أزمة الإدمان تتفاقم بين العاملين في مطاعم أمريكا الشمالية



بورتلاند (أوريجون) - يتجمع حوالي 20 شخصا حول طاولة طويلة في مبنى قديم من الطوب، حيث مقر شركة "جاكوبسن سولت" في بورتلاند بولاية أوريجون على الساحل الغربي للولايات المتحدة.


ويرتبط هؤلاء الأشخاص جميعا بطريقة ما بصناعة المطاعم: كبار طهاة أو طهاة متخصصون أو يعملون في مجال الخدمة أو تقديم المشروبات أو أصحاب مطاعم سابقين. جميعهم حريصون على الحفاظ على "التعافي". يقرأ جابرييل روكر، الذي يقع مطعماه "لو بيدجن" و "كانارد" على بعد نحو ميل واحد، مقدمة ثم يفتتح الفرع المحلي الوحيد لمجموعة "أصدقاء بن" في منطقة الساحل الغربي. وتُعنى هذه المجموعة بدعم معاقري الكحوليات والمدمنين من العاملين في صناعة المطاعم. يتحدث روكر عن ضغوط العمل، وسرعان ما توسع النقاش ليشمل قضايا معروفة تتعلق بساعات العمل الطويلة، والمواقف الصعبة التي قد تحدث بالمطابخ، والمخاوف المتعلقة بالأجور، وتأثير العمل في هذا القطاع على الحياة الأسرية للعاملين فيه. ينهض روكر، وهو شخص طويل القامة بذراعين يكسوهما الوشم بسرعة ويقدم القهوة لمن فرغت أكوابهم، ثم يركض إلى الطابق السفلي لإعداد وعاء آخر من القهوة. ويشبه هذا الاجتماع إلى حد ما اجتماعات منظمة "مدمنو الكحول المجهولون"، وهي منظمة عالمية تساعد في علاج إدمان الكحول ومقرها مدينة شيكاغو الأمريكية. إلا أن الفرق هو أن منظميه من مقدمي الخدمات المرتبطة بصناعة الخدمة والمطاعم. وتجدر الإشارة إلى أن اجتماع مجموعة "أصدقاء بن" لا يمثل اجتماعا لمنظمة "مدمنو الكحول المجهولون"، إلا أنهما يتشابهان إلى حد كبير: المجموعة جزء من حركة حديثة ومتنامية داخل صناعة المطاعم لمعالجة المشكلات التي تعانيها هذه المهنة منذ فترة طويلة- عادة يتم تضخيمها وأحيانا يتم تجاهلها، مثلها مثل أمور أخرى مثل الزي المخصص للمطابخ. وأظهرت دراسة أجريت عام 2015 أن من يعملون في قطاع الخدمات الغذائية والضيافة كان لديهم أعلى معدل لتعاطي المخدرات بالمقارنة بأي مهنة أخرى، بينما أظهرت أن معدلات تعاطي الكحوليات أعلى فقط في قطاعي التعدين والبناء. كما أن الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل- وهي أمور ترتبط في كثير من الأحيان بإدمان المواد المخدرة- هي أيضا أعراض شائعة جدا بين العاملين في مجال صناعة المطاعم، حيث تكون ناتجة عن ساعات العمل الطويلة وهرمون الأدرينالين الذي يرتبط إفرازه بالانفعالات والضغوط، بالإضافة إلى الالتزام بالمكونات ذاتها التي تحددها الصناعة. تخيل أن طعامك وشرابك يتحولان إلى سلاح!. يقول روكر :"كنت أمام لحظة حاسمة، فإما أن أكون نموذجا سيئا أو أن أصبح نموذجا جيدا". وكان روكر أطلق مع زميله الطاهي جريجوري جوردت العام الماضي مائدة عشاء لقائمة طعام غير كحولية. وقد اجتذب التوجه طهاة آخرين بارزين مثل أندرو زيمرن ومايكل سولومونوف وشون بروك، وجميعهم كانوا صريحين في الكشف عن صراعهم مع تعاطي المخدرات. وتأسست مجموعة "أصدقاء بن" عام 2016 على أيدي ميكي باكست وستيف بالمر، وهما من أصحاب المطاعم القدامى في مدينة تشارلستون بولاية ساوث كارولينا، بعدما انتحر صديقهما الطاهي بن موراي بعد معاناة مع الإدمان والاكتئاب. وهناك الآن مجموعات شبيهة لهذا الغرض في عدد من المدن الأخرى. ويقول روكر وبالمر وآخرون إنه رغم أن منظمة "مدمنو الكحول المجهولون" كانت عاملا أساسيا- ولا تزال لكثيرين- فإنهما يرَون أن الكثير من الناس يخشون منها، وربما ينزعجون من برنامجها الذي يضم 12 خطوة. يقول بالمر :"نعتقد أنه بسبب طبيعة أوقات العمل وأمور ثقافية، فإننا بالفعل كنا بحاجة إلى شيء يتعلق بصورة أكبر بعملنا ... شعرنا أننا بحاجة إلى الخروج من الظلام وأن نتحدث بصوت عال حتى يعرف الناس أننا هنا." و"أصدقاء بن" ليست المنظمة الوحيدة التي تأسست للتعامل مع هذا الخطر. وقد أطلق الطاهي باتريك مولفاني، من سكرامنتو عاصمة ولاية كاليفورنيا، مؤخرا برنامج "أنا في ظهرك"، وهو برنامج للعاملين في مجال الضيافة يوفر الموارد والمشورات وخطا ساخنا وبرنامجا تدريبيا للأشخاص المعتمدين للتعرف على الإشارات التحذيرية ممن يواجهون أزمة. ويركز البرنامج على مجموعة واسعة من المشكلات، ومن بينها الصحة العقلية، وليس فقط المخدرات والكحوليات. ويستخدم البرنامج لغة موجهة خصيصا إلى العاملين في الصناعة: فصفحة الموارد اسمها "الخزانة" والبرنامج التدريبي اسمه "كتاب الوصفات" وغيرها من المصطلحات المألوفة لمحترفي هذه الصناعة. يقول مولفاني :"لقد تم إعداد البرنامج لصناعة المطاعم على وجه التحديد؛ لقد فقدنا عددا كبيرا من الأشخاص". وتجدر الإشارة إلى أن العامل المحرك له هو وفاة أربعة من زملائه في غضون أربعة أسابيع. ويضيف :"نحن جيدون حقًا في الضيافة. ولكن كيف نحول الأمر ونركز على أنفسنا؟". وبدأ طهاة آخرون في إجراء تغييرات في المطاعم التي يملكونها. فمثلا بدأ الطاهي ديفيد ماكميلان في تنظيم مجموعة عمل على العشاء يوم الأحد في مونتريال بمطعمه "ماكيرنان". ويقول ماكميلان: "كثيرون لا يستطيعون أخذ عطلة لشهر ... كما أن الصحة أمر يصعب الانتباه إليه في المطاعم، حيث يمكنك أن تفقد البوصلة فعليا بسرعة". وهناك سبب آخر وراء أهمية تقديم دعم معد خصيصا لقطاع الضيافة وهو "القرب". فإذا كان لديك مشاكل مع الخمر والغذاء، فإن معظم المستشارين والمعالجين سيقترحون أمرا واضحا: احصل على وظيفة أخرى. وبالنسبة إلى ماكميلان، الذي يمتلك مطاعم وشركة للنبيذ، فإن هذا ليس خيارا، شأنه في ذلك شأن كثيرين في هذه الصناعة. وبالتالي ستظل هذه المؤثرات والضغوط موجودة دائما، وبالتالي فإن هناك حاجة لبناء نظام دعم جديد لمعالجة هذا بشكل مباشر، من الداخل. ولم تعد معالجة هذه القضايا تقتصر على من هم "في المطبخ"، فقد أطلقت كات كينسمان الكاتبة البارزة بمجلة "فود آند واين" موقعا على الإنترنت أسمته "قضايا الطهاة"، ويوفر المنصة والموارد لقضايا الصحة العقلية للعاملين في صناعة الأغذية. ولكن لماذا اكتسبت هذه القضية فجأة هذا الاهتمام؟ بالنسبة للبعض، كان انتحار أنطوني بوردان قبل عام بمثابة جرس إنذار. يقول الطاهي زيمرن :"لقد مثّل رحيل توني لحظة فاصلة". ويروي زيمرن كيف أنه يشعر بالسعادة لرؤية الصناعة تركز أخيرا على معالجة هذه المشكلات. ويضيف :"كلما زادت المناقشات، كلما زادت الشفافية وكلما زادت سبل دعم العاملين في هذه الصناعة". أما بالمر فأجاب بأن "هناك مجموعة من الأحداث" ردا على سؤال حول سبب التغير في المواقف. واستطرد بالقول :"تعافي طهاة بارزين من الإدمان، ورحيل بوردان، وأزمة الأفيون، ووفاة أشخاص في سن صغيرة، كلها أمور زادت من الاهتمام بإجراء مشاورات حقيقية حول هذه الأمور". من خلال تحديد المشكلات والعمل على حلها، وليس إخفاءها في المخازن وأقبية النبيذ ومطابخ المعجنات، فإن صناعة المطاعم تمضي على طريقها لتصبح نموذجا يحتذى به في دعم صناعة ما لنفسها.

د ب ا
الثلاثاء 9 يوليوز 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث