الإنترنت.. وسيلة للقمع أم أداة للتحرر منه؟




كيف يمكن لشبكة الإنترنت أن تُستخدم للقمع وأن تكون في آن واحد منصة للتحرر والأصوات الناقدة؟ فما أهمية الفضاء الرقمي في مواجهة القمع.


ضرورة فرض الرقابة ومحاربة الأخبار المزيفة وحملات التشويه، هذه حجج تلجأ إليها الدول ذات الأنظمة الاستبدادية لفرض سيطرتها على الإنترنت والتأثير على الرأي العام أو لتخويف المعارضين السياسيين والمنتقدين لها. هذه الأنظمة تعي أن احكام قبضتها على الفضاء الرقمي يعني امتلاك القوة والحفاظ على وجودها وسيادتها. خبر سيء لأكثر من ثلاثة مليارات شخص في جميع أنحاء العالم،  لكن الجانب الإيجابي هو وجود أشخاص مثل ماريا ريسا أو لينا عطاالله ممن كرسوا أنفسهم لمحاربة هذا الاضطهاد، حتى لو أن الوضع يبدو في كثير من الأحيان ميؤوسا منه.
شاركت ماريا ريسا في تأسيس بوابة أخبار "رابلر/ Rappler" في الفلبين. ولكونها رئيسة التحرير، تتعرض لضغوط  شديدة بسبب تقاريرها المعارضة للحكومة،  خاصة تلك التي تأتي ضمن حملة "الحرب على المخدرات" التي أعلن عنها الرئيس رودريغو دوتيرتي. وقد تم القبض على ريسا عدة مرات وادينت مؤخراً في قضية تشهير ، لم تحدد عقوبتها بعد. أما لينا عطا اللهفهي مؤسسة ورئيسة تحرير موقع "مدى مصر" الإخباري، إحدى آخر وسائل الإعلام المستقلة المنتقدة المتبقية في البلاد و التي حجبته حكومة عبد الفتاح السيسي خلال السنوات الاخيرة. وقد تحركت السلطات المصرية عدة مرات ضد موقع "مدى مصر" وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، داهمت السلطات الأمنية مقر الموقع وأوقفت ثلاثة صحافيين بينهم عطا الله قبل أن تُخلي سبيلهم لاحقا. كما تم اعتقال عطا الله لفترة وجيزة في مايو/ أيار المنصرم.
ضمن حلقة حوارية افتراضية نظمته مؤسسة DW كل عام، تحدثت الصحفيتان المثيرتان للجدل عن أهمية الإنترنت في الدول ذات الأنظمة الاستبدادية. كما حضر الاجتماع ماركوس ن. بيكو من منظمة العفو الدولية، والذي يرأس مجموعة "حقوق الإنسان في العصر الرقمي"، وأدارت نقاش هذه الحلقة الصحفية سارة كيلي من DW. تحدثت الصحفية الفيليبينية ماري ريسا عن "موت الديمقراطية من ألف لدغة"، في وصف للوضع الذي وصلت إليه حرية الصحافة.
وذكرت الصحفية الفليبينية بأن الإنترنت وخاصة الشبكات الاجتماعية ساعدت في بلادها على ذلك خلال السنوات الأخيرة  لدرجة أنه في وقت ما قد لا يستطيع الناس التفرقة بين ما هو حقيقي وما ليس كذلك". في حين لا يزال الحديث عن تنوع إعلامي في الفلبين على الرغم من الانتهاكات القانونية والجسدية ضد الصحفيين المنتقدين، إلا أن الملاحقات القانونية والرقابة المكثفة في مصر قد قضت على ذلك كليا. وعن الوضع في الدول الواقعة في شمال أفريقيا، تقول لينا عطا الله: "جميع وسائل الإعلام غير الخاضعة للرقابة إما مملوكة بشكل مباشر للدولة أو تابعة للأنظمة بطريقة أو بأخرى. "من ناحية أخرى، لم تعد وسائل الإعلام المستقلة قادرة على القيام بعملها بعد الآن والأمر نفسه ينطبق على موقع "مدى مصر" ، حيث يعمل المرء "بأساليب نشر بديلة" بسبب حجب الموقع. من جهته  يري  ماركوس ن. بيكو أن ما يحدث عبر الإنترنت من تأثير السلطة في دول مثل مصر والفلبين ،وكذلك في الصين أو روسيا يعكس الواقع حيث يتصاعد القمع وتنتهك حقوق الإنسان وحرية الصحافة ويتعرض النشطاء والمحامون للاعتداء".كما لا يمكن تخيل ظهور حملات مثل " حياة السود مهمة/Black Lives Matter" أو الاحتجاجات في هونغ كونغ من دون مساعدة تطبيقات المراسلة والمنتديات عبر الإنترنت وغرف الدردشة. ولهذا فالإنترنت يمكن اعتباره سلاحا ذو حذين، أداة قمع في أيدي البعض، وأداة تحرر لا غنى عنها للبعض الآخر. ماريا ريسا مصممة على عدم ترك المجال للنظام في الفلبين: "ما زلنا نبذل قصارى جهدنا لأنني أعتقد أننا نحدث فرقًا. هذه هي طريقتنا في القتال: المزيد من الصحافة."
أحد الجوانب التي تبعث على الأمل  في نفس لينا عطا الله هي أنه " لا يمكن التحكم في الإنترنت بالكامل، فهناك دوما ثغرات. كما تريد عطا الله الاستمرار في عملها طالما أنها لا تسجن مثل العديد من الزملاء الآخرين. مصر الآن من بين الدول التي تحتجر عددا كبيراً من الصحفيين.
تأمل كل من الصحفيتان عطاالله وريسا ألا تتلقى الدول القمعية من الشركات العالمية برمجيات يمكنها المساعدة في مراقبة أو فرض الرقابة على وسائل الإعلام عبر الإنترنت. وأن يتم إعادة هيكلة عمل الشبكات الاجتماعية بحيث تساهم في الفهم والمعلومات بدلاً من الاستقطاب.

دويتشه فيله
الجمعة 10 يوليوز 2020