تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

"الحزب" يرفض دخول تفاوض لن يُدعَى إليه

29/04/2026 - عبدالوهاب بدرخان

في التيه العلوي

27/04/2026 - حسام جزماتي

التفكير النقدي.. ببساطة

27/04/2026 - مؤيد اسكيف

لا تجعلوا إرث الأسد ذريعة

27/04/2026 - فراس علاوي

جبل الجليد السُّوري

17/04/2026 - موسى رحوم عبَّاس

مدرسة هارفارد في التفاوض

15/04/2026 - د. محمد النغيمش

علماؤنا سبب علمانيتنا

15/04/2026 - عدي شيخ صالح

أهم دلالات حرب البرهان – حميدتي

14/04/2026 - محمد المكي أحمد


ذكرى الحرب العالمية الاولى ليست واحدة بل مختلفة باختلاف الدول




باريس - دومينيك شابرول - ذكرى الحرب الكبرى ليست واحدة ومشتركة بل مختلفة باختلاف عشرات الدول التي خاضت النزاع، مع هوة كبيرة تفصل بين الامم التي احتفظت بذكرى 1914-1918 حية في وجدانها وتلك التي طمستها بفعل الاحداث اللاحقة مع نشوب الحرب العالمية الثانية.


فمن الحرب المنسية الى بروز اللحمة الوطنية، تقترن طريق الذاكرة بتاريخ الامم بعد المأساة المشتركة التي عاشتها. فبالنسبة للندن وباريس وسيدني ترمز الحرب العالمية الاولى الى شجاعة وبسالة شعب باسره. لكنها ليست في برلين سوى هاجس حزين لمآس لاحقة.

وبعد مرور مئة سنة على الحرب الكبرى، تكرم كل دولة قتلاها على طريقتها. فالمنتصرون في الحرب العالمية الاولى وضعوا في وقت مبكر اطرا محددة للاحتفاظ بالذكرى. في فرنسا حدد 11 تشرين الثاني/نوفمبر يوم عطلة منذ العام 1922.

وفي المملكة المتحدة يحتفل بالذكرى، "ريمبرانس صاندي"، يوم الاحد الاقرب من موعد ذكرى الهدنة الموقعة في 1918. ويعلق مئات الاف البريطانيين زهرة الخشخاش على عروة قمصانهم فيما يضع الفرنسيون احيانا الترنجان، نوعين من الازهار واصلا نموهما في جحيم الخنادق ليصبحا رمزا للحياة المستمرة على الرغم من كل شيء.

وفي هذا الصدد، قال نيكولاس اوفنستات الاستاذ المحاضر في جامعة باريس 1- السوربون "هناك في بريطانيا ذاكرة حية تماما للنزاع، شبيهة بما هو في فرنسا. وتاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر يتابع بشكل كبير وفي السنوات 1990 الى 2000 كانت مسالة الجنود الذين قتلوا رميا بالرصاص مادة لمئات المقالات في كبريات الصحف الانكلو-ساكسونية.

وقد شيدت نصب تذكارية للقتلى في كل المناطق تقريبا في فرنسا حيث تترسخ الذكرى ايضا حول مئات المقابر العسكرية التي تضم مئات الاف الضحايا من كل الجنسيات.
ومع رحيل اخر المحاربين القدامى الذين شاركوا في حرب 1914-1918 --آخرهم البريطاني هاري باتش توفي عن 111 عاما في 2009-- بدت الرغبة في نقل ذكرى النزاع الى الاجيال الشابة اكثر الحاحا. فالبرامج المدرسية لم تعد تروي فقط التاريخ العسكري بل معاناة الجنود وتجاربهم ايضا.

وقالت الكاتبة بوني غرير المستشارة في الحكومة البريطانية للذكرى المئوية "نعلم الكثير من الامور حول الاحداث الكبرى في النزاع. وما نريده في الوقت الحاضر هو فهم ما شعر به اولئك الجنود الذين كانوا يعتقدون ان الحرب ستنتهي قبل عيد الميلاد، وسكان هذه المدن الذين فقدوا كل شبانهم".

في المقابل بدأت المانيا في ماض قريب تحيي ذكرى النزاع العالمي الاول. ولم تحدد البلاد اي يوم عطلة لتكريم قتلاها المقدر عددهم بنحو مليوني شخص والذين سقطوا في نزاع 1914-1918. وتحيي في 2014 الذكرى الخامسة والسبعين لبدء الحرب العالمية الثانية. وغالبا ما تعتبر هزيمة 1918 ومعاهدة فرساي ايضا بمثابة النواة لتنامي النازية والكارثة التي اعقبتها.

ومرادف الهزيمة ايضا في النمسا حيث ينظر خصوصا الى الحرب على انها سبب لسقوط الامبراطورية فيما لا يزال هناك في هذه البلاد بعض الشعور بالحنين لملكية اسرة هابسبورغ. وعلى غرار المانيا تركز البرامج المدرسية على الحرب العالمية الثانية.

لكن دولا اخرى مثل الولايات المتحدة التي دخلت الحرب في العام 1917، لم تعش كل النزاع. "فنحو خمسة ملايين اميركي خدموا اثناء الحرب و116500 سقطوا قتلى، لكن هذا الامر لا يشغل كثيرا بال الاميركيين. انها حرب منسية" على ما قال بيتر كوزنيك البرفسور في الجامعة الاميركية في واشنطن. فالحرب العالمية الثانية وفيتنام وافغانستان وحتى حرب الانفصال -الحرب الاهلية الاميركية بين 1861 و1865- تغطي على ذكرى نزاع 14-18.

وفي بعض الاحيان تشهد الامم عودة للذاكرة، مثل روسيا حيث حجبت ذكرى ثورة 1917 و"الحرب الوطنية الكبرى" من 1941 الى 1945 ذكرى الحرب العالمية الاولى، فلا نصب وطنية ولا فعاليات رسمية في البلاد التي فقدت مليوني شخص في المعارك. حتى قرر الرئيس فلاديمير بوتين الذي يدعو الى عودة القيم الوطنية، تحديد يوم خاص اعتبارا من 2013 في الاول من اب/اغسطس لاحياء ذكرى الروس الذين سقطوا خلال سنوات الحرب الكبرى من 1914 الى 1917.

في المقابل لا تزال ذكرى الحرب العالمية الاولى حية راسخة في دول خصوصا تلك التي كانت تابعة للتاج البريطاني والتي تكون وجدانها الوطني اثناء النزاع.
فاستراليا التي ارسلت اربعمئة الف رجل ليقاتلوا في اوروبا (10% من تعدادها السكاني في تلك الاونة) تحيي كل سنة في 25 نيسان/ابريل بحماسة ذكرى معركة غاليبولي قرب اسطنبول حيث انهزم الاستراليون والنيوزيلنديون امام العثمانيين في 1915.

وفي كندا (66 الف قتيل) تنظم فعاليات كبرى في 11 تشرين الثاني/نوفمبر احياء للذكرى، لكن الذاكرة الشعبية تحتفظ ايضا بالاحداث الدامية التي وقعت بين ناطقين بالفرنسية مناهضين للتجنيد والقوات الناطقة بالانكليزية.
الى ذلك اصبحت بولندا والجمهورية التشيكية وسلوفاكيا وليتوانيا مستقلة في 1918 في ظل النزاع وتتذكر كل منها على طريقتها بروز الهوية الوطنية لكن بدون ان تربطها مباشرة بالحرب الكبرى. فبولندا لديها "جندي مجهول" لكنه قتل في 1919 اثناء الحرب الحدودية مع اوكرانيا. والمفارقة ان النزاع العالمي الاول الذي سقط لها فيه 400 الف قتيل حاربوا في معسكرات متنازعة، يعتبر بالنسبة لبولندا ايضا "حربا منسية" على ما لفت المؤرخ البريطاني جون هورن.

اما تركيا الحديثة التي نشأت في 1923 هي الاخرى على انقاض امبراطورية مهزومة، السلطنة العمثانية، فما زالت تحتفظ بذكرى حية للحرب الكبرى. فالهجوم المضاد الظافر في غاليبولي بقيادة القائد الشاب مصطفى كمال مؤسس الجمهورية التركية، اصبح موضع تمجيد حقيقي في الاوساط العلمانية المعارضة للحكومة الاسلامية المحافظة الحالية.

ولفت نيكولاس اوفنستات الى "ان الذاكرة ليست جامدة على الاطلاق. فهي تندثر في فترات معينة وتعاود الظهور في فترات اخرى". والاحتفالات بالذكرى المئوية قد تؤدي الى تحريكها من جديد.

دومينيك شابرول
الاربعاء 26 فبراير 2014