وتأتي هذه الوثائق بعد أسبوع من نشر صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية تحقيقًا استقصائيًا، كشفت فيه أن ضباطًا سابقين في نظام الأسد يعملون من منافيهم في روسيا ولبنان على التخطيط لتمرد مسلح ضد الحكومة السورية.
وذكرت الصحيفة الأمريكية أن سقوط نظام الأسد لم يقضِ على نفوذ نخبة من قادته العسكريين والأمنيين، بل دفع بعضهم إلى إعادة تنظيم صفوفهم من المنفى، في محاولة لزعزعة الحكومة السورية الجديدة وربما اقتطاع مناطق نفوذ داخل البلاد.
إعادة إنتاج الفوضى
أظهرت الوثائق التي بثتها قناة “الجزيرة” أن عدد المقاتلين التابعين لـ”فلول” النظام يصل إلى نحو 168 ألف عنصر موزعين على قطاعات في حمص وحماة ودمشق والساحل، مع خرائط انتشار وتسليح متنوع يشمل صواريخ مضادة للدروع ومدافع وأسلحة متوسطة وخفيفة.إلا أن هذه الأرقام قد تكون غير دقيقة، ولا تمثل الأعداد الفعلية لـ”فلول” النظام، إذ تظهر الوثائق والمعلومات المسربة خلافًا بين سهيل الحسن ورامي مخلوف، الذي يعتقد أن الحسن قام بمضاعفة أعداد المقاتلين للحصول على أموال فائضة عن الحاجة.
يرى الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” معتز السيد، أن ما يجري لا يتجاوز محاولات متعثرة لإعادة تشكيل جماعات ما دون الدولة، تفتقر للخبرة والتنظيم والدعم، بعدما شكّل سقوط النظام صدمة بنيوية أضعفت قدرة “الفلول” على إعادة التموضع، وجرّدها من أي حاضنة إقليمية أو دولية فاعلة.
وقال السيد، في حديث إلى عنب بلدي، إن هذه المرحلة لا تحمل جديدًا نوعيًا بقدر ما تعكس تراجع الزخم وفقدان الغطاء الاجتماعي، لا سيما في الساحل، حيث بدأت شرائح دينية واجتماعية، من بينها من المكوّن العلوي، بالابتعاد عن هذه المشاريع والاقتراب من الدولة بحثًا عن الاستقرار وضمان شروط معيشية أفضل، في مؤشر على تآكل الفكرة التنظيمية نفسها.
ويذهب الباحث والمحلل السياسي نادر الخليل، إلى أن ما يميز المحاولات الراهنة هو أن انكسار الجماعات المرتبطة بالنظام السابق ليس عسكريًا فحسب، بل سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، ما دفع “الفلول” للاعتماد على شبكات مالية وعسكرية مرنة بدل العسكرة الثقيلة، مستندة إلى دعم مالي ضخم من رامي مخلوف ومحاولات فاشلة لاستخدام لبنان كمنصة تجنيد وتدريب.
غير أن السياق العام في لبنان والمنطقة منذ سنة إلى الآن مختلف تمامًا، وفق الخليل، إذ جعل السقوط الكامل للنظام السابق هذه المحاولات أكثر يأسًا، وأقل دعمًا دوليًا، ما يعرضها للفشل السريع رغم الضجيج والتضخيم الإعلامي الذي يرافقها.
سهيل الحسن برفقة عناصر قوات خاصة روسية على متن طائرة خلال تدريبات عسكرية على إنزال مظلي _ 30 من آذار 2022 (زفيزدا)
لبنان غرفة العمليات
نقلت وكالة “رويترز“، في 28 من كانون الأول 2024، أن العديد من ضباط ورجال نظام الأسد المخلوع هربوا إلى لبنان، وأبرز هذه الأسماء كان مرتكب مجزرة حماة رفعت الأسد، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية كمال الحسن، و”الصندوق الأسود” لآل الأسد علي مملوك.وتشير إحدى الوثائق التي حصلت عليها قناة “الجزيرة” إلى أن قائد “قوات النخبة” السابق، اللواء سهيل الحسن، جهز مكتبًا “ضخمًا” في منطقة الحيصة القريبة من الحدود السورية، ليكون مقرًا لإدارة عمليات عسكرية مخططة ضد سوريا، في إطار مساعٍ لإعادة تنظيم الصفوف واستهداف الحكومة السورية الجديدة.
كما تحدثت التسريبات عن أحد قادة “فلول” النظام، ويدعى محمود السلمان، يحمل الجنسية اللبنانية ويتمركز في منطقة ضهر بشير، وسبق أن شارك في القتال داخل سوريا، ويجري الإعداد لدوره ضمن ما وُصف بحراك مسلح جديد.
يرى محللون تحدثوا إلى عنب بلدي، أن تحوّل لبنان إلى ساحة نشاط لـ”فلول” النظام السوري السابق لا ينفصل عن اختلالات بنيوية عميقة في المشهد الأمني اللبناني نفسه.
ويعتبر الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” معتز السيد، أن تغوّل “حزب الله” في مؤسسات الدولة، وفّر بيئة حاضنة يمكن لـ”الفلول” استثمارها لاحقًا ضد الحكومة السورية الجديدة، ما يقيّد قدرة الدولة اللبنانية على التحرك منفردة، ويجعل التنسيق مع دمشق خيارًا استراتيجيًا لا مفر منه لضبط التهديدات المشتركة.
ويذهب الباحث والمحلل السياسي نادر الخليل، إلى أن أي تحرك لبناني أحادي في هذا الملف يبقى محفوفًا بالمخاطر، في ظل الارتباط الأمني الوثيق بين البلدين وتعقيدات النفوذ الإيراني وأذرعه داخل لبنان، وطالما أن الدولة اللبنانية على علم بهذه النشاطات، من دون امتلاكها أدوات الحسم، سيبقى التعامل معها في إطار المراقبة السلبية ما لم يقترن بتنسيق مباشر مع سوريا أو بدعم دولي يغيّر موازين القدرة على المواجهة.
تواجه الحكومتان السورية واللبنانية تحديات في معالجة مسألة “فلول” النظام السابق، ترتبط بمدى مأسسة المؤسستين الأمنية والعسكرية في كلا البلدين، وجاهزيتهما للانخراط في تنسيق أمني متبادل، وعدم القدرة على فصل أي تنسيق أمني بين البلدين عن المعادلات الإقليمية التي لا تزال غير مستقرة، ووجود ملفات إشكالية لا تزال عالقة أبرزها ملف ترسيم الحدود وانعكاس ذلك على أي صيغة للتنسيق الأمني.
أيمن الدسوقي
باحث ومحلل سياسي
موقف دمشق.. “الاحتواء الذكي” بدل الانفجار الأمني
عقد وفد أمني سوري سلسلة لقاءات مع مدير المخابرات في الجيش اللبناني، العميد طوني قهوجي، إضافة إلى مسؤولين أمنيين لبنانيين، في 19 من كانون الأول 2025.وتمحور اللقاء، بحسب ما نشرته جريدة “الأخبار” اللبنانية، حول شخصيات محسوبة على النظام السوري السابق يعتقد بوجودها داخل الأراضي اللبنانية.
وأوضح المسؤولون السوريون خلال الزيارة، أن هذا يأتي ضمن إطار “ملاحقة فلول النظام السابق داخل وخارج البلاد”.
كما نقلت صحيفة “المدن” اللبنانية، في 22 من كانون الأول 2025، أن الوفد الأمني السوري الذي زار لبنان سلّم الدولة اللبنانية لائحة بأسماء ضباط محسوبين على نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، وطالب بتسليمهم إلى سوريا.
تميل مقاربة دمشق، وفق الباحثين، إلى اعتماد ما يمكن وصفه بـ”الاحتواء الذكي” بدل الذهاب نحو مواجهة أمنية مفتوحة قد تعيد إنتاج دوامات عنف أوسع.
الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” معتز السيد، يرى أن السلطات السورية تمتلك حزمة أدوات تتيح احتواء “فلول” النظام داخليًا من دون توسيع رقعة الصدام، تبدأ بتعزيز الحوار وضخ مشاريع تنموية، ولا تستبعد التعاون مع جهات أممية في برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، بالتوازي مع تشديد القبضة الأمنية في مناطق حساسة كالساحل وتعزيز العمل الاستخباراتي لرصد أي تحركات ناشئة، إذ قد ينفجر الوضع إذا قررت جهة خارجية تبني هذه التحركات، وتوفير الدعم المالي أو العسكري لها.
وأشار الباحث والمحلل السياسي أيمن الدسوقي، إلى أن انفتاح دمشق على تصويب علاقتها مع لبنان، عبر تبادل السفراء وفتح ملفات خلافية، لا يعني أن التنسيق الأمني بات مسلّمًا به، بل لا يزال في طور الاختبار لكلتا الحكومتين، فضلًا عما يواجهه من تحديات.
فمن جهة، اختبار لمدى قدرة واستقلالية الحكومة اللبنانية على الخوض في ترتيبات أمنية، قد يراها مكون لبناني بأنها موجهة ضده، وانعكاسات ذلك سلبًا على المعادلة اللبنانية الداخلية، وتداعيات ذلك على سوريا، ومن جهة أخرى، هو اختبار لمدى قدرة الحكومة السورية على التعامل مع تعقيد الملف اللبناني وتشابكاته الإقليمية.
وقال الدسوقي، في حديث إلى عنب بلدي، إن غياب مقاربة سورية متكاملة للتعامل مع الملف قد يزيد التكلفة على الحكومة السورية لجهة تحملها موجات من عدم الاستقرار مصدرها لبنان، لا سيما مع أي تغير في المعادلات الإقليمية أو الداخلية اللبنانية.
ويرى الباحث والمحلل السياسي نادر الخليل، أن الدعم الإقليمي والدولي الذي تحظى به دمشق يتيح لها اعتماد مقاربة مركبة لا تقوم على القمع، بل على تسريع مسارات العدالة الانتقالية، والإدماج المشروط بعد تدقيق أمني، وتجفيف الشبكات المالية واللوجستية، إلى جانب خطاب جامع وعفو مدروس وبرامج إعادة دمج ودعم للمجتمعات المحلية، خصوصًا في الساحل، بهدف قطع الولاءات القديمة وبناء ثقة تمنع إعادة إنتاج العنف.
كما تمثل التسريبات الأخيرة، بحسب الخليل، فرصة لإغلاق ملف “الفلول” نهائيًا، إلا أن التعامل الخاطئ معها قد يحوّل الإنذار إلى كارثة إنسانية جديدة.


الصفحات
سياسة









