجتمع بضعفها وقلة مواردها. يدافع عن الاحتجاج، ثم يدعو إلى التدرج والصبر. يرفض احتكار السلطة، لكنه يخشى من تغيير يخل بالتوازن القائم. هذه ليست تناقضات عابرة بقدر ما تبدو تعبيرا عن هاجس مركزي: ألا تسقط الدولة ونحن نحاول منع السلطة من الاستبداد بها.
الواقعية التي تعمل في اتجاه واحد
لا يستطيع عاقل، بعد كل ما عاشته سورية، أن يستخف بهذا الهاجس. السوريون خبروا انهيار المؤسسات وانتشار السلاح وتعدد سلطات الأمر الواقع والتدخلات الخارجية والانقسامات الأهلية. الخوف من انهيار الدولة أو تقسيم البلاد ليس فزاعة مصطنعة. لكن الواقعية تصبح موضع سؤال حين تعمل، في اللحظات الحاسمة، في اتجاه واحد. لماذا تعني الواقعية أن يخفّض المجتمع سقف مطالبه، ولا تعني، بالقدر نفسه، أن تخفض السلطة احتكارها القرار؟ لماذا يطلب من المعارضين تفهم هشاشة الدولة، ولا تصبح هشاشة ثقة السوريين بالسلطة سبباً بالقدر نفسه لتسريع تقاسمها؟ ولماذا يبدو تفكك المركز خطراً فورياً، بينما يمكن التعامل مع تركز السلطات في يد الرئيس بوصفه خللاً قابلاً للإصلاح لاحقاً؟
لا أقول إن غليون يتبنى معادلة "الدولة أولاً والديمقراطية لاحقاً"، وسجله الفكري يتعارض مع هذا. لكن مواقفه تفتح سؤالاً أكثر دقة: عندما يصبح بقاء الدولة مهدّداً، هل تتحوّل الديمقراطية، من حيث لا نقصد، من شرط لتأسيس الدولة إلى أفق نتدرج نحوه بعد تثبيتها؟
ليست الديمقراطية الطابق الأخير الذي نضيفه بعد الانتهاء من بناء الدولة. إنها طريقة البناء منذ الطابق الأول، فالسلطة التي يطلب من المجتمع منحها الوقت كي تبني المؤسسات، هي نفسها التي ستحدّد شكل هذه المؤسسات وتوزيع القوة داخلها وقواعد الوصول إليها. وما يؤجل اليوم باسم الضرورة، قد يصبح غداً واقعاً دستورياً يصعب تغييره.
من "عطب الذات" إلى عطب العلاقة
هنا يعود نقد ياسين الحاج صالح إلى الواجهة. ما يثير الاهتمام في خطاب غليون المعاصر أنه، حتى حين ينتقد السلطة، يعيد جزءاً كبيراً من مهمّة الانتقال الديمقراطي إلى المجتمع نفسه: تنظيمه، تأهيله، بناء ثقافة الديمقراطية داخله، إنتاج معارضة جديرة بالثقة، وتعلم السياسة من خلال الممارسة. وهذه أفكار وجيهة في ذاتها. لا ديمقراطية من دون مجتمع منظم وقوى سياسية وثقافة تسمح بالاختلاف. لكن السؤال الذي يطرحه نقد ياسين: أين تبدأ السببية؟ هل ضعف المجتمع هو الذي يسمح للدولة بالاستبداد به، أم أن الدولة المستبدة هي التي أضعفت المجتمع ومنعته من تنظيم نفسه؟ وإذا كان الاثنان صحيحين، فلماذا يقع العبء الأكبر في لحظة الانتقال على المجتمع كي يتأهل وينظم نفسه ويصبر، بدلاً من أن يقع على السلطة كي تتخلى منذ البداية عن الأدوات التي تمنع المجتمع من أن يصبح فاعلاً سياسياً؟
لا أحد يتعلم المواطنة وهو محروم إياها، ولا يتعلم المجتمع الديمقراطية تحت الوصاية. المشاركة ليست الجائزة التي يحصل عليها الناس بعدما يثبتون أهليتهم السياسية؛ المشاركة نفسها إحدى وسائل اكتساب هذه الأهلية.
من هنا قد يكون السؤال الأهم الذي يفتحه نقد ياسين: ماذا لو لم يكن العطب في «الذات» وحدها، ولا في الدولة وحدها، بل في العلاقة التاريخية التي تشكل الاثنان من خلالها؟
الذات السورية التي نصفها اليوم بأنها خائفة أو طائفية أو منقسمة أو ضعيفة الثقافة الديمقراطية لم تتكون في فراغ. إنها، جزئياً على الأقل، ابنة دولة أمضت عقوداً في منع السياسة وإدارة الخوف وتفكيك المجتمع. وتقوية المركز ليست دائماً تقوية للدولة. فقد يكون المركز غير المقيد نفسه مصدراً للتفكك، وقد تكون مطالب اللامركزية والضمانات الدستورية والشراكة تعبيراً عن الخوف من الدولة، لا تمرداً عليها.
لقد أثبتت الدولة الأسدية أن وجود جيش ومؤسّسات وحدود ومقعد دولي، بل ودرجة هائلة من المركزية، لا يمنع الانهيار. ربما كانت الطريقة التي بنيت بها تلك المركزية أحد أسباب الانهيار. ولذلك، لا يكفي أن نخرج من الأسد. ينبغي أن نخرج من منطق الأسدية: رئيس يتركز القرار حوله، ومؤسّسات تستمد قوتها منه، ومجتمع يطلب منه الانتظار، ونخبة تشرح للناس لماذا لم يحن بعد وقت حقوقهم كاملة. الخطر ليس ظهور "أسد جديد" بالاسم أو السيرة. قد نعيد بناء دولة أسدية بلا أسد.
... هل أثبت غليون صحة نقد ياسين؟ كلمة "أثبت" قاطعة أكثر مما ينبغي. نقد ياسين لا يفسّر آلياً موقف غليون الحالي، ومواقف غليون لا تقدّم برهاناً نهائياً على صحة ذلك النقد. لكنها تمنحه راهنية جديدة. وينبغي هنا، كيلا يلتبس على القارئ، ابقاء الحدود واضحة. نقد ياسين بنية فكرية تتعلق بالذات والدولة والمجتمع. أما القول إن هذه البنية تساعدنا على فهم مواقف غليون من أحمد الشرع والسلطة الجديدة فهو استنتاج أطرحه أنا، وليس كلاماً منسوباً إلى ياسين.
بعد قراءة "الثقافة كسياسة"، ثم العودة إلى مقالات غليون التي ننشرها أخيراً، لم يعد السؤال بالنسبة إلى صاحب هذه السطور إن كان برهان غليون مؤيداً للسلطة الجديدة أو معارضاً لها. هذا السؤال أفقر من أن يفسر موقف مفكر مثله. السؤال الذي يعنيني هو: ماذا يحدث للمفكر الديمقراطي عندما يصبح الخوف على الدولة هاجسه الأول؟ ... تحتاج سورية دولة، بالتأكيد. لكنها تحتاج أيضاً أن نخاف من الدولة بقدر ما نخاف عليها: من أن تعود سلطة فوق المجتمع، ومن أن تختزل في رجل، ومن أن تؤجل السياسة باسم الاستقرار. ولهذا لا ينبغي أن يكون سؤالنا إن كان أحمد الشرع يستحق فرصة، بل ما الذي يمنع الفرصة الممنوحة لأي حاكم من أن تتحول إلى حق مكتسب في الحكم. ولا يكفي أن نسأل كيف نحافظ على الدولة؛ علينا أن نسأل كيف نبني دولة لا يضطر السوريون إلى الاحتماء منها.
ليست الشعوب مواد خاماً تنتظر مثقفاً أو حاكماً كي يعيد تشكيلها. ولا يوجد شعب يولد ديمقراطياً، أو شعب محكوم بطبيعته بالاستبداد. المجتمعات تتشكل داخل التاريخ والمؤسسات وعلاقات القوة. فإذا حمل السوريون اليوم كل هذا الخوف والانقسام وفقدان الثقة، فالسؤال الجاد ليس فقط: ما العطب الكامن في هذه الذات؟ بل أيضاً: من حكمها؟ وكيف حكمها؟ وماذا فعلت بها عقود الاستبداد والحرب والاقتلاع والعنف؟
ربما ينبغي، في النهاية، أن نغادر المقابلة السهلة بين عطب الذات وعطب الدولة، وأن نتحدث عن عطب العلاقة التي جعلت الدولة سلطة فوق المجتمع، والمجتمع موضوعاً دائماً للإصلاح والضبط والوصاية. ... وختاماً، الخروج من الأسدية لا يكتمل بتغيير من يجلس في مركز الدولة. يبدأ عندما لا يعود المركز نفسه مصدر السياسة الوحيد، ويصبح السوريون، باختلافاتهم وتناقضاتهم، شركاء فعليين في إنتاج الدولة التي تحكم باسمهم.
-----------
العربي الجديد


الصفحات
سياسة








