تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

داخل مكتب الرئيس 11

01/08/2026 - سامر حبيب

المتسابق الأخير

31/07/2026 - رضوان الأطرش

مذكرة سوء التفاهم

13/07/2026 - غسان شربل

ماذا يجري بين واشنطن وطهران .؟

12/07/2026 - بسام بربندي

لماذا تفشل الدولة؟

12/07/2026 - أحمد عيشة


بحثا عن الدعم: حينما طاف مبارك غربا شاكيا "صندوق النقد"





خاض الرئيس المصري مبارك جولة أوروبية لإقناع حكومات بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية بممارسة ضغوط على صندوق النقد الدولي لتخفيف مطالبه المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية الصارمة. معتقداً أن المكانة السياسية لمصر تمنحها نفوذاً لدى كبار المانحين، وأن تردد الولايات المتحدة وألمانيا في خسارة التعاون المصري في ملف عملية السلام العربية - الإسرائيلية كان سبباً رئيساً في موافقتهما على اتفاق الاستعداد الائتماني الضعيف الذي أبرم مع مصر عام 1987، وأن موقفهما سيكون حاسماً مرة أخرى في مفاوضات عام


سعى مبارك إلى حشد دعم بريطانيا ودول غربية للضغط على صندوق النقد لتخفيف شروط الإصلاح الاقتصادي (الأرشيف البريطاني)​​​​​​​
سعى مبارك إلى حشد دعم بريطانيا ودول غربية للضغط على صندوق النقد لتخفيف شروط الإصلاح الاقتصادي (الأرشيف البريطاني)​​​​​​​

@ حاول إقناع حكومات بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية بممارسة ضغوط على الصندوق لتخفيف مطالبه المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية الصارمة وريغان يؤكد لمبارك: لا للحلول السهلة 
 

بينما تدور مباحثات صعبة وشاقة بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي عام 1988، لم تثمر عن دعم ملحوظ بسبب تعنت المؤسسة المالية مع القاهرة، وفق الرؤية المصرية، التي كانت تخشى من حدوث اضطرابات اجتماعية وسياسية على أثر برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يطلب الصندوق من مصر تطبيقه حتى يتسنى له تقديم الدعم المطلوب إليها، زار الرئيس المصري آنذاك محمد حسني مبارك دولاً غربية عدة بحثاً عن الدعم، منها مقابلته مع رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر ، التي عقدت في مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت صباح الـ26 من سبتمبر (أيلول) 1988.

 

تكشف وثائق بريطانية في مذكرة أعدتها وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية بتاريخ الـ22 من سبتمبر 1988، عن التحضيرات للقاء المرتقب الذي جاء خلال زيارة مبارك إلى لندن، التي امتدت من الـ24 إلى الـ26 من سبتمبر 1988، ضمن جولة أوروبية شملت كذلك باريس وبون.

لكن ما كان لافتاً أن المذكرة تبرز طبيعة الاهتمام البريطاني بالأوضاع الاقتصادية في مصر، والملفات التي كان يُنتظر طرحها خلال المباحثات، في ظل ما كانت تواجهه القاهرة من تحديات مالية واقتصادية وضغوط مرتبطة بالديون والإصلاح الاقتصادي والعلاقات مع المؤسسات المالية الدولية. ومن خلال هذه الوثيقة وغيرها من المواد الواردة في الملف، يسلط التقرير الضوء على الكيفية التي قرأت بها الحكومة البريطانية المشهد الاقتصادي والسياسي المصري آنذاك، وعلى موقع مصر في الحسابات الدبلوماسية والاقتصادية البريطانية خلال أواخر ثمانينيات القرن الـ20.

موقف غربي متشدد

ذكرت الوثائق أن الرئيس مبارك سيحضر الاجتماع برفقة السفير المصري الجديد السيد شاكر وأحد مدوني المحضر، بينما كان من المقرر أن يلتقي وزير الخارجية البريطاني السير جيفري هاو الرئيس المصري في الـ25 من سبتمبر، على أن تركز محادثاتهما على القضايا الإقليمية، وفي مقدمها القضية الفلسطينية والسودان. وأضافت أن وزارة الخارجية البريطانية ستوافي رئاسة الوزراء بتقرير عاجل عن ذلك اللقاء قبل اجتماع تاتشر مع مبارك، نظراً إلى توقعها أن يركز الرئيس المصري بصورة أكبر خلال لقائه مع رئيسة الوزراء على القضايا الاقتصادية، وأشارت إلى أن مبارك كان سيعقد قبل اجتماعه مع تاتشر لقاءات مع ويليام والدغريف ونيل كينوك ورئيس مجلس العموم البريطاني، في حين كان قد طلب أيضاً لقاء وزير الخزانة وكريس باتن، إلا أن أياً منهما لم يكن متاحاً.

وأكدت الوثائق أن الهدف الرئيس للرئيس مبارك من جولته الأوروبية يتمثل في إقناع حكومات بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية بممارسة ضغوط على صندوق النقد الدولي لتخفيف مطالبه المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية الصارمة. وأوضحت أن مبارك كان يدرك أن المكانة السياسية لمصر تمنحها نفوذاً لدى كبار المانحين، وأن تردد الولايات المتحدة وألمانيا في خسارة التعاون المصري في ملف عملية السلام العربية - الإسرائيلية كان سبباً رئيساً في موافقتهما على اتفاق الاستعداد الائتماني الضعيف الذي أبرم مع مصر عام 1987، وأن موقفهما سيكون حاسماً مرة أخرى في مفاوضات عام 1988.

 

وأضافت الوثائق أن الحكومة البريطانية كانت تعمل مع بقية الدول الدائنة من أجل تنسيق موقف موحد يرفض الاستجابة إلى المطالب المصرية الخاصة، مشيرة إلى أن معظم الدول اتخذت موقفاً متشدداً خلال مناقشات مجلس إدارة صندوق النقد الدولي في شأن مصر في يونيو (حزيران) 1988، لكنها حذرت في الوقت نفسه من احتمال تغير تلك المواقف، كما حدث في العام السابق.

وأوضحت أن الرئيس مبارك كان قد بعث خلال الأسبوعين السابقين رسالة إلى الرئيس الأميركي رونالد ريغان يطلب فيها دعم الولايات المتحدة لموقف أكثر مرونة تجاه برنامج الإصلاح، إلا أن ريغان رد عليه موضحاً أنه واجه عند توليه الرئاسة مشكلات اقتصادية خطرة، لكنه رفض اللجوء إلى الحلول السهلة.

وأشارت الوثائق إلى أن التقديرات البريطانية كانت تشير إلى أن الرئيس مبارك سيبلغ رئيسة الوزراء البريطانية بأنه لا يعارض الإصلاح الاقتصادي من ناحية المبدأ، لكنه يرى ضرورة تطبيقه بوتيرة أبطأ من تلك التي يطالب بها صندوق النقد الدولي، تفادياً لحدوث اضطرابات سياسية داخلية. كما توقعت أن يطلب استئناف تغطية إدارة ضمان ائتمان الصادرات البريطانية (ECGD)، وأن يسعى للحصول على مساعدات برامجية إضافية.

هكذا رأى مبارك الإصلاح الاقتصادي

غير أن الوثائق أوضحت أن برقية السفير البريطاني في القاهرة رجحت أن يترك الرئيس المصري التفاصيل الفنية لهذه القضايا إلى الدكتور عاطف عبيد، وزير شؤون مجلس الوزراء، خلال اجتماعه المنفصل مع السكرتير الاقتصادي البريطاني.

وأكدت الوثائق أن التوجيه المقترح لرئيسة الوزراء يقضي بالترحيب بقرار مصر الدخول في برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي، مع الإعراب عن الشكوك في شأن كفاية المقترحات المصرية لتحقيق إصلاح حقيقي للاقتصاد. وأوصت بتذكير الرئيس مبارك بأن الإنجازات التي حققها الاقتصاد البريطاني جاءت نتيجة الإصلاحات الصعبة التي اتخذتها حكومة مارغريت تاتشر في أوائل ثمانينيات القرن الـ20، وأن المملكة المتحدة ستحدد موقفها داخل مجلس إدارة صندوق النقد الدولي على أساس تقييمها الفني والاقتصادي للبرنامج النهائي، بعيداً من الاعتبارات السياسية، مع التركيز على معالجة المشكلات الهيكلية الطويلة الأجل بدلاً من الحلول الموقتة.

وأوضحت الوثائق أن حجم المساعدات البريطانية المخصصة لمصر بلغ 8.2 مليون جنيه استرليني خلال السنة المالية 1988 - 1989، و8.5 مليون جنيه استرليني خلال 1989 - 1990، بينما تجاوزت المدفوعات الفعلية في 1987 - 1988 مبلغ 16 مليون جنيه استرليني، متضمنة منحة استثنائية بقيمة 10 ملايين جنيه استرليني قدمت مطلع عام 1987 لدعم ميزان المدفوعات المصري في أثناء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

 

وأضافت الوثائق أن الرئيس مبارك قد يطلب مساعدات إضافية لدعم ميزان المدفوعات، إلا أن الحكومة البريطانية لا ترغب في تقديم أي التزامات مالية جديدة، لأن الفجوة التمويلية التي تواجهها مصر ضخمة للغاية، وينبغي أن تتولى المؤسسات المالية الدولية والولايات المتحدة معالجتها. ورأت أن أي مساهمة بريطانية إضافية ستكون محدودة الأثر مالياً، وستؤدي إلى تحويل موارد من دول أشد فقراً تنفذ برامج إصلاح أكثر جدية من تلك التي كانت مصر تقترحها آنذاك.

وأشارت الوثائق إلى أنه إذا أثار الرئيس مبارك هذا الموضوع، فإن رئيسة الوزراء ينبغي أن تعرب عن تفهمها الصعوبات التي تواجهها مصر، مع تأكيد الدور المحوري لكل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والإشارة إلى أن بريطانيا تسهم مالياً في هاتين المؤسستين، إضافة إلى مساهماتها عبر الجماعة الأوروبية، ويمكنها إبراز أهمية برنامج التعاون الفني والتدريب الذي تنفذه بريطانيا في مصر. وإذا طلب مبارك تمويلاً جديداً لمشروعات رأسمالية، خلفاً لمشاركة بريطانيا في مشروع الصرف الصحي بالقاهرة الذي زارته تاتشر عام 1985، أوصت الوثائق بأن تبلغه رئيسة الوزراء بأن الموارد البريطانية المحدودة تتعرض لضغوط كبيرة بسبب الحاجة إلى مساعدة الدول الأفقر في أفريقيا جنوب الصحراء والاستجابة للكوارث الإنسانية في السودان وبنغلاديش وغيرها، وأن السياسة البريطانية تركز حالياً على التعاون الفني بدلاً من التمويل الرأسمالي.

لا دعم إلا باتفاق

وأكدت الوثائق أن تغطية ECGD للاعتمادات المتوسطة الأجل لم تكن متاحة، على رغم استمرار الإدارة في دعم بعض المشروعات القائمة، من بينها مشروع الصرف الصحي في القاهرة، مشيرة إلى أن حجم انكشافها المالي في مصر بلغ نحو 670 مليون جنيه استرليني نتيجة التزامات سابقة لعام 1987، وأنها دفعت بالفعل 78 مليون جنيه استرليني تعويضات، وتتوقع استمرار إعادة جدولة الديون المصرية حتى تسعينيات القرن الـ20.

لذلك، أوصت الوثائق بأن تؤكد رئيسة الوزراء للرئيس مبارك أن أي استئناف لتغطية الائتمان المتوسط الأجل لن يكون ممكناً إلا بعد توصل مصر إلى اتفاق مُرضٍ مع صندوق النقد الدولي وإتمام جولة جديدة من إعادة جدولة الديون في نادي باريس، مع الإشارة إلى أن القيود التي يفرضها الصندوق وقواعد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) قد تجعل هذا النوع من التمويل مرتفع الكلفة بالنسبة إلى مصر.

وانتقلت الوثائق إلى عملية السلام العربية - الإسرائيلية، موضحة أن الرئيس مبارك كان قد تناول الغداء في لندن مع الملك الحسين بن طلال في الـ25 من سبتمبر، والتقى ياسر عرفات في القاهرة قبل زيارته إلى بريطانيا. وأشارت إلى أن عملية السلام كانت تمر بمرحلة غموض نتيجة فك الارتباط الأردني بالضفة الغربية، والانتخابات الأميركية والإسرائيلية، وحال الارتباك داخل منظمة التحرير الفلسطينية. ورأت الوثائق أن رئيسة الوزراء البريطانية ينبغي أن تركز في حديثها مع الرئيس مبارك على الدور المحوري الذي تستطيع مصر أن تؤديه، على رغم أنها لم تعد الطرف الرئيس في العملية السياسية، لكنها تحتفظ بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والأردن ومنظمة التحرير.

 

وأضافت الوثائق أن شمعون بيريز كان قد أبلغ مارغريت تاتشر في الـ14 من سبتمبر 1988 بعقد اجتماع في نيويورك يضم وزراء خارجية الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل والأردن، ولذلك اقترحت أن تستفسر رئيسة الوزراء من الرئيس مبارك عن طبيعة المبادرات التي تعتزم مصر طرحها خلال الاجتماع، وعن تقييمه للتحركات المرتقبة لمنظمة التحرير الفلسطينية. وأوصت بتوضيح أن إعلان حكومة فلسطينية موقتة أو إعلاناً أحادياً للاستقلال لن يغير من موقف المملكة المتحدة، ولن يؤثر، والأهم من ذلك، في الموقف الإسرائيلي، وأن على منظمة التحرير اتخاذ مواقف واضحة وغير ملتبسة في شأن القضايا الجوهرية إذا أرادت أن تصبح شريكاً حقيقياً في عملية السلام.

وأشارت الوثائق إلى أن خطاب ياسر عرفات أمام النواب الاشتراكيين في ستراسبورغ بتاريخ الـ13 من سبتمبر تضمن بعض العناصر الإيجابية، لكنه ظلّ غامضاً في عدد من القضايا الأساسية. وأوصت بأن تشجع تاتشر الرئيس مبارك على حث منظمة التحرير على تشكيل وفد تفاوضي فعّال يضم ممثلين عن الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة وخارجها، وأن تستفسر منه عن تقييم مصر لقيادة الانتفاضة الفلسطينية ومدى تأثرها بمنظمة التحرير أو بالتيارات الإسلامية الراديكالية.

من الاقتصاد إلى السياسة

وتطرقت الوثائق إلى الحرب العراقية - الإيرانية، إذ أوصت بأن تعرض رئيسة الوزراء البريطانية على الرئيس مبارك تقييم لندن محادثات جنيف، وأن تشجع مصر على حث العراق على إبداء قدر أكبر من المرونة، موضحة أن تعثر المفاوضات يعود إلى تشدد بغداد في قضيتي السيادة على شط العرب وحرية الملاحة، وأن لندن لا تعتقد أن المحادثات على وشك الانهيار، على رغم مخاوف عدد من الدول العربية من ذلك. ورأت أن على تاتشر تأكيد أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تبدأ إلا بعد التوصل إلى تسوية سلمية، وأن مصر ستستفيد اقتصادياً من ذلك عبر زيادة تحويلات العاملين المصريين في العراق، الأمر الذي يجعل من مصلحتها تشجيع بغداد على اتباع نهج أكثر مرونة.

وأشارت الوثائق إلى أن رئيسة الوزراء قد تثير أيضاً مسألة استخدام العراق الأسلحة الكيماوية ضد الأكراد، موضحة أن الحكومة البريطانية تمتلك أدلة قوية تبرر مطالبتها بإجراء تحقيق دولي، وأن موقفها ينسجم مع سياستها العالمية الرافضة الأسلحة الكيماوية، وليس موجهاً ضد العراق وحده. وأوصت بالرد على رأي وزير الخارجية المصري، الذي اعتبر هذه القضية ثانوية ولا ينبغي أن تعرقل محادثات جنيف، بالتأكيد عدم وجود أي ارتباط بين الملفين، وأنه لا يجوز السماح للعراق باستغلال المفاوضات لتجنب المساءلة، مع الإشارة إلى أن استخدام الأسلحة الكيماوية يسيء إلى صورة العالم العربي ويقوض جهود الحكومات العربية المعتدلة، ومنها مصر، على رغم تذكير الوثائق بأن مصر كانت أول دولة أدخلت هذا النوع من الأسلحة إلى الشرق الأوسط خلال حرب اليمن في ستينيات القرن الـ20.

 

وتناولت الوثائق كذلك الوضع في السودان، مشيرة إلى أن الفيضانات الكارثية الأخيرة سلطت الضوء على الحرب الأهلية في جنوب السودان، وعلى التقارير التي تحدثت عن المجاعة والمعاناة الإنسانية الواسعة. وأوضحت أن وزير الخارجية البريطاني ناقش خلال جولته في شرق أفريقيا فرص جمع الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان إلى طاولة المفاوضات، وأن الحكومة البريطانية كانت تدرس وسائل لزيادة الضغط الدولي على طرفي النزاع، على أن يبحث الوزير هذا الملف أيضاً مع الرئيس مبارك.


حامد الكناني - اندبندنت عربية
الثلاثاء 11 أغسطس 2026