تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون

في الطريق إلى سوريا ومنطقة جديدتين

03/01/2026 - عبد الوهاب بدرخان


مدونة الأسرة ...عشر سنوات لحماية الاسرة المغربية من الانهيار




الرباط - قبل عشر سنوات، خلقت مدونة الأسرة التي دخلت حيز التنفيذ الحدث على صعيد المملكة المغربية، إذ خرجت إلى الوجود بعد مخاض كبير من قبل الفعاليات النشيطة في مجالي حقوق المرأة والأسرة.


بعد عشر سنوات عن تنفيذ مدونة الأسرة، هناك من يرى أنها جاءت بالخير الكثير للمرأة المغربية وضمنت حقوقها الاجتماعية والأسرية، مقابل من يعتقد أن بنود المدونة حملت في طياتها نقمة للمرأة لأنها أجهزت على بعض من حقوقها وحدت من أفق الإنصاف القانوني الذي كان منتظرا.

فالمناظرات والندوات التي عقدت لتدارس موضوع المدونة تعد بالمئات، بيد أن كل جمعية أو جهة رسمية اجتهدت، خلال طيلة الفترة السابقة، في بسط هذا الإطار الذي شق طريقه بعد صراع إديولوجي مرير داخل المجتمع كاد أن يصل إلى الطريق المسدود وإلى صدام بين القوى المحافظة الممثلة في الإسلاميين ذوي مرجعية معينة في طريقة التعاطي مع المواضيع الخاصة بالمرأة والأسرة، وبين الحداثيين الذين ينطلقون من الفكر الليبرالي المتحرر من كل ما له علاقة بالتشريع الإسلامي، إلا أن التدخل الملكي كان في محله وأنهى الخلاف وأعفى البلاد من أي شرخ بفضل اقتراح مدونة الاسرة حصل عليها توافق. لكن وبعد أن طبقت المدونة واقعيا، ظهرت بعض العيوب لذلك استمرت أصوات في المطالبة بضرورة إعادة النظر في عدد من القضايا منها ثبوت الزوجية والولاية في الزواج واقتسام الممتلكات.

وبمناسبة مرور العشرية الأولى على المدونة، أوضح محمد إكيج، وهو خبير في المدونة ومنتدب قضائي في المعهد العالي للقضاء الرباط لوكالة الأنباء الألمانية (د .ب .ا) أن المدونة صدرت في ظرفية جد حساسة، تميزت بنوع من الشد والجذب بين الأطياف السياسية والمجتمعية، إثر عرض مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية ( في عهد حكومة التناوب عام 2000) وما تضمنه المشروع من بنود تتعلق بإصلاح مدونة الأحوال الشخصية السابقة، إلا أن التدخل الملكي كان حاسما، واستطاع أن ينزع فتيل النزاع حول موضوع يهم جميع المغاربة، ألا وهو موضوع الأسرة.

وقال إكيج، معد برنامج في رحاب المدونة على أمواج إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم، إن قانون مدونة الأسرة حظي بإجماع أو شبه إجماع جميع الأطياف السياسية والمجتمعية ، نظرا لما تضمنه من إصلاحات، اعتبرت بمثابة ثورة هادئة في مجال الأسرة.. وكأي عمل بشري، فإنه لا يمكن أن يتسم بالكمال المطلق، ولا أن تظهر فعاليته وجدواه إلا بعض عرضه على محك التطبيق.

بدا الخبير في مجال مدونة الأسرة متفائلا إذ رصد مجموعة من الإيجابيات، منها أن القانون صيغ بلغة قانونية سلسلة قابلة للفهم من قبل الجميع، بعيدا عن اللغة الفقهية والقانونية الجافة التي كانت تحول، إلى حد ما، عن فهم بعض المقتضيات الخاصة بالعلاقة الأسرية.

كما أن المدونة استطاعت توظيف مقتضيات الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة والطفل التي صادق عليها المغرب، دون المساس بجوهر النصوص الشرعية ومقاصدها المستمدة من الكتاب والسنة، ولم تعد أسيرة مذهب فقهي واحد، هو المذهب المالكي (المعتمد في المغرب)، وإنما استلهمت نصوصها من مجموع المذاهب الفقهية المعتبرة (الحنفي، والشافعي، والحنبلي)، وبل حتى غير المعتبرة (المذهب الظاهري).. كما أنها لم تتقيد بالراجح فقط مما جاء في المذهب المالكي وأخذت حتى بالمرجوح أحيانا، تغليبا للمصلحة الراجحة التي تخدم الأسرة المغربية.

ففي نظر إكيج، فإن "المدونة توسعت في بعض المفاهيم مثل مفهوم الضرر، حيث صار يشمل كل ما هو مادي ومعنوي ونفسي ولفظي، في حين كان مقتصرا على جانبه المادي والحسي الذي غالبا ما يكون نادر التحقق، أو يسهل التحايل عليه.. ومن ثم يتعذر إثباته أمام القضاء، وإيجاد فضاءات خاصة ومستقلة للبت في قضايا الأسرة (أقسام قضاء الأسرة)، وإن كانت هذه الفضاءات لا ترقى في عمومها إلى مستوى تطلعات الأسرة المغربية".

فمدونة الأسرة "رسخت إلى حد كبير مفهوم المساواة بين الجنسين، سواء عند إنشاء الأسرة، حيث نصت على أن يتم بالرضائية لدى الطرفين، أو حين قيام مؤسسة الزواج (تحت رعاية الزوجين)، أو على مستوى الوظائف والمسؤوليات المشتركة القائمة على أساس رعاية الحقوق والواجبات المتبادلة بين الطرفين، أو حتى عند الرغبة في إنهاء العلاقة الزوجية"، يوضح إكيج مضيفا أن المدونة أقرت مجموعة من التدابير الاحترازية التي من شأنها الحد من بعض التعسفات التي كانت تمارس من طرف بعض الأزواج، وهكذا أكدت على إمكانية المتابعة الزجرية في حال ثبوت تدليس الزوج بسبب الإدلاء ببيانات كاذبة أو مزورة عند الرغبة في التعدد أو في حال الرغبة في الطلاق. في المقابل، تحدث إكيج عن بعض السلبيات المتمثلة في التوسع الذي حصل في مفهوم "الشقاق"، مما أدى إلى تَغَـــوُّل المسطرة والتهامها لكل المساطر القضائية الأخرى الخاصة بانفصام العلاقة الزوجية.

إلى جانب عدم نجاعة مسطرة الصلح الأسري المنصوص عليها في المقتضيات الخاصة بالطلاق أو التطليق، بسبب ضعف التأطير القانوني لهذه المؤسسة، التي لم تحدد كيفية تكوينها، ولا مؤهلات الأطراف المشاركة فيها، ولا مدى إلزامية التقارير الصادرة عنها.. فضلا عن كونها تعتمد، حاليا، في الأغلب الأعم على أفراد أسرة الطرفين.

ويضيف إكيج أن المدونة فتحت الباب "لتعسف بعض الزوجات، من خلال إعمال مسطرة الشقاق بشكل مهول، لعدم إلزامية الإثبات هذه المسطرة، وكذا لعدم ترتيب جزاءات زجرية في حال ثبوت تحايل الزوجة في إعمال هذه المسطرة، كما هو الشأن بالنسبة للزوج في مساطر الطلاق والتعدد، وأيضا توسع العمل القضائي في تفسير مفهوم "السبب الموضوعي والاستثنائي" في مسطرة التعدد تحت مسمى إعمال السلطة التقديرية للقضاة، أدى إلى ممارسة نوع من "التعسف" في حق بعض الأزواج الراغبين في التعدد، مما نتج عنه كثرة التحايل على ممارسة هذا الحق عن طريق مسطرة ثبوت الزوجية".

ولم يخف المتخصص إكيج ضعف العمل بمقتضيات المادة 49 من المدونة، خاصة إذا تعلق الأمر بالنزاعات المالية بين الزوجين الذي يفتقر أحدهما إلى ما يسمى "بالمستند الخاص" لإثبات ملاءة الذمة المالية، وهكذا حرم العمل القضائي العديد من ربات البيوت من الإنصاف، رغم أنهن ساهمن بشكل مباشر أو غير مباشر في تنمية ثروات أزواجهن، مما يتطلب ضرورة تدخل المشرع لإنصاف العمل المنزلي واعتباره عملا مدرا للدخل، كما أنه لابد من التنويه إلى إسناد مهام القضاء الأسري إلى ذوي الخبرة الاجتماعية الكافية العارفين بحقيقة العلاقات الأسرية، خصوصا مع تسجيل ضعف الموارد البشرية العاملة بأقسام قضاء الأسرة، كما وكيفا، مقابل كثرة القضايا المعروضة أمام هذه الأقسام.

ووضح كيج أنه رغم الحملات التواصلية للتعريف بمضامين المدونة، إلا أنها تظل غير كافية ، وعزا الأسباب إلى ضعف التعريف بمقتضياتها الشيء الذي يحتاج القيام بمجهودات مضاعفة للتوعية الكافية واللازمة خاصة على مستوى الإعلام المسموع والمرئي، وإشراك جمعيات المجتمع المدني الجادة والمسؤولة، الراغبة في دعم وصيانة كيان الأسرة.

إذ يلاحظ مثلا أن موضوع ثبوت الزوجية من المواضيع التي أثارت نقاشات، ما دفع جمعيات إلى تنظيم لقاءات لتفكيك الإشكالية. ففي نظر الخبير إكيج، فإن هذا يعد من المشاكل التي لم تستطع المدونة الحد منها رغم تنظيم منحت فترتين (2004 إلى 2009 / و 2009 إلى 2014)، فالمشرع انصرف إلى معالجة الظاهرة قبل البحث عن أسبابها الحقيقية التي تنتج عنها.

وكشفت آخر إحصائيات وزارة العدل، بخصوص القضايا الأسرية المسجلة بأقسام قضاء الأسرة سنة 2012، أن عدد رسوم الزواج عرفت ارتفاعا تصاعديا منذ صدور المدونة، إذ انتقل من 236574 رسما سنة 2004 إلى أكثر من 311 ألف حالة زواج خلال سنة 2012 ، وارتفاع معدلات زواج القاصرات في المغرب من 18341 زيجة سنة 2004، الى 39031 خلال 2011. أما أحكام ثبوت الزوجية انتقلت من 6918 حكما عند صدور المدونة إلى 23390 حكما سنة 2008، ثم إلى 38952 حكم سنة 2012. مقابل 45 ألف و122 حكما قضائيا سنة 2011 .

أما موضوع تعدد الزوجات، فإنه في انخفاض مستمر، إذ لم يسجل خلال سنة 2008 إلا نسبة 0.27 في المئة من مجموع العدد الإجمالي لرسوم الزواج، بينما سجل سنة 2004 نسبة 0.38 في المئة ولم يتجاوز نسبة 0.30 في المئة سنة 2011. بينما تراجعت حالات الطلاق (رجعي، اتفاقي، قبل البناء) من 26 ألف حالة سنة 2004 إلى 24 ألف سنة 2012؛ في حين ارتفعت معدلات حالات التطليق سواء للشقاق أو لغيرها من الأسباب، إذ انتقلت من 33 ألف حالة سنة 2011 إلى أزيد من 49 ألف حالة تطليق سنة 2012.

وتؤكد الإحصائيات كذلك استمرار تطور نمو مؤسسة الزواج ، مع ارتفاع زواج القاصرات، وانخفاض كبير في نسبة التعدد، مما يدل على أن المقتضيات التشريعية التي جاءت بها المدونة كانت إيجابية في عدم اللجوء المسرف إلى هذا الخيار. كما أن نسبة انفصام العلاقات الزوجية عرفت ارتفاعا بسبب مساطر التطليق والطلاق، مما يؤكد أن المقاربة القانونية لا تشكل حلا مثاليا للحد من الفراق، وهذا يستدعي ضرورة تبني مقاربة مندمجة تعتمد أساسا ما هو تربوي وتوعوي واجتماعي، إلى جانب ضعف عدد الوثائق المحررة الخاصة لتدبير الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية، وأيضا ضعف نسبة الصلح الأسري يتطلب التفكير في إعادة تنظيم هذه المؤسسة وإشراك أطراف محايدة لحسن استثمار هذه الآلية لحماية الأسرة المغربية من الانهيار.

ا ف ب
الثلاثاء 1 يوليو 2014