تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون

في الطريق إلى سوريا ومنطقة جديدتين

03/01/2026 - عبد الوهاب بدرخان


مصريون معاصرون في "نقادة " يتوارثون صناعات أجدادهم الفراعنة




قنا( مصر) - حجاج سلامة - برع المصريون القدماء في الغزل والنسج وتشهد المناظر التي تزين جدران المقابر بأن مصر القديمة كانت تشتهر جداً بإنتاج الكتان، والذي صنعت منه معظم المنسوجات المصرية القديمة. ولم يكن الكتان وحده هو الليف النسجي المستخدم، فقد عثر أيضًا على منسوجات مصنوعة من صوف الأغنام وشعر الماعز، وألياف النخيل والحشائش وغير ذلك ، وقام المصري القديم باستخدام الالوان منذ اقدم العصور.


وتكشف نقوش ورسوم المقابر والمعابد الفرعونية أن النساء كن يشكلن الغالبية بين المشتغلين في إنتاج المنسوجات ؛ وإن لم يكنَّ في موقع المسؤولية ، حيث اقتصرت معظم الألقاب المتعلقة بإنتاج الأقمشة على الرجال ، وظهرت أيضاً فروق تبين أي جنس استخدم أي نوع من الأنوال ؛ حيث صورت النساء دائماً وهن يستخدمن النول الأفقي ، بينما كان معظم الذين صوروا مستخدمين النول الرأسي من الرجال.

وعلى خطى أجدادهم الفراعنة تمتهن مئات الأسر المصرية بمدينة نقادة فى محافظة قنا بصعيد مصر صناعة النسيج اليدوي وصناعة الفركة وهى عبارة عن شال من الحرير المصنع يدويا والتي تمثل اعتقادا دينياً في بعض الدول الأفريقية بأنها تجلب البركة.

ويقدر عمر هذه الصناعة بآلاف السنين حيث يتوارثها المواطنون فى نقادة عن قدماء المصريين ويطلق عليها الفركة أو كما يقول أصحابها « صنعة الستر » لأنها تستر ولا تغنى ، وتتميز بأنها صناعة عائلية تمارسها الأسرة بجميع أفرادها في المنزل الريفي ، ولذلك ربما لا يخلو منزل فى مدينة نقادة من نول أو أكثر لصناعة الفركة التي تصدر للسودان والدول الأفريقية بجانب تسويقه فى المحافظات المصرية مثل اسوان والأقصر وسوهاج وقنا وأسيوط والمنيا ، ولا توجد أسرة لا يعمل أفرادها في صناعة النسيج ، حيث يعمل الاف من الفنانين الفطريين في هذه الصناعة . لذا تعد مدينة نقادة المصرية المدينة الوحيدة على مستوى العالم التي تتفرد بتلك الصناعة التاريخية التي ورثوها عن أجدادهم الفراعنة واحتكروها بحرفيتهم ومهارتهم فيها . وفى الوقت نفسه كانت وما زالت مصدرا متميزا للدخل القومي ومصدر الرزق الأساسي لمعظم سكان المدينة التاريخية.

وتقول الباحثة المصرية فى شئون التراث الشعبي الدكتورة خديجة فيصل مهدى : أن صناعة الفركة تعد الصناعة الأولى بالمدينة حيث يبلغ عدد الأسر المشتغلة بهذه الصناعة 600 أسرة بنقادة وقرية الخطاره وتوفر حوالي 3000 فرصة عمل تبعا لمراحل الإنتاج اغلبهم من السيدات وكبار السن . ويتذكر العصر الذهبي للفركة السودانية ، حيث كانت تصدر إلى السودان وكان يقدر الإنتاج سنويا حوالي 700 ألف قطعة فركه تقدر قيمتها بحوالي أربعة مليون دولار وكان عدد العاملين بها 10000 أسرة بالمدينة والقرى المجاورة وعدد الأنوال 5000 نول وكانت تجلب الخيوط من شركات مصرية ، أما الآن فتستورد الخيوط من الصين والهند وتعتمد هذه الصناعة في أسعارها على استقرار الأحوال الاقتصادية التي إذا كانت مستقرة كان دخل الأسرة من الصناعة حوالي 300 جنيه شهريا ، وترى الباحثة المصرية أن هذه الصناعة تحتاج إلى مد يد العون من قبل السلطات الحكومية للنهوض بتلك الصناعة حتى يمكن رفع المعاناة عن هذه الفئة وللحفاظ على هذه الصناعة التراثية عن طريق عودة تصدير الفركة السودانية مما يحقق حياة كريمة للمواطنين.

وتنتج المدينة الفركة الدرمانى والسياحية والملاءة الاسناوى« الحبرة » بالإضافة إلى بعض أنواع الأقمشة مثل « المبرد » ، وفى الخمسينيات من القرن الماضي كان يعمل بهذه الحرفة 90% من سكان المدينة حيث كانت تقام الأفراح في يوم التصدير، نظرا لان المدينة تصبح خلية نحل ويدب في شرايينها النشاط . وعن الخامات تقول - عفاف برنابة هارون صاحبة ورشة منزلية تتكون من ثلاثة أنوال احدها لصنع الملاءة الاسناوى والثاني للفركة الدرمانى والثالث للشال المنقوش - أن الخامات تتكون من خيوط حرير أو غزل « فبران » تستورد من الصين أو الهند أو خيوط من الصوف وتبلغ لفة الحرير « 4 كيلو ونصف بمئة وعشرة جنيهات » وتصبغ ، وهناك أيضا خيوط من القطن مصبوغة سعر الكيلو 10 جنيهات وهى متوافرة في الأسواق. وعن طريقة الصناعة تقول أنها تبدأ بصبغ الخيوط بألوان مختلفة في عجانيه من الألومونيوم ويصبغ فيها 10 كيلوجرام في المرة الواحدة ثم تبدأ مرحلة لف الخيوط وتقوم بها السيدة وداد سدراك ناشد وتبلغ من العمر 70 عاما وقد أخذت الحرفة عن أجدادها وتعمل بها منذ 60 عاما ، ثم بعد ذلك مرحلة السدوة ثم بعد ذلك تلف الخيوط ثم تصل إلى مرحلة اللقاية حيث تدخل الخيوط في النير وبعد ذلك في المشط ثم بعد ذلك مرحلة التصنيع بالمكوك على النول ومن العجيب أن المكوك به ريشة حمام صغيرة لا يتم العمل إلا بوجودها ثم بعد ذلك يعرض الإنتاج للجماهير.

وتقول كريستين برنابة هارون المتخصصة على نول منتج القماش الشال المنقوش أنها تعمل من الثامنة صباحا وحتى الخامسة مساء وتصنع قماش المبرد وشال الكهنة وتتقاضى عن ذلك أجرا زهيدا يقدر بحوالي 6 جنيهات عن القطعة الواحدة.

وعن التغطية الإعلامية يقول فادى جاد الرب ابادير - تاجر - إن هذه الصناعة حظيت بتغطية إعلامية كبيرة حيث سجلت بعض القنوات مثل دريم والراى والثانية وطيبة حلقات عن هذه الصناعة كما انه كان يفد على المدينة وفود سياحية من رومانيا للتعرف على هذه الصناعة .

وعن تجارته يقول انه يجمع الإنتاج من كل الأنواع ويقوم بتسويقها بالمدن السياحية مثل الأقصر واسنا وأسوان وكومومبو وادفو والغردقة وشرم الشيخ . وعن جهود المحافظة في مجال الفركة قال إنه تم تدريب 40 شابا وفتاة من حملة المؤهلات المتوسطة لمدة ستة شهور في عام 2005 بمكافأة قدرها 130 جنيها شهريا للمتدرب ووصلت تكلفة هذه الدورة التدريبية إلى 100 ألف جنيه.

و تعد الفركة زى فرعوني يتباهى به الرجال والنساء على السواء لذا لابد من الحفاظ على هذه الصناعة القديمة من الاندثار من خلال إقامة مراكز تدريب للشباب والفتيات للعمل بهذه المهنة مع توفير الاحتياجات اللازمة لهم . بالإضافة إلى الاستعانة بالتجارب المماثلة لإيجاد مسار جديد يحفظ للحرفي استمراريته ويحافظ على إنتاج حرفته اليدوية في وجود سوق نامي. وتقول الدكتورة خديجة فيصل مهدى أن صناعة النسج والفركة وغيرها من الحرف النسجية فى مدينة نقادة المصرية هى واحدة من الصناعات الحرفية في مصر التي ترجع إلى عصور قديمة، فقد اشتهر الصانع والحرفي المصري منذ عهد القدماء المصريين مرورًا بالعهد الروماني ثم الإسلامي، ومن أمثلة هذه الصناعات التي برع فيها الصانع المصري؛ صناعات النسيج والتطريز والحياكة والدباغة، وكانت المرأة المصرية ماهرة في هذه الحرفة ، وما زالت كذلك حتى اليوم ، وأن مثل تلك الصناعات الحرفية انتشرت في جميع أنحاء مصر، لأن هذه الصناعات تعتمد على المواد المتوافرة في البيئة المحلية.

حجاج سلامة
السبت 23 أغسطس 2014