من ندوة "خطاب التحريض والكراهية في سوريا: بين حرية التعبير، والمسؤولية القانونية والمجتمعية" - 2 تشرين الثاني 2026 (عنب بلدي/ أمير حقوق)
ولا تبدو معالجة هذه الظاهرة مرتبطة بوجود نصوص قانونية فحسب، إذ تتداخل فيها إشكاليات تتعلق بحداثة التشريعات، وآليات إنفاذها، ومسؤولية المؤسسات الإعلامية، فضلًا عن صعوبة الفصل بين النقد المشروع والتحريض على الأفراد والجماعات، في وقت لا تزال فيه معالجة آثار الانتهاكات والبحث عن العدالة الانتقالية جزءًا من التحديات القائمة.
وتبرز هذه الإشكاليات في ظل استمرار العمل بقانون الجرائم المعلوماتية رقم “20” لعام 2022، بالتوازي مع إعداد مشروع قانون جديد، ومحاولات وزارة الإعلام وضع معايير مهنية لمواجهة التضليل وخطاب الكراهية، إلى جانب الدعوات لإعادة تفعيل الحوار المجتمعي.
وتناولت هذه الملفات ندوة حوارية نظمتها منظمة “العدالة للجميع” بعنوان “خطاب التحريض والكراهية: بين حرية التعبير، والمسؤولية القانونية والمجتمعية”، في دمشق اليوم الاثنين 2 تشرين الثاني، والتي حضرتها عنب بلدي، بمشاركة رئيس النيابة العامة الاستئنافية بدمشق القاضي عبد الرحمن البكري، والمحامي عبد الرحمن العبد الله عضو مجلس فرع دمشق بنقابة المحامين، ومدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام عمر شيخ أحمد، وخبير الحوكمة والإعلام زيدون الزعبي، إلى جانب المختص السابق في إدارة المخاطر الدولية لدى شركة “Meta” سليم سروة، وآخرين.
قانون الجرائم المعلوماتية.. تشريع مستمر رغم الحاجة إلى تعديله
يمثل استمرار العمل بقانون الجرائم المعلوماتية أحد أبرز التحديات القانونية في التعامل مع خطاب التحريض والكراهية، خصوصًا أن القانون صدر عام 2022 في ظل النظام السابق، ويحتوي على مواد تثير تساؤلات حول حدود تطبيقها ومدى توافقها مع متطلبات حماية حرية التعبير.وأوضح رئيس النيابة العامة الاستئنافية بدمشق، القاضي عبد الرحمن البكري، أن القوانين السابقة ما زالت نافذة استنادًا إلى المادة “51” من الإعلان الدستوري، إلى حين إصدار تشريعات جديدة أو تعديل القوانين القائمة، وهو ما يعني استمرار تطبيق القانون رقم “20” لعام 2022.
لكن استمرار العمل بالقانون لا يلغي الإشكاليات المرتبطة ببعض مواده، ولا سيما المادة المتعلقة بـ”النيل من هيبة الدولة”، التي اعتبر البكري أن صياغتها تفتقر إلى ضوابط وتعريفات واضحة تحدد نطاق الجرم، وتمنع التوسع في تفسيره على حساب حقوق الأفراد. ويرى أن هذه المادة تحتاج إلى إعادة صياغة، ضمن مراجعة أوسع للقانون، بما يحدّد الأفعال التي يمكن أن تندرج ضمنها ويمنع استخدامها على نحو يمس حرية التعبير.
وأشار إلى أن وزارة العدل تعمل على إعداد مشروع قانون جديد للجرائم المعلوماتية، بمشاركة لجنة تضم مختصين، لكنه لم يحدد موعدًا لعرض المشروع على مجلس الشعب، داعيًا إلى الإسراع في إنجازه وإتاحة المجال أمام تقديم مقترحات تسهم في صياغته.
ولا تقتصر الإشكالية على النص القانوني، بل تمتد إلى إجراءات التعامل مع الشكاوى والبلاغات، خصوصًا في ظل الانتقال من مرحلة كانت فيها حرية الرأي مقيدة إلى واقع أكثر انفتاحًا، تتزايد فيه المنشورات والبلاغات المرتبطة بالتشهير والقدح والذم.
وفي هذا السياق، يرى عضو فرع ريف دمشق لنقابة المحاميين عبد الرحمن العبد الله، أن التعامل مع الشكاوى لا ينبغي أن يتحول إلى توقيف تلقائي للأشخاص بسبب منشوراتهم، معتبرًا أن استدعاء الشخص والتحقيق معه وفق الأصول القانونية يختلف عن توقيفه لمجرد تقديم شكوى بحقه.
وأشار إلى تعميم وزير العدل المتعلق بعدم التوقيف إلا في الجرائم الخطيرة، موضحًا أن تطبيقه يحد من التوسع في إجراءات التوقيف، ويحافظ على حرية الرأي والتعبير، من دون إلغاء حق المتضررين في اللجوء إلى القضاء. ودعا إلى تقديم الشكاوى بصورة خطية إلى النيابة العامة ومتابعتها عبر المسار القانوني، بدل المطالبة بتوقيف أصحاب المنشورات فورًا، إذ إن الفصل في طبيعة الفعل وما إذا كان يتجاوز حدود التعبير إلى ارتكاب جرم يعود إلى القضاء.
وبيّن أن المنشور المسيء لا يعني بالضرورة تحقق جريمة التحريض على الكراهية أو العنف، لكن انتقاله إلى الدعوة للعنف أو الاعتداء على سلامة الأشخاص وسمعتهم قد يضعه ضمن أفعال جرمية أخرى تستوجب المساءلة. ويفصل هذا التمييز، بحسب طرحه، بين حق الأفراد في التعبير عن آرائهم، وبين الأفعال التي تتضمن اعتداءً على الآخرين أو تحريضًا عليهم.
ومن جهته، أوضح البكري أن التعميم رقم “26” لعام 2026، ينظم إجراءات التعامل مع المشتبه بهم في قضايا الجرائم المعلوماتية، بحيث تُعرض الضبوط على النيابة العامة مباشرة بعد تنظيمها، لتحديد الإجراء المناسب، بما في ذلك الحاجة إلى التوقيف أو إجراء خبرة فنية.
وتعكس هذه الإجراءات محاولة للحد من استخدام التوقيف بوصفه استجابة أولى للشكاوى، إلا أن فاعلية المعالجة تبقى مرتبطة بوضوح النصوص القانونية، وضمان تطبيقها على الجميع، وعدم تحويلها إلى وسيلة لتقييد الانتقاد أو إسكات الأصوات المختلفة.
مدونة السلوك.. تنظيم مهني أمام فراغ تشريعي
في موازاة المسار القانوني، اتجهت وزارة الإعلام إلى وضع مدونة للسلوك المهني، في محاولة لمعالجة جوانب لا تستطيع القوانين وحدها ضبطها، خصوصًا ما يتعلق بأخلاقيات النشر والتحقق من المعلومات والتعامل مع خطاب الكراهية والتضليل.وقال مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام، عمر شيخ أحمد، إن الوزارة تبنت منذ بداية عمل الحكومة الحالية شعار “إعلام حر ومسؤول”، وأطلقت العمل على المدونة بالتعاون مع مؤسسات إعلامية مستقلة وخاصة، وصحفيين وإعلاميين حكوميين وصنّاع محتوى، موضحًا أن دور الوزارة اقتصر على الإشراف والرعاية اللوجستية للورشات، من دون التدخل في صياغة المحتوى.
وبرر شيخ أحمد هذه الخطوة بوجود فراغ تنظيمي، في ظل غياب مبادرات من الجهات المعنية لوضع معايير ناظمة للعمل الإعلامي، معتبرًا أن الأخلاقيات المهنية لا يمكن أن تُعالج بالتشريعات وحدها، بل تحتاج إلى تنظيم ذاتي ومعايير يتبناها العاملون في القطاع.
وبحسب شيخ أحمد، شارك أكثر من 900 صحفي في إعداد المدونة، التي تتألف من 112 صفحة، وشملت ورش العمل 13 محافظة، مع استثناء السويداء، كما وصلت إلى مناطق شرق الفرات التي كانت تحت سيطرة “الإدارة الذاتية”.
وتتضمن المدونة فصلًا خاصًا بمكافحة خطاب الكراهية والتضليل الإعلامي، إلى جانب معايير الدقة والمصداقية والتحقق، وتمتد إلى صناعة المحتوى، التي أصبحت جزءًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام، خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية.
ويشير حجم المشاركة في إعداد المدونة إلى محاولة توسيع دائرة المسؤولية عن تنظيم الخطاب الإعلامي، لكن التحدي الأبرز يبقى في الانتقال من صياغة المعايير إلى تطبيقها، خصوصًا أن شيخ أحمد ذكر أن اثنتين فقط من أصل 521 مؤسسة إعلامية مرخصة لديها مدونة سلوك، بحسب إحصائية الوزارة التي عرضها.
ولفت إلى أن الإعلام الحكومي وقّع المدونة، وأن الوزارة بدأت العمل على تطبيقها داخل المؤسسات.
وفي حواره مع عنب بلدي، توسع شيخ أحمد في شرح التحديات المرتبطة بصناعة المحتوى، مشيرًا إلى أن انتشار المنصات الرقمية أوجد ما وصفه بـ”فقاعات” لصناعة المحتوى الاجتماعي، تتركز فيها المنافسة على المشاهدات والإعجابات والانتشار، من دون أن تكون المعايير المهنية والتحقق من المعلومات أولوية دائمًا.
ولا يقتصر الأمر، وفق حديثه، على المؤسسات الصحفية التقليدية، إذ بات صناع المحتوى جزءًا من المشهد الإعلامي، ولهم تأثير في تشكيل المواقف والآراء العامة، ما يجعل إدراجهم ضمن جهود التدريب والتوعية ضرورة لمواجهة التضليل وخطاب الكراهية.
وأوضح أن المدونة تتضمن ملحقًا خاصًا بصناعة المحتوى، في محاولة لتوسيع نطاق المعايير المهنية لتشمل العاملين خارج المؤسسات الإعلامية.
وأشار إلى أن المرحلة الأولى من التدريب بدأت بنحو 300 صحفي، فيما تستهدف الوزارة توسيع البرنامج ليشمل أكثر من 3 آلاف صحفي وصانع محتوى خلال عام 2027.
ويضع هذا الهدف التدريب في إطار يتجاوز التعريف بالمدونة إلى محاولة تحويل مبادئها إلى ممارسات يومية في إنتاج المحتوى ونشره.
وفي حديثه عن مخرجات الحوار، شدد شيخ أحمد على أن قيمة اللقاءات والورشات لا تقاس بعدد المشاركين أو التوصيات التي تصدر عنها، بل بقدرتها على الوصول إلى المؤسسات المعنية وتحويل ما تطرحه إلى خطوات عملية.
وقال إن التوصيات ينبغي أن تتحول إلى خطط واستراتيجيات ومسودات قوانين وقرارات لدى المؤسسات الحكومية، بدل أن تبقى حوارًا على الورق.
منصات التواصل.. حدود مختلفة بين التحريض والكراهية
لا تقتصر مسؤولية ضبط الخطاب على المؤسسات الحكومية والإعلامية، إذ تؤدي منصات التواصل الاجتماعي دورًا أساسيًا في انتشار المحتوى وتحديد ما يُسمح بنشره أو يُحذف، وفق سياسات خاصة تختلف في بعض جوانبها عن التشريعات المحلية.وشرح المختص السابق في إدارة المخاطر الدولية لدى شركة “Meta”، سليم سروة، أن المنصات تعتمد سياسات داخلية تستند في صياغتها إلى مبادئ حقوق الإنسان والمعايير الدولية، وتعمل على تعديلها تبعًا للتغيرات والسياقات المختلفة.
ووفق شرحه، يختلف التحريض على العنف عن خطاب الكراهية في معايير المنصات، إذ يرتبط التحريض بوجود دعوة إلى فعل، وهدف محدد، وسياق أو توقيت يمكن من خلاله تقدير طبيعة التهديد، بينما يرتبط خطاب الكراهية باستهداف الأشخاص أو الجماعات على أساس انتماءاتهم.
ويقوم أحد الفوارق الأساسية في هذه السياسات على التمييز بين انتقاد الأفكار والأديان والتوجهات السياسية، وبين استهداف أتباعها بوصفهم جماعات أو أفرادًا. فانتقاد فكرة أو معتقد لا يُعامل بالضرورة بوصفه خطاب كراهية، بينما قد يؤدي تعميم صفات مهينة أو تحريضية على أتباع دين أو جماعة معينة إلى تصنيف المحتوى ضمن هذا النوع من الخطاب.
وأشار سروة إلى أن سياسات المنصات تتغير مع تغير السياقات، مستشهدًا بإضافة اللاجئين والمهاجرين إلى الفئات التي تتناولها سياسات الحماية بعد موجات اللجوء إلى أوروبا والولايات المتحدة.
كما أوضح أن المنصات قد تلتزم بالقوانين المحلية في الدول التي تعمل فيها، وقد تحجب محتوى معينًا داخل نطاق جغرافي محدد إذا فرضت التشريعات المحلية ذلك، مستشهدًا بتجربتي ألمانيا والعراق.
ويضع هذا الدور المنصات أمام مسؤولية إضافية في السياق السوري، خصوصًا مع انتشار خطاب التحريض عبرها، لكن تطبيق سياسات الحذف والحجب لا يغني عن وجود تشريعات محلية واضحة، ولا عن ضرورة ضمان عدم الخلط بين النقد السياسي أو الفكري والتحريض على الأفراد والجماعات.
العدالة الانتقالية.. معالجة أسباب الكراهية قبل ملاحقة نتائجها
تتجاوز جذور خطاب الكراهية في سوريا حدود الخلافات السياسية أو الدينية، وترتبط في جانب منها بتجارب العنف والانتهاكات التي عاشتها مكونات مختلفة خلال السنوات الماضية، وما خلّفته من انعدام ثقة وشعور بالظلم، لا تزال آثاره حاضرة في الخطاب العام.وفي هذا السياق، ربط خبير الحوكمة والإعلام زيدون الزعبي، بين انتشار خطاب الكراهية وصعوبة معالجة الانتهاكات والآلام التي تعرضت لها جماعات سورية، معتبرًا أن إنكار معاناة الضحايا أو التقليل منها قد يتحول بحد ذاته إلى خطاب كراهية، حتى عندما يصدر تحت عنوان الدفاع عن الدولة أو موقف سياسي.
وأشار الزعبي إلى أن إنكار أحداث وجرائم تعرضت لها جماعات في الساحل والسويداء، أو إنكار معاناة ضحاياها، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد اختلاف في وجهات النظر، لما يحمله من أثر على شعور المتضررين وذاكرتهم.
فالتعامل مع آثار الانتهاكات، بحسب طرحه، لا ينفصل عن طريقة تناولها في المجال العام، ولا عن الاعتراف بما تعرض له الضحايا بدل التقليل من معاناتهم أو التشكيك فيها.
ورأى أن القانون وحده لا يستطيع معالجة جميع أشكال الكراهية، لأن بعض الممارسات لا تقع بالضرورة ضمن الأفعال التي يمكن تجريمها، بينما تحتاج إلى سياسات تربوية وإعلامية وثقافية ومجتمعية.
وقال الزعبي لعنب بلدي إن “القانون لن يستطيع لجم خطاب الكراهية وحده”، موضحًا أن التعامل مع هذه الظاهرة لا يمكن أن يقتصر على ملاحقة المنشورات أو فرض العقوبات، لأن جزءًا من الخطاب يتشكل عبر مواقف وسلوكيات اجتماعية لا تصل بالضرورة إلى مستوى الجريمة.
ولذلك دعا إلى دور أوسع لوزارات الأوقاف والإعلام والثقافة، والمؤسسات الإعلامية المستقلة والخاصة، في وضع سياسات تسهم في الحد من الإقصاء والتحريض، وتعزز القدرة على التعامل مع الاختلاف.
ولفت الزعبي إلى أن بعض الخطابات التي تُقدَّم بوصفها دفاعًا عن الدولة قد تحمل في مضمونها تحريضًا على جماعات سورية أو إنكارًا لما تعرضت له من انتهاكات، معتبرًا أن هذا النوع من الخطاب يهدد الاستقرار، لأن صاحبه قد يعتقد أنه يدافع عن الدولة، بينما يسهم في تعميق الانقسامات داخل المجتمع.
من جهته، ربط المحامي عبد الرحمن العبد الله، تحقيق السلم الأهلي بتفعيل مسار العدالة الانتقالية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، والاعتراف بالجرائم وجبر الضرر المادي والمعنوي للضحايا.
واعتبر في حديثه مع عنب بلدي، أن الإفلات من العقاب يترك آثار الانتهاكات مفتوحة، ويغذي مشاعر الظلم والرغبة في الانتقام.
وبحسبه، تسهم المحاسبة والاعتراف والتعويض في بناء الثقة ومعالجة أسباب التوتر. ولا يقتصر جبر الضرر، وفق هذا الطرح، على التعويض المادي، بل يشمل الاعتراف بما تعرض له الضحايا، ومعالجة الأذى المعنوي الذي لحق بهم، بما يتيح لهم الشعور بأن ما تعرضوا له لم يُتجاهل أو يُمحَ من الذاكرة العامة.
ويضع هذا الطرح العدالة الانتقالية في صلب معالجة خطاب الكراهية، لا بوصفها مسارًا قضائيًا منفصلًا، بل باعتبارها أحد الشروط المرتبطة باستعادة الثقة بين السوريين، على ألا تتحول الدعوة إلى الصفح والمصالحة إلى مطالبة الضحايا بتجاوز ما تعرضوا له من دون اعتراف أو مساءلة أو جبر للضرر.
الحوار المجتمعي.. ما لا تستطيع القوانين معالجته
في ظل تعدد مصادر خطاب الكراهية، وتداخل أسبابه السياسية والاجتماعية والإعلامية، تبدو المعالجة القانونية وحدها غير كافية، خصوصًا أن بعض أشكال الإقصاء والتحريض تتشكل داخل المواقف اليومية، ولا تصل بالضرورة إلى مستوى الجريمة التي يمكن ملاحقتها قضائيًا.وعليه، دعا الزعبي إلى إعادة إطلاق مساحات الحوار التي شهدتها المرحلة الأولى بعد سقوط النظام، معتبرًا أن التوقف عن تنظيمها يترك المجال أمام استمرار الصور النمطية والأحكام المسبقة، ويضعف قدرة المجتمع على فهم اختلافاته.
وقال إن هذه الحوارات لا ينبغي أن تنتظر مبادرة طرف بعينه، لكن السلطة تتحمل مسؤولية أساسية في إطلاقها، مشيرًا إلى أن الحوارات التي نظمتها وزارة الإعلام خلال السنة الأولى بعد التحرير كانت ذات مخرجات مهمة، لكنه رأى أنها توقفت بعد إعداد مدونة السلوك، ودعا إلى استئنافها.
وأوضح الزعبي أن وجود مدونة للسلوك المهني لا يغني عن استمرار الحوار، لأن وضع المعايير لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح قادرًا على التعامل مع اختلافاته أو تجاوز الأحكام المسبقة. فالحوار، بحسب ما طرحه، يتيح مراجعة المواقف وفهم أثر الكلمات والتصرفات على الآخرين، وهي جوانب لا يمكن للقانون وحده معالجتها.
وأشار إلى أن بعض الأشخاص يمارسون خطاب الكراهية من دون إدراك لطبيعته أو أثره، مشددًا على أن مواجهة الخطاب لا تقتصر على ملاحقة الأفعال المتعمدة، بل تتطلب أيضًا وعيًا اجتماعيًا بالسلوكيات التي قد تتضمن إهانة أو تمييزًا، حتى عندما لا يكون صاحبها مدركًا لذلك.
وفي حديثه عن دور المؤسسات، شدد الزعبي على أن مسؤولية مواجهة الخطاب لا تقع على جهة واحدة، بل تتطلب سياسات متكاملة، ومساحات تسمح بتبادل الآراء ومراجعة المواقف، بعيدًا عن الاقتصار على العقوبات.
ويرى أن السلطة تتحمل مسؤولية أساسية في تهيئة هذه المساحات، لكن ذلك لا يعني أن بقية الأطراف معفية من المبادرة والمشاركة فيها.
ويتقاطع ذلك مع رؤية وزارة الإعلام التي دعت إلى إشراك منظمات المجتمع المدني والصحفيين وصناع المحتوى والمؤسسات الحكومية في حوارات تنتج توصيات قابلة للتطبيق، لا أن تنتهي بانتهاء الفعاليات.
ويعيد هذا الطرح مسألة مواجهة خطاب الكراهية إلى مسؤولية المؤسسات عن تحويل المبادرات الحوارية والمعايير المهنية إلى سياسات مستمرة، بدل التعامل معها بوصفها أنشطة مؤقتة.
وبين الحاجة إلى تحديث قانون الجرائم المعلوماتية، وتفعيل مدونة السلوك، وضبط مسؤولية منصات التواصل، ومعالجة آثار الانتهاكات، تبدو مواجهة خطاب الكراهية في سوريا اختبارًا لقدرة المؤسسات على الجمع بين حماية حرية التعبير ومنع التحريض، من دون أن يتحول التنظيم إلى أداة جديدة لتقييد الحريات.
فالمسألة لا تتعلق فقط بما يمكن حذفه من منشور أو ملاحقة صاحبه، بل بكيفية بناء بيئة لا يصبح فيها الاختلاف سببًا للإقصاء، ولا تتحول فيها حرية التعبير إلى غطاء للتحريض على الآخرين.


الصفحات
سياسة








