بينما كان المتمردون يطبقون الحصار على دمشق في ٧ كانون الأول ٢٠٢٤، طمأن الأسد مساعديه ومرؤوسيه بأن النصر قريب، ثم فرَّ تحت جنح الظلام على متن طائرة روسية، دون أن يخبر أحداً تقريباً. أتذكر رؤية بيان صدر في ذلك المساء نفسه يعلن أن الأسد كان في القصر يؤدي "مهامه الدستورية". لقد خُدع بعض أقرب مساعديه واضطروا للفرار من البلاد بأي طريقة ممكنة بينما كانت ميليشيات المتمردين تضيء السماء بإطلاق النار احتفالاً.
كانت خيانة الأسد مذهلة في جبنها لدرجة أن بعض الناس وجدوا صعوبة في تصديقها في البداية. ولكن عندما أصبحت الحقائق مستحيلة الإنكار، تحول ولاء الآلاف من الناس بشكل شبه فوري إلى غضب عارم. أقسم الكثيرون أنهم كانوا يكرهونه سراً طوال الوقت. وهناك تعبير في العربية يصف هذا النوع من الذاكرة التصحيحية: "عندما تقع البقرة، تكثر سكاكينها". لكن العاطفة كانت حقيقية بالنسبة للكثيرين، وكذلك الاعتقاد بأن الأسد كان المسؤول الوحيد عن كل ما حدث من أخطاء. قال لي إبراهيم حميدي، وهو صحفي ومحرر سوري: "لا يزال بإمكانك العثور على أشخاص يؤمنون بمعمر القذافي، أو بصدام حسين". "لكن لا أحد الآن يؤمن ببشار الأسد، ولا حتى شقيقه".
لقد وضع الانهيار المفاجئ لنظام الأسد حداً لدولة بوليسية قاسية، ولكن لا توجد الآن دولة سورية تقريباً خارج العاصمة. لقد قام الزعيم الجديد للبلاد، أحمد الشرع، بعمل رائع في استمالة دونالد ترامب وزعماء العالم الآخرين. إلا أنه إسلامي أيضاً وسلطته هشة، وتظل بلاده متقلبة بشكل خطير لدرجة أنها قد تنزلق بسهولة إلى حرب أخرى.
لا يبدو أن أحداً - لا وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ولا الموساد - كان لديه أدنى فكرة أن الأسد سيسقط بهذه السرعة. ولكن في الأيام والأسابيع التي تلت ذلك، بدأ تفسير انهيار نظامه يكتسب رواجاً. فقد انخرط داعمو الأسد، روسيا وإيران، في صراعات أخرى، وتحديداً في أوكرانيا وإسرائيل، ولم تعد لديهم القدرة على حمايته. وكشف انسحابهم المفاجئ عما كان مخفياً في العلن لسنوات: الضعف الرهيب لجيش منهك وفاسد يتقاضى رواتب زهيدة. وكما حدث مع النظام المدعوم أمريكياً في أفغانستان الذي سقط في عام 2021، كانت سلالة الأسد ضحية لتبدلات جيوسياسية أوسع. وبعد وقوع الحدث، بدا سقوطه أمراً محتوماً.
لكن على مدار العام الماضي، تحدثت مع العشرات من رجال الحاشية والضباط الذين سكنوا القصر في دمشق، وهم يروون قصة مختلفة. يصف الكثيرون حاكماً منفصلاً عن الواقع، مهووساً بالجنس وألعاب الفيديو، وكان من المحتمل أن ينقذ نظامه في أي وقت خلال السنوات القليلة الماضية لو لم يكن عنيداً ومغروراً. في هذه الرواية، لم تكن الجيوسياسية هي التي قضت على النظام. لم تكن أي من دول المنطقة تريد سقوط الأسد، وقدم له العديد منها طوق نجاة. ولو كان قد تمسك بها، لكان من شبه المؤكد أنه يجلس في القصر الآن. حتى في الأيام الأخيرة، كان وزراء الخارجية يتصلون ويعرضون صفقات، لكنه لم يُجب. يبدو أنه كان عابساً، وغاضباً من الاقتراح بأنه قد يضطر للتخلي عن العرش. في النهاية، ربما كان الموالون للأسد الذين يشعرون بالمرارة محقين؛ كان الأمر كله يتعلق ببشار.
ربما يعتقد كل المستبدين أنهم لا يقهرون، لكن كان لدى الأسد سبب خاص لثقته المفرطة: لقد نجا بالفعل من تجربة الموت مرة واحدة. وصلت انتفاضات الربيع العربي إلى سوريا في عام 2011 واشتعلت لتتحول إلى حرب أهلية. حمل جزء كبير من سكان البلاد السلاح ضد حاكمهم، ولم يتوقع أحد تقريباً أن ينجو الأسد. أعلن باراك أوباما في عام 2012: "ليس لدي أدنى شك في أن نظام الأسد سيكتشف قريباً أن قوى التغيير لا يمكن عكسها". كان أوباما واثقاً جداً لدرجة أن وزارة خارجيته ساعدت في تمويل "مشروع اليوم التالي" للاستعداد لسوريا الجديدة. طلب مني محرروني في صحيفة "نيويورك تايمز" كتابة نعي لسلالة الأسد، وأتذكر أنني فكرت في أنه يجب عليّ إنجازه بسرعة. لا يزال النعي في ملفاتي.
كان من المحتمل أن يُنشر ذلك النعي في عام 2015 لولا تدخل "المنقذ الإلهي" (Deus ex machina) المتمثل في فلاديمير بوتين. غيّر التدخل الروسي الذي بدأ في سبتمبر من ذلك العام كل شيء بالنسبة للأسد. فموجات الغارات الجوية القاتلة التي شنتها طائرات سوخوي وتوبوليف الروسية، بالتعاون مع الميليشيات الإيرانية والشيعية، حولت الزخم في ساحة المعركة، موجهة ضربات شرسة لقوات المتمردين. وبحلول ذلك الوقت، كانت المعارضة السورية، التي كان يقودها في السابق متظاهرون سلميون، قد أصبح يسيطر عليها إسلاميون منقسمون وضعفاء، وكان من السهل وصمهم بالوحشية التلفزيونية لتنظيم الدولة الإسلامية، المعروف بـ "داعش".
بحلول أواخر عام ٢٠١٧، كان الأسد قد كسب الحرب تقريباً. كان نظامه يسيطر على المدن الكبرى، وانحصرت المعارضة في محافظة إدلب الشمالية الغربية، حيث كان قيادي سابق في تنظيم القاعدة يدعى أحمد الشرع (المعروف آنذاك باسم أبو محمد الجولاني) يبرز كشخصية قيادية. تلك اللحظة الخادعة من النصر، كما أخبرني العديد من السوريين، كانت اللحظة التي بدأ فيها كل شيء يسير نحو الخطأ. لم يبدُ أن الأسد يفهم أن انتصاره كان أجوفاً. فقد تحولت أجزاء كبيرة من بلاده إلى ركام. وانكمش الاقتصاد حتى كاد يتلاشى، وكانت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا تثقل كاهله أكثر. وقد رُهنت سيادة سوريا جزئياً لروسيا وإيران، اللتين كانتا تضغطان على دمشق للحصول على أموال لسداد استثماراتهما في الصراع. ولم يكن أنصار الأسد، الذين عانوا سنوات من الحرب والنضال، ليصبروا إلى الأبد. ومع انتهاء القتال، بدأوا يتوقعون نوعاً من الانفراج.
كان بإمكان الأسد أن يمنح شعبه ما يريد. كانت دول الخليج العربية تملك المال والنفوذ لإعادته من عزلته، وفي عام 2017، بدأت الإمارات العربية المتحدة في التواصل مع دمشق. لكن كان لديها شرط، وهو الشرط نفسه الذي كانت تسعى إليه منذ ما قبل الحرب الأهلية: كان على الأسد أن ينأى بنفسه عن إيران. ولطالما اعتبرت دول الخليج أن الثيوقراطيين الثوريين في طهران هم أكبر تهديد لهم، وكان تحالف سوريا الطويل الأمد معهم - الذي صاغه والد بشار، حافظ الأسد - نقطة خلاف مع جميع القادة العرب الآخرين. بالنسبة لسوريا، كان استبدال رفقة إيران المشبوهة بثروة الخليج أمراً منطقياً للغاية. ولكن كانت هناك عقبة: لم يكن ذلك بالضرورة الخيار الأفضل لعائلة الأسد. فعلى عكس دول الخليج والغرب، أوضح الإيرانيون دائماً أنهم سيفعلون أي شيء لإبقاء الأسد في السلطة. كل ما كان عليه فعله في المقابل هو الاستمرار في تسهيل تزويد طهران لحزب الله، الميليشيا اللبنانية القوية التي كانت اللاعب النجم في "محور المقاومة"، بالأسلحة والمال عبر الأراضي السورية.
توصل الأسد إلى تقارب متواضع مع الإماراتيين، الذين أعادوا فتح سفارتهم في دمشق عام 2018، لكنه رفض قطع علاقاته مع إيران. أخبرني خالد الأحمد، وهو سياسي محنك في الدائرة المقربة من الأسد كان قد تفاوض على الصفقة مع الإماراتيين وكان يعتقد لفترة وجيزة أن الانتقال السياسي الحقيقي ممكن، أنه خلص أخيراً إلى أن الأسد غير قادر على تغيير مساره. قال لي واصفاً الأسد: "قررتُ انه كان معضلة كبرى لا يمكن تجاهلها Dead Elephant in the room ". (يعمل الأحمد الآن مستشاراً للحكومة السورية الجديدة) .
في هذا الوقت تقريباً، توصل مسؤول أمن قومي إسرائيلي شاب إلى النتيجة ذاتها وبدأ يحث رؤساءه على تنظيم انقلاب داخلي ضد الأسد. لطالما نظر الإسرائيليون إلى الأسد كعدو يمكن إدارته - شخص يردد كل الشعارات المعتادة عن العدو الصهيوني لكنه يبقي الحدود بين البلدين هادئة. لكن المسؤول الإسرائيلي، الذي لم يعد في الخدمة الحكومية وتحدث معي بشرط عدم الكشف عن هويته، أخبرني أنه حوالي عام 2019، بدأ يخشى أن الأسد أضعف من أن يمكن الاعتماد عليه. قال: "كان النظام قشرة فارغة".
رفضت القيادة الإسرائيلية اقتراح الانقلاب. كانت الفكرة قد نوقشت بشكل دوري على مر السنين في تل أبيب وواشنطن لكنها لم تصل إلى مدى بعيد، ربما لأن والد الأسد قد أنشأ عمداً نظاماً يُبقي المنافسين المحتملين تحت السيطرة أو المراقبة. قال المسؤول الإسرائيلي السابق: "كان الجميع في المنطقة مرتاحين لوجوده هناك". "كونه ضعيفاً، ولا يشكل تهديداً لأحد".
يبدو أن الأسد أساء فهم هذا التوافق الضمني واعتبره قوة. قال لي مسؤول سياسي سابق في حزب الله كان يتردد كثيراً على سوريا خلال تلك السنوات (طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً من التداعيات): "كان بشار يعيش في عالم خيالي... الإيرانيون يحتاجون إلي . والروس ليس لديهم خيار. أنا الملك". بدأ داعمو الأسد يتذمرون، لكن الزعيم السوري لم يستمع. في عام 2019، قال المسؤول السابق في حزب الله، بدأ الروس والإيرانيون يضغطون عليه لإجراء إصلاحات رمزية في الغالب لاسترضاء الدول الغربية وتخفيف عبء العزلة الاقتصادية عن سوريا. كذب الأسد وماطل، بحسب المسؤول. قال وزير الخارجية الإيراني في ذلك الوقت، محمد جواد ظريف، في مقابلة حديثة مع قناة الجزيرة إنه حث الأسد على "الانخراط مع المعارضة" لكن الزعيم السوري، الذي كان "سكرانا بالنصر"، ماطل.
ولعل المثال الأكثر لفتاً للانتباه على تبلد الأسد جاء خلال إدارة ترامب الأولى. ففي عام 2020، أرسلت واشنطن مسؤولين، هما روجر كارستينز وكاش باتيل، إلى لبنان لتحديد مكان أوستن تايس، الصحفي الأمريكي الذي اختفى في سوريا عام 2012 وكان يُعتقد أنه في أيدي نظام الأسد. اصطحب عباس إبراهيم، المدير العام للأمن العام اللبناني آنذاك، الرجلين إلى دمشق، حيث التقيا بأحد كبار مسؤولي الأمن لدى الأسد، وهو شخصية مخيفة تدعى علي مملوك. طرح الأمريكيون موضوع تايس، كما أخبرني كارستينز، فرد مملوك بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى رفع العقوبات وسحب قواتها من سوريا قبل مناقشة أي طلب أمريكي. أخبرني إبراهيم، الذي شارك في الاجتماع وتذكر بعض التفاصيل بشكل مختلف، أنه رأى ملاحظة مملوك كمناورة افتتاحية ولم يتوقع أبداً أن يقدم الأمريكيون مثل هذه التنازلات الكاسحة.
ولدهشة كل من إبراهيم ومملوك، أبدت الحكومة الأمريكية موافقتها على صفقة مقابل دليل على أن تايس لا يزال حياً. طار إبراهيم بعد ذلك إلى واشنطن، حيث قيل له إن ترامب أكد الموقف الأمريكي. لكن إبراهيم ذُهل أكثر عندما تلقى الرد من الأسد: لا صفقة، ولا مزيد من المحادثات. سأل إبراهيم عن السبب، فأخبره مملوك أن ذلك "لأن ترامب وصف الأسد بالحيوان" قبل سنوات. قال إبراهيم لنظيره السوري إن هذا جنون. حتى لو كان تايس ميتاً، فإن الأمريكيين سيلتزمون بجانبهم من الصفقة طالما تمكنوا من معرفة ما حدث له و"إغلاق الملف". (كانت هناك تقارير متضاربة حول ما حدث لتايس، بما في ذلك بعض التقارير التي تشير، دون دليل، إلى أن ضابطاً في نظام الأسد ربما قتله). كان الأمريكيون تواقين لأي شيء يمكنهم الحصول عليه، كما ذكر لي إبراهيم: "تلقيت اتصالاً من بومبيو ذات مرة؛ قال: أنا مستعد للطيران بطائرة خاصة إلى سوريا، ومستعد لمصافحة أي شخص".
كانت هذه "فرصة ذهبية" للأسد، الذي كان من المفترض أن يلتقي بوزير الخارجية الأمريكي آنذاك مايك بومبيو، ويخبره بأسف أن النظام لا يعرف ما حدث لتايس، كما قال إبراهيم. كان الاجتماع بحد ذاته سيضفي شرعية جديدة على الأسد، ويجعل الدول الأخرى أكثر ميلاً للتواصل معه. جددت إدارة بايدن العرض في عام 2023، وأرسلت وفداً رفيع المستوى إلى عمان للقاء مسؤولين سوريين بشأن تايس. هذه المرة، تصرف الأسد بشكل مهين تقريباً، كما قال إبراهيم، رافضاً حتى إرسال مسؤول كبير لمقابلتهم. بدلاً من ذلك، أرسل سفيراً سابقاً تلقى تعليمات صارمة بعدم الحديث حتى عن تايس.
لعل الانهيار الخاطف لنظام الأسد، بما حمله من غرور وافتقار للحكمة، يُعدّ من منظور اليوم أقل مدعاة للدهشة من لغز بقائه في السلطة لكل هذا الزمن الطويل. والسبب في ذلك يعود إلى والده، الذي بنى نظاماً قوياً وشرساً لدرجة أنه نجا من 25 عاماً من سوء إدارة الابن. أحد الدروس المستفادة من سقوط الأسد هو درس قديم جداً: نقطة الضعف الكبرى لجميع السلالات السياسية هي مشكلة الخلافة.
كان حافظ الأسد دكتاتوراً من الطراز الكلاسيكي، رجلاً داهية وقوي الإرادة صعد من الفقر الريفي عبر الجيش واستولى على السلطة في انقلاب عام 1970. كان لديه عبقرية في تقويض ومراوغة منافسيه، وجعل الدكتاتورية تبدو طبيعية. كان هذا ما أراده العديد من السوريين بعد السنوات الفوضوية التي تلت استقلال بلادهم عن فرنسا عام 1946. كتب جمال عبد الناصر، الزعيم المصري الذي جسد الدور البطولي بامتياز في الخمسينيات والستينيات وساعد في خلق الفكرة الحديثة عما يجب أن يكون عليه الدكتاتور العربي: "لسبب ما يبدو لي أن هناك دوراً داخل الدائرة العربية يتجول بلا هدف بحثاً عن بطل".
أما بشار فكان مختلفاً. حتى أولئك الذين يطأون أرض سوريا للمرة الأولى كان بوسعهم إدراك أنه لا يمتلك هيبة المقام؛ فقد كان ذقنه ضامراً، وعيناه زائغتين، بينما بدا رأسه وعنقه متطاولين بغرابة، وكأنه تعرض لضغط هائل أثناء عبوره قناة الولادة. وحين كان الناظر يتأمل صوره التي تغرق اللوحات الإعلانية في كل زاوية من سوريا، كان يسهل عليه الشعور بأن أحدهم قد دبر مزحة، فاستبدل رأس الزعيم برأس تلميذ مضطرب.
وعندما يبدأ بالحديث، يزداد الانطباع سوءاً. كان صوته دقيقاً مشوباً بخنة أنفية، وكان يبدو عليه التبرم الدائم أثناء إلقاء الخطب، وكأنه يتلهف للخلاص منها. وفي ثقافة تُعلي من شأن الفصاحة والهيبة، كان هو مفتقراً لكلتيهما.
لقد أخبرني العديد ممن عرفوا بشار أن جذور انعدام ثقته بنفسه تمتد إلى سنوات نشأته الأولى. فقد كان شقيقه الأكبر، باسل، يتنمر على إخوته الأصغر سناً بقسوة بالغة، لدرجة أنه شوه تكوينهم النفسي بشكل دائم، وفقاً لما رواه لي أحد المصادر المطلعة سابقاً على خبايا القصر.
وتتجلى هذه العلاقات الأسرية المعقدة في صورة شهيرة التقطت حوالي عام 1993؛ إذ يتوسط باسل الإطار بملامح تنطق بالخيلاء وشيء من الضجر، بينما يجلس والداه أمامه ويحيط به أشقاؤه من الجانبين. أما بشار فيقف على اليسار، وقد أمال جسده قليلاً وكأنه ينأى بنفسه، بينما يكسو القلق وجهه. وعلى خلاف البقية، يبدو نظره شارداً إلى ما وراء المصور، وكأنه يتحسس طريقاً للفرار.
وصل بشار إلى السلطة عن طريق الصدفة. كان باسل، الضابط العسكري والفارس في قفز الحواجز الذي كان يُعرف بـ "الفارس الذهبي" لسوريا، هو الوريث الظاهر. لكنه توفي في حادث سيارة عام 1994. سحب حافظ بشار من لندن، حيث كان يتدرب ليكون طبيب عيون، وبدأ في إعداده ليكون الزعيم القادم.
وجد الكثيرون في دوائر المعارضة السورية في البداية أن حرج بشار وخجله أمر جذاب. وحقيقة أنه لم يكن يشبه الدكتاتور أشعلت آمالهم في أنه سيكون أكثر لطفاً وتسامحاً. لفترة وجيزة، بدا أن هذا صحيح. خلال "ربيع دمشق" الذي أعقب تولي بشار السلطة بعد وفاة والده عام 2000، بدا أن هامش حرية التعبير يتسع. لكن سرعان ما تلت ذلك حملة قمع، وفي السنوات التالية، بدا أن سيكولوجية الأسد تعمل في الاتجاه المعاكس. كان خائفاً جداً من أن يُنظر إليه على أنه ضعيف، وبدا أنه يعتقد أنه يتعين عليه أن يثبت، مراراً وتكراراً، أنه قادر على الارتقاء إلى مستوى الوحشية المتوقعة منه.
تحدثت مع ما لا يقل عن عشرة أشخاص عرفوا الأسد، وعلقوا جميعاً على عناده. قال الكثير منهم إنه لا يستمع إلى النصائح، وغالباً ما يبدو مستاءً من سماعها. قيلت أشياء مماثلة عن والده، المفاوض المعروف بعدم المساومة. كان على كلا الرجلين "المساومة والتلاعب بمراكز القوى داخل هذا النظام الغامض من أجل التوصل إلى إجماع"، كما قال لي ديفيد ليش، الباحث في جامعة ترينيتي الذي أجرى مقابلات مكثفة مع بشار في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. لكن الأسد كان يفتقر إلى صلابة والده الفطرية. وفقاً لبعض الذين عرفوه ودرسوه، كان جموده يخفي عدم ثقة في حكمه الخاص.
هذا الشعور بعدم الأمان، كما أخبرني البعض، يجعله أيضاً سريع التأثر. كان معجباً بشكل خاص بحسن نصر الله، زعيم حزب الله، وهو شخصية تتمتع بشعبية هائلة وكاريزما. يبدو أن الأسد صدق الدعاية التي كان نصر الله يغذيها له، ربما لأنها كانت ما يريد سماعه: أن محور المقاومة سيوجه ضربة قوية لإسرائيل، وأنه بعد ذلك، سيكون الأسد قادراً على وضع أي شروط يريدها للسلام. بعبارة أخرى، لن يضطر الأسد إلى اتخاذ أي خيارات صعبة أو تقديم تضحيات. كل شيء سيقدم له على طبق من فضة.
في ٧ تشرين الأول ٢٠٢٣، لا بد أن الأسد تخيل لبضع ساعات أن نبوءات نصر الله قد تحققت. اجتاح مقاتلو حماس السياج الحدودي من غزة وذبحوا أكثر من ١٠٠٠ شخص. بدت إسرائيل - شمشون المنطقة - ضعيفة وغير مستعدة. لكن سرعان ما بدأت إسرائيل بشن آلاف الغارات الجوية ليس فقط على غزة بل أيضاً على لبنان وسوريا. لم يقل الأسد شيئاً عن هذه الحملة ضد حلفائه، التي أدت في النهاية إلى مقتل نصر الله نفسه. ربما كان يأمل في إبقاء اسمه خارج قائمة أهداف إسرائيل. لكن وفقاً لوئام وهاب، الشخصية السياسية اللبنانية المقربة من النظام السوري، فإن صمت الأسد غذى الشكوك الإيرانية بأنه كان يسرب معلومات للإسرائيليين. كان محور المقاومة ينهار.
كان حرياً بتلك التطورات أن تثير قلق الأسد، لا سيما في ظل حقيقة أن روسيا - حاميه الآخر - كانت غارقة في المستنقع الأوكراني. بيد أن أجواء القصر لم تكن لتسمح بصفاء الذهن؛ إذ كان الأسد يمضي جل وقته مستغرقاً في لعبة "كاندي كراش" وغيرها من ألعاب الفيديو على هاتفه، بحسب رواية مسؤول سابق في حزب الله.
وقد عمد الأسد إلى تهميش "رجال الظل" ذوي النفوذ (Éminences grises) من عهد والده، واستعاض عنهم بدائرة ضيقة من شخصيات شابة مشكوك في كفاءتها. ومن بين هؤلاء برزت لونا الشبل، المذيعة السابقة في قناة الجزيرة، التي لم تقتصر علاقتها بالأسد على كونها عشيقته، بل تجاوزت ذلك لتلعب دور الوسيط في تأمين نساء أخريات له - بمن فيهن زوجات ضباط سوريين كبار - وذلك وفقاً لشهادات مطلعين سابقين داخل القصر ومسؤول إسرائيلي سابق.
ويبدو أن الشبل، المتزوجة أصلاً من أحد رجالات النظام، قد غذّت نزعة التعالي لدى الأسد - ابن القصور - وعززت نظرته الدونية للمواطنين العاديين. في تسجيل ظهر في ديسمبر الماضي، يمكن سماع الأسد والشبل يضحكون باستهزاء حول ادعاءات حزب الله ويسخرون من الجنود الذين يحيونهم أثناء قيادتهم عبر إحدى ضواحي دمشق. يقول الأسد، الذي كان خلف عجلة القيادة، في مرحلة ما عن السوريين الذين يمرون بهم في الشارع: "ينفقون المال على المساجد، لكن ليس لديهم ما يكفي للأكل".
ولإدراك مدى بشاعة تعليق الأسد، عليك أن تعلم أنه كان يعكف على مراكمة ثروة شخصية طائلة - جلّها من عوائد تهريب المخدرات - في وقت كان فيه السواد الأعظم من السوريين على شفا المجاعة. إذ كان الجنود العاديون يتقاضون رواتب زهيدة قد تصل بالكاد إلى ١٠ دولارات شهرياً، وهو مبلغ يقل كثيراً عن حد الكفاف. وقد هوت الليرة السورية، التي كان سعر صرفها يوماً ما ٤٧ ليرة للدولار، لتصل إلى ١٥٠٠٠ ليرة للدولار بحلول عام ٢٠٢٣. وازدادت وطأة الفقر بعد عام ٢٠٢٠، حين فرض الكونغرس الأمريكي حزمة عقوبات قاسية أخرى بموجب "قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا".
حتى المؤيدون التقليديون من الأقلية العلوية - الطائفة التي ينتمي إليها الأسد - بدؤوا يتذمرون من الفاقة. فقد روى لي أحد أفراد عشيرة الأسد المقيمين في أوروبا أنه زار سوريا عام 2021، وصُدم حين اكتشف أن ضباطاً من "الحرس الجمهوري" - نخبة القوات العسكرية - المكلفين بحماية عائلته المباشرة، قد بلغ بهم العوز حداً جعلهم يقضون ساعاتهم خارج الخدمة باعةً متجولين يعرضون الفاكهة والسجائر في الشوارع. لقد حافظ الأسد وعائلته على رفاهيتهم عبر تحويل سوريا إلى "دولة مخدرات" (Narco-state)، حيث تولى ماهر، شقيق بشار، الإشراف على تصنيع وتهريب كميات مهولة من "الكبتاغون"، وهو منشط غير قانوني. ورغم أن تجارة المخدرات هذه درّت المليارات على الأسد، إلا أنها أشعلت أزمة إدمان في دول الخليج والأردن، مما أثار حفيظة قادتها.
ويبدو أن جنون العظمة لدى الأسد قد نحى منحىً غريباً في السنوات الأخيرة. فوفقاً للأحمد، توصّل الأسد إلى قناعة بأنه بحاجة لامتلاك "أدوات مُلك" تضاهي ما لدى بوتين وحكام الخليج، بما يشمل احتياطيات نقدية ضخمة تكفي لتمويل الميليشيات وإعادة هيكلة الاقتصاد.
ولعل تعليقات الأسد لمحاور روسي في أشهره الأخيرة في الحكم تشي بهذا الولع بالسلطة المطلقة. فحين سُئل عن مساوئ الديمقراطية، أجاب بابتسامة ازدراء: "في الغرب، الرؤساء، وخاصة في الولايات المتحدة، هم مجرد مديرين تنفيذيين، لكنهم ليسوا المُلاّك".
في تموز ٢٠٢٤، ومع هيمنة الحرب في غزة على العناوين الرئيسية، عُثر على لونا الشبل ميتة في سيارتها الـ BMW على طريق سريع خارج دمشق. وصف إعلام النظام الحادث بأنه حادث سير، لكن الظروف كانت غريبة: وفقاً لبعض التقارير، كانت السيارة متضررة بشكل طفيف فقط، ومع ذلك كان جمجمتها مهشمة. انتشرت الشائعات بسرعة بأنها قُتلت بأوامر من طهران لتزويدها الإسرائيليين بمعلومات الاستهداف. لكن الأسد هو الذي أمر بقتل عشيقته السابقة، كما أخبرني المسؤول الإسرائيلي السابق وشخصان لهما صلات بالنظام. أصبحت الشبل عميلة روسية بحكم الواقع، حيث زودت موسكو بمعلومات حول أنشطة إيران في سوريا، كما قال المسؤول الإسرائيلي السابق. ربما شعرت أن النهاية قادمة للأسد وأنها بحاجة إلى حامٍ آخر. كان من المستحيل تأكيد هذه الرواية؛ فالمسؤولون الروس لا يعلقون على مسائل الاستخبارات.
حينما يهوي الطاغية، قد يجنح بنا الخيال لتصوير لحظة أخيرة من الوعي المأساوي بالذات؛ لحظة مكاشفة مع النفس، كتلك التي عاشها أوديب حين فقأ عينيه، أو ماكبث وهو يصرخ غضباً في العراء. بيد أنني لا أحسب أن الطغاة في عالم الواقع يسقطون على هذا النحو؛ فهم يتقنون ببراعة فن خداع أنفسهم.
بالنسبة للأسد، بدأ الفصل الأخير في
تشرين الثاني ٢٠٢٤. كانت الميليشيات المتمردة بقيادة أحمد الشرع تضغط للحصول على إذن تركيا لشن عملية عسكرية، وأخيراً منحهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ذلك. (نفت تركيا التورط الرسمي في العملية) .
فعل أردوغان ذلك على مضض. طوال العام، كان يطلب من الأسد مقابلته. كانت مطالبه متواضعة جداً: مصالحة سياسية وصفقة للسماح لملايين اللاجئين السوريين في تركيا بالعودة إلى ديارهم. لكن الأسد تصرف وكأنه يملك كل الأوراق، رافضاً الاجتماع ما لم يوافق أردوغان مسبقاً على سحب جميع القوات التركية من سوريا. يبدو أن عملية المتمردين التي وافق عليها أردوغان كانت تهدف إلى حث الأسد على التفاوض؛ تم تأطيرها ليس كغزو بل كخطوة دفاعية.
عندما زحف المتمردون نحو مدينة حلب في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، كان الأسد في روسيا، حيث كان ابنه يدافع عن أطروحة الدكتوراه في نظرية الأعداد وتمثيلات كثيرات الحدود في جامعة موسكو الحكومية. وبينما كانت دفاعات حلب تتهاوى، ظل الأسد في موسكو، مما أثار صدمة واستياء قادته في الوطن. يبدو أنه كان يأمل في إقناع بوتين بإنقاذه. لكن الرئيس الروسي تركه ينتظر لأيام، وعندما التقيا أخيراً، كان اللقاء قصيراً جداً. وفقاً للمسؤول الإسرائيلي السابق الذي تحدثت معه، أخبر بوتين الأسد أنه لا يستطيع خوض حربه نيابة عنه، وأن الأمل الوحيد للزعيم السوري هو الذهاب إلى أردوغان وإبرام صفقة. لطالما قدر الروس علاقتهم الاستراتيجية بتركيا أكثر بكثير من علاقتهم بسوريا. من المستحيل معرفة ما إذا كان الأسد قد استوعب ذلك. لكن بوتين لم يكن ليشن حرباً جديدة ضد حلفاء تركيا المتمردين فقط لإنقاذ دكتاتور تافه يفر جنوده.
كانت حلب قد سقطت في يد المتمردين بحلول الوقت الذي هبط فيه الأسد عائداً إلى دمشق. بعد ساعات قليلة فقط، طار إلى أبو ظبي، عاصمة الإمارات العربية المتحدة، كما أخبرني الأحمد. ليس من الواضح بمن التقى أو ما قيل. كان الإماراتيون يخشون ميليشيات الشرع الإسلامية بقدر ما يخشون طهران. لكن لم يكن لديهم قوات على الأرض.
وفي دمشق، لجأ الأسد إلى مناورة أخيرة، مستحضراً "أدوات المُلك" التي دأب على تكديسها لسنوات. فقد أذاع نبأً مفاده استعداده لدفع رواتب فلكية للمتطوعين القادرين على سرعة إعادة حشد الميليشيات التي كانت قد حسمت الحرب الأهلية لصالحه سابقاً - وذلك بحسب رواية الأحمد.
غير أن السحر انقلب على الساحر؛ إذ حين تناهى الخبر إلى مسامع الجنود النظاميين الذين كابدوا سنوات من شظف العيش برواتب لا تسمن ولا تغني من جوع، استشاطوا غضباً، وبلغ بهم السخط حداً دفع الكثيرين منهم إلى هجر مواقعهم.
كان المتمردون قد استولوا الآن على مدينة حماة وكانوا في طريقهم إلى حمص، على بعد ١٠٠ ميل شمال العاصمة. في الوقت نفسه، بدأ قادة الحرس الثوري الإيراني الذين ساعدوا في دعم النظام في حزم أمتعتهم والمغادرة. علم الجنود السوريون بانسحاب حلفائهم، وانتشر الذعر بين الصفوف. تقدم المتمردون جنوباً دون مقاومة تقريباً.
في ٧ كانون الأول ٢٠٢٤، عقد وزراء خارجية روسيا وسبع دول شرق أوسطية اجتماعاً طارئاً على هامش مؤتمر أمني سنوي في الدوحة، العاصمة القطرية. لم يكن أي منهم يريد انهيار نظام الأسد. أصدروا بياناً يدعو إلى إنهاء العمليات العسكرية وانتقال سياسي مرحلي، بناءً على قرار لمجلس الأمن الدولي صدر قبل عقد من الزمن. كانوا بحاجة إلى موافقة الأسد على ذلك وتسهيله، ولكن كانت هناك مشكلة: لم يتمكن أحد من الوصول إليه. بدا أنه أغلق هاتفه.
أعطاني أحد أعضاء حاشية الأسد الذي كان معه في الساعات الأخيرة الرواية التالية، طالباً عدم الكشف عن اسمه لأنه لا يزال يعيش في المنطقة. عاد الأسد من القصر إلى مقر إقامته الخاص في حي المالكي بالعاصمة حوالي الساعة ٦ مساءً. بدا هادئاً، وذكر أنه طمأن للتو ابن خاله إيهاب مخلوف بأن لا داعي للقلق؛ سيجد الإماراتيون والسعوديون طريقة لوقف تقدم المتمردين. (قُتل مخلوف بالرصاص في وقت لاحق من تلك الليلة أثناء فراره بالسيارة إلى لبنان) .
في الساعة ٨ مساءً، وردت أنباء عن سقوط حمص في يد المتمردين. أثار ذلك الخوف في الحاشية. لكن الأسد أكد لمساعديه أن قوات النظام قادمة من الجنوب لتطويق العاصمة والدفاع عنها. لم يكن هذا صحيحاً، ولم تستطع مصادري الجزم بما إذا كان الأسد يصدق ذلك. في الساعات التي تلت ذلك، بدا أنه يتأرجح بين اليأس والتأكيدات الواهمة بأن النصر قريب - وهي حالة ذهنية ستكون مألوفة لأي شخص شاهد فيلم "السقوط" (Downfall)، حول أيام هتلر الأخيرة في قبو الفوهرر في برلين.
بعد الساعة ١١ مساءً بقليل، وصل منصور عزام، أحد كبار مساعدي الأسد، إلى المنزل مع مجموعة صغيرة من المسؤولين الروس. ذهبوا إلى غرفة مع الأسد للتحدث. أخبرني مصدري أنه يعتقد أن الروس كانوا يعرضون للأسد مقاطع فيديو تثبت أن قوات النظام لم تعد تقاتل. بحلول الساعة ١ صباحاً، وصلت أنباء إلى الحاشية بأن العديد من أنصار النظام استسلموا ويفرون من العاصمة إلى الساحل السوري، المعقل العلوي.
في الساعة ٢ صباحاً، خرج الأسد من جناحه الخاص وأخبر سائقه القديم أنه سيحتاج إلى سيارات. أعطى أوامر للموظفين ببدء حزم أمتعته بأسرع ما يمكن. كانت مجموعة من الروس خارج المنزل. حتى تلك اللحظة، كان الكثيرون في الحاشية يعتقدون أن الأسد سيذهب إلى القصر الرئاسي لإلقاء خطاب مقاومة لأتباعه. الآن فهموا أخيراً أن المعركة انتهت. كان يتخلى عنهم إلى الأبد. تحرك الأسد نحو الباب الأمامي، هذه المرة مع اثنين من مساعديه وابنه حافظ. قيل للآخرين إنه لا يوجد مكان لهم.
وقف سائق الأسد الكهل عند الباب، يرمق الرئيس بنظرة تفيض بخيبة أمل لا تخطئها العين. وبادره بالسؤال: "أحقاً ستتركنا وترحل؟".
التفت إليه الأسد. وحتى في ذلك الرمق الأخير، أبى أن يتحمل وزر ما حل ببلاده. ففي قناعته، لم يكن هو من خان أتباعه، بل هم الذين خذلوه، حين نكصوا عن التضحية بأرواحهم في سبيل إدامة ملكه.
سأله الأسد: "وأنتم؟ ألن تقاتلوا؟".
ثم استدار وغاص في عتمة الليل.. حيث كان الروس في الانتظار
--------
اتلانتيك


الصفحات
سياسة









