وبفضل الثورة الصناعية، دخلت الدول الاوروبية القديمة في حقبة من الحداثة، وكان سكان القارة البالغ عددهم حينها 450 مليون نسمة يشكلون ثلث البشرية، ونصفها اذا ما احتسب سكان المناطق التابعة لسلطة الدول الاوروبية.
كانت المانيا وفرنسا وبريطانيا تمثل لوحدها ثلث الانتاج الصناعي في العالم، ولو ان الولايات المتحدة كانت اصبحت منذ نهاية القرن التاسع عشر اكبر اقتصاد في العالم.
القارة الاوروبية عشية الحرب كانت ايضا في اوج مرحلة الابتكار الاقتصادي والتقني والفني والعلمي.
الا ان المنافسة بين الدول القوية مدفوعة بالرغبة بتحقيق النفوذ السياسي والامن والحصول على اسواق تجارية، ستقلب التوازنات.
كانت برلين تقلق لندن بسبب طموحاتها البحرية والاستعمارية المعلنة، وهي طموحات ستخلق ايضا توترات كبيرة مع فرنسا، لاسيما بسبب المغرب بين 1905 و1911.
وفي الجهة الاخرى، كانت روسيا وامبراطورية النمسا المجر في تنافس شديد لتوسيع منطقة نفوذهما في البلقان على حساب الامبراطورية العثمانية الذي كانت تنهار بسرعة.
وفي البلقان بالتحديد رسم مستقبل اوروبا، اذ الهبت هذه المنطقة حربان في خريف 1912 وربيع 1913. وتمكت صربيا التي التفت حولها بلغاريا واليونان والجبل الاسود من انتزاع آخر معاقل العثمانيين في اوروبا قبل ان تتقاتل هذه الدول فيما بينها على تقاسم تركة السلطنة.
وباستثناء روسيا الى وقفت الى جانب صربيا تحت عنوان الدفاع عن السلافيين، فان باقي القوى الكبرى ظلت بعيدة تراقب بحذر الانفجار البلقاني وتمكنت من تجنب الاسوأ، الا ان الخطر على السلام في اوروبا اخذ يتجذر اكثر فأكثر.
وعلى مدى سنوات، تشكلت كتلتان: الاولى هي الحلف الثلاثي الذي جمع بين المانيا وامبراطورية النمسا المجر وايطاليا، والثانية هي حلف الوفاق الذي جمع فرنسا وبريطانيا وروسيا.
والمانيا الواقعة بين القوتين الاستعماريتين العظميين في تلك الحقبة، وبين الجار الروسي الضخم، كانت تشعر بانها مطوقة.
وكانت المانيا ترى بان امبراطورية النمسا المجر خرجت ضعيفة من حروب البلقان فيما ازدادت روسيا قوة. وآمنت القيادة العسكرية الالمانية بان الحرب الاوروبية قادمة لا محالة، وحصلت عام 1913 على قرار باضافة 300 الف جندي الى عديد الجيش، الامر الذي دفع فرنسا الى تمديد فترة الخدمة العسكرية الاجبارية لتصل الى ثلاث سنوات، وذلك للابقاء على توازن القوى مع المانيا.
ويلخص المؤرخ الالماني غريد كوميش الوضع في تلك الحقبة بقوله "كان ذلك زمن الخطاب القومي، وهو خطاب مشوب بقدر كبير من القلق والخوف من انقضاض الآخر بشكل مباغت".
اما الاستاذ المحاضر في جامعة السوربون نيكولا اوفينشتاد فيرى من جهته انه "كانت هناك عوامل للتوتير، لكن القدرة على حل الازمات كانت متوفرة".
فالتيارات السلمية كانت قوية في تلك الفترة، وكانت اوروبا بعيدة عن افكار "الاتحاد المقدس" التي ستنتشر في ما بعد في فرنسا والمانيا وبريطانيا وروسيا لاستقطاب الدعم للحرب في صفوف القادة السياسيين ولدى الرأي العام.
حتى ان العام 1914، وهو عام اندلاع الحرب، انطلق في جو من التهدئة.
الا ان نظام الاحلاف الذي تم نسجه على مدى سنوات كان ما يزال قائما، وكان هذا النظام يهدد باشعال القارة بسبب اصغر حادثة، اذ انه كان يتعين على الحلفاء نصرة بعضهم البعض في حال تعرض اي منهم للاعتداء.
وفي هذه الاجواء، لم يكن ينقص الا الشرارة.
وفي 28 حزيران/يونيو، قام الطالب الصربي غافريلو برينسيب باطلاق النار في ساراييفو على ولي عهد النمسا المجر فرنسوا فردينان وقتله، وكانت تلك الطلقة التي غيرت مصير اوروبا واشعلت القارة.
وكان القادة الاوروبيون ما زالوا يأملون بامكانية تجنيب القارة نزاعا كبيرا تماما كما تجنبوا النزاع في 1912 و1913، كانوا يعتقدون بانه ما زال بامكانهم عدم الدخول في نزاع يباغت الشعوب الاوروبية في وقت كان الاعلام لا يصل الا لشريحة محدودة من السكان.
الا ان الاخطاء المتتالية في تحليل الوضع سرعت الاحداث: تدخلت النمسا بدعم من المانيا ضد صربيا ظنا منها انها ستقوم بهذه الحالة باستعادة نفوذها في المنطقة. تحركت روسيا التي كانت تريد حماية صربيا من خلال ترهيب النمساويين. الا ان روسيا بتدخلها تسببت بتحرك حليفها الفرنسي وفي نفس الوقت، المانيا التي كانت تعيش في هاجس النزاع المحتم القادم بين الدول الكبرى في اوروبا.
عندها لم يعد بامكان اي شيء وقف الحرب التي انفجرت في الثالث من اب/اغسطس، الا ان ايا من المحللين لم يتوقع لها مثل هذا الحجم الهائل.
وقال نيكولا اوفينشتاد "يجب ان نذكر ان الجنود لم يكونوا يتوقعون حربا عالمية. لم يخطر لهم انهم ذاهبون الى الموت في الظروف التي كانوا سيواجهونها، وكان كثيرون يعتقدون بانهم سيعودون الى ديارهم بعد اسابيع او اشهر قليلة".
وسرعان ما ستتبدد هذه الاوهام، وسينشأ عالم مختلف تماما من انقاض النزاع العالمي الاول.
كانت المانيا وفرنسا وبريطانيا تمثل لوحدها ثلث الانتاج الصناعي في العالم، ولو ان الولايات المتحدة كانت اصبحت منذ نهاية القرن التاسع عشر اكبر اقتصاد في العالم.
القارة الاوروبية عشية الحرب كانت ايضا في اوج مرحلة الابتكار الاقتصادي والتقني والفني والعلمي.
الا ان المنافسة بين الدول القوية مدفوعة بالرغبة بتحقيق النفوذ السياسي والامن والحصول على اسواق تجارية، ستقلب التوازنات.
كانت برلين تقلق لندن بسبب طموحاتها البحرية والاستعمارية المعلنة، وهي طموحات ستخلق ايضا توترات كبيرة مع فرنسا، لاسيما بسبب المغرب بين 1905 و1911.
وفي الجهة الاخرى، كانت روسيا وامبراطورية النمسا المجر في تنافس شديد لتوسيع منطقة نفوذهما في البلقان على حساب الامبراطورية العثمانية الذي كانت تنهار بسرعة.
وفي البلقان بالتحديد رسم مستقبل اوروبا، اذ الهبت هذه المنطقة حربان في خريف 1912 وربيع 1913. وتمكت صربيا التي التفت حولها بلغاريا واليونان والجبل الاسود من انتزاع آخر معاقل العثمانيين في اوروبا قبل ان تتقاتل هذه الدول فيما بينها على تقاسم تركة السلطنة.
وباستثناء روسيا الى وقفت الى جانب صربيا تحت عنوان الدفاع عن السلافيين، فان باقي القوى الكبرى ظلت بعيدة تراقب بحذر الانفجار البلقاني وتمكنت من تجنب الاسوأ، الا ان الخطر على السلام في اوروبا اخذ يتجذر اكثر فأكثر.
وعلى مدى سنوات، تشكلت كتلتان: الاولى هي الحلف الثلاثي الذي جمع بين المانيا وامبراطورية النمسا المجر وايطاليا، والثانية هي حلف الوفاق الذي جمع فرنسا وبريطانيا وروسيا.
والمانيا الواقعة بين القوتين الاستعماريتين العظميين في تلك الحقبة، وبين الجار الروسي الضخم، كانت تشعر بانها مطوقة.
وكانت المانيا ترى بان امبراطورية النمسا المجر خرجت ضعيفة من حروب البلقان فيما ازدادت روسيا قوة. وآمنت القيادة العسكرية الالمانية بان الحرب الاوروبية قادمة لا محالة، وحصلت عام 1913 على قرار باضافة 300 الف جندي الى عديد الجيش، الامر الذي دفع فرنسا الى تمديد فترة الخدمة العسكرية الاجبارية لتصل الى ثلاث سنوات، وذلك للابقاء على توازن القوى مع المانيا.
ويلخص المؤرخ الالماني غريد كوميش الوضع في تلك الحقبة بقوله "كان ذلك زمن الخطاب القومي، وهو خطاب مشوب بقدر كبير من القلق والخوف من انقضاض الآخر بشكل مباغت".
اما الاستاذ المحاضر في جامعة السوربون نيكولا اوفينشتاد فيرى من جهته انه "كانت هناك عوامل للتوتير، لكن القدرة على حل الازمات كانت متوفرة".
فالتيارات السلمية كانت قوية في تلك الفترة، وكانت اوروبا بعيدة عن افكار "الاتحاد المقدس" التي ستنتشر في ما بعد في فرنسا والمانيا وبريطانيا وروسيا لاستقطاب الدعم للحرب في صفوف القادة السياسيين ولدى الرأي العام.
حتى ان العام 1914، وهو عام اندلاع الحرب، انطلق في جو من التهدئة.
الا ان نظام الاحلاف الذي تم نسجه على مدى سنوات كان ما يزال قائما، وكان هذا النظام يهدد باشعال القارة بسبب اصغر حادثة، اذ انه كان يتعين على الحلفاء نصرة بعضهم البعض في حال تعرض اي منهم للاعتداء.
وفي هذه الاجواء، لم يكن ينقص الا الشرارة.
وفي 28 حزيران/يونيو، قام الطالب الصربي غافريلو برينسيب باطلاق النار في ساراييفو على ولي عهد النمسا المجر فرنسوا فردينان وقتله، وكانت تلك الطلقة التي غيرت مصير اوروبا واشعلت القارة.
وكان القادة الاوروبيون ما زالوا يأملون بامكانية تجنيب القارة نزاعا كبيرا تماما كما تجنبوا النزاع في 1912 و1913، كانوا يعتقدون بانه ما زال بامكانهم عدم الدخول في نزاع يباغت الشعوب الاوروبية في وقت كان الاعلام لا يصل الا لشريحة محدودة من السكان.
الا ان الاخطاء المتتالية في تحليل الوضع سرعت الاحداث: تدخلت النمسا بدعم من المانيا ضد صربيا ظنا منها انها ستقوم بهذه الحالة باستعادة نفوذها في المنطقة. تحركت روسيا التي كانت تريد حماية صربيا من خلال ترهيب النمساويين. الا ان روسيا بتدخلها تسببت بتحرك حليفها الفرنسي وفي نفس الوقت، المانيا التي كانت تعيش في هاجس النزاع المحتم القادم بين الدول الكبرى في اوروبا.
عندها لم يعد بامكان اي شيء وقف الحرب التي انفجرت في الثالث من اب/اغسطس، الا ان ايا من المحللين لم يتوقع لها مثل هذا الحجم الهائل.
وقال نيكولا اوفينشتاد "يجب ان نذكر ان الجنود لم يكونوا يتوقعون حربا عالمية. لم يخطر لهم انهم ذاهبون الى الموت في الظروف التي كانوا سيواجهونها، وكان كثيرون يعتقدون بانهم سيعودون الى ديارهم بعد اسابيع او اشهر قليلة".
وسرعان ما ستتبدد هذه الاوهام، وسينشأ عالم مختلف تماما من انقاض النزاع العالمي الاول.


الصفحات
سياسة









