التبشير في الجزائر.. صداع يؤرق الحكومة في الداخل والخارج





الجزائر - تحولت "معضلة " حرية الممارسة الدينية في الجزائر منذ سنوات الى كابوس يثقل كاهل المسؤولين الجزائريين بفعل حساسية الموضوع وإرهاصاته على الداخل الجزائري من حيث ارتباطاته بمعضلات أخرى لا تقل خطورة ومنها إشكالات الهوية والجهوية فضلا عن تحوله إلى ورقة ضغط تلعب بها قوى غربية وأخرى تتخفى وراء منظمات حقوقية وإنسانية.
أكثر من هذا تحولت سياسة الحكومات الحازمة إزاء ظاهرة التبشير أو التنصير الى مطية تتخذها حتى بعض الدول التي تسمى شقيقة لتأليب الرأي العام الغربي على الجزائر وتشويه سمعتها.


 
تؤكد المادة 2 من الدستور الجزائري على أن الاسلام هو دين الدولة، في حين تضمن المادة 42 من نفس الدستور على أنه " لا مساس بحُرمة حرّيّة المعتقَد، وحُرمة حرّيّة الرّأي". كما تشدد على أن " حرية ممارسة العبادة مضمون في ظل احترام القانون".
سعت الجزائر التي يدين الغالبية العظمى من سكانها بالإسلام إلى تنظيم ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين الذين يقدر عددهم بعشرات الالاف، فاعتمدت الكنيسة البروتستانتية عام 1974. ولمواجهة حملات التنصير الاخذة في التزايد، سنت الجزائر في 28شباط / فبراير 2006 أمرا رئاسيا يحدد شروط وقواعد ممارسة هذه الشعائر، يكفل حقوقا وواجبات، كما يفرض على كل من تجاوز مواده عقوبات بالسجن تتراوح ما بين سنة واحدة و3 سنوات، وغرامات مالية ما بين 2500 و10 الاف دولار. إلى جانب تمكين الجهة القضائية المختصة من اقرار الطرد النهائي أو المنع من الاقامة بالبلاد لمدة لا تقل عن 10 سنوات في حق أي أجنبي خالف أحكام هذا الأمر.

جاء تأكيد وزير الداخلية الجزائرية صلاح دحمون، على أن الجزائر ليست في حاجة لدروس في حقوق الانسان من أحد، في اعقاب الانتقادات التي طالت قرار الوزارة بغلق 12 " مكانا" لأتباع لكنيسة البروتستانتية في ولاية تيزي وزو عاصمة منطقة القبائل وجارتها ولاية بجاية، ليعيد فتح ملف دائما ما حفل بجدل غير منتهي.

يصف عبد الهادي لعقاب، أستاذ في كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر، ما يحدث في الآونة الأخيرة من لغط ونقاش حول تزايد عدد المتنصرين في الجزائر، لا سيما في بلاد(القبائل)، بأنها " سياسة توسعية خفية من الاستعمار البغيض، وبتحريك خيوط خفية وهو بعيد منها لمدة أخرى". كما يعتقد ان هذا الاستعمار رأى أن الجزائريين على الرغم من توالي الدول عليهم منذ الفتح الإسلامي في العهد الأول، كانوا مستمسكين بدينهم، فأجلب بخيله ورجله لصد هذا النور عنهم، فجاءهم بثوب المشفق الرحيم بعد أن قتلهم وفرق قبائلهم أيادي سبأ، ونشر فيهم دعاة سموا بالرجال البيض، والبياض منهم براء، أرادوا تعميم النصرانية في المداشر الفقيرة المقفرة، وتعمدوا تشديد الوطأة على بلاد الزواوة ( القبائل)، لأنها أكثر البلاد انتشارا لزوايا حفظ القرآن ودور العلم آنذاك، ولا يزال سناها يشع إلى اليوم.

يقول الناقد عمر الكيناني، إن النظام الجزائري المطبوع بالشمولية منذ الاستقلال لم يسمح بالتفتح على حريات من هذا النوع حتى بعد إقراره ولو صوريا وتشريعيا لبعض الإصلاحات السياسية التي لم تغير أمرا كبيرا في الممارسة السياسية وحريات التعبير بشكل عام.

ويوضح بأن قصور التنصير على منطقة بذاتها في الجغرافيا الجزائرية زاد من تعقيد التعامل الرسمي مع هذا الملف، فالقبائل ضمن المنظور الحكومي منطقة متمردة ليس في هويتها وخصوصيتها العرقية فحسب بل وفي تعبيراتها عن حاجاتها السياسية بكل عنفوان وضراوة منذ عقود.

ويعتقد الكيناني، أن التيارات الغالبة على المنطقة تنزع في عمومها الى الحكم الذاتي وحتى الانفصال، مشيرا بأن الحكومة لم تسمح بتطوير التمرد حتى يمتد إلى الجوانب العقائدية والروحية التي تعد ربما الرابط الوحيد لسوسولوجيا المنطقة مع مكونات المجتمع الثقافية الأخرى.

غير أن الاعلامي كمال زايت، يعتبر أن قضية غلق الأماكن المستخدمة ككنائس ليست جديدة، بل هي تعود إلى فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. ويرى بأن القضية يمكن النظر اليها من زاويتين، الأولى قانونية والثانية تتعلق بالحريات، لذا يجب التوضيح أن فتح أماكن عبادة بصرف النظر عن الديانة يخضع للقانون ولنصوص تنظيمية، فإذا كان من غير الممكن فتح كنيسة دون ترخيص فإنه أيضا من غير الممكن فتح مسجد دون ترخيص.

الجانب الثاني كما يقول زايت، يتعلق بالحريات، وخاصة حرية المعتقد المكفولة دستوريًا، وكذا حرية ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين، وهذا سواء تعلق الأمر بجزائريين أو بالأجانب المقيمين في التراب الجزائري.

ويعلق زايت، على الكنائس أو أماكن العبادة التي تم غلقها مؤخرا في مدينتي تيزي وزو وبجاية ( منطقة القبائل) ويشير إلى رأيين، الأول يقول إن القضية قانونية بحتة، وأن تلك الأماكن لم تكن مرخصة، وهي عبارة عن مستودعات ومحلات لا تتوفر فيها شروط الكنائس، ورأي آخر يؤكد أن القضية ليست قانونية، وأن هناك حملة ضد الكنائس البروتستانتية على وجه التحديد، على اعتبار أن الكنائس الكاثوليكية لم تتعرض لأي ازعاج من طرف السلطات.

ويوضح أنه اذا كانت القضية قانونية فلا يمكن التعليق عليها لأن الجميع تحت طائلة القانون، أما إذا كان الأمر استفزازًا لغير المسلمين فذلك مرفوض لأنه يتعارض مع الدستور وقوانين الجمهورية التي تكفل حرية المعتقد لغير المسلمين، لكن أيضا المشكلة تكمن في التوقيت، لأن البلد يعيش حالة غليان سياسي، وأي قرار مهما كان موضوعيا يتم تأويله وترجمته على أساس للواقع السياسي وتعطى له عشرات القراءات والتفسيرات.

لكن الاستاذ لعقاب، اشار إلى ملامح مكامن خطر "التنصير" وحددها في تجدد هذه الأحداث في مثل هذه الفترة العصيبة التي تمر بها الجزائر، والتي تذكر بالوسيلة الاستعمارية القديمة التي سعت بها إلى تهوين القوى، وتفتيت المجتمع. اضافة إلى تقبّل فئة لفكرة الارتداد عن الإسلام، واعتناقهم للمسيحية بالرغم من وهنها فكرة فضلا أن تكون دينا. كما انتقد عدم وجود برامج متواصلة جادة لتوعية الشباب خاصة، والفئات الأخرى عامة، بحقيقة هذا الدين المحرّف ( المسيحية) الذي ظاهره فيه الرحمة والشفقة بالمعوزين وذوي الحاجة، وباطنه من قبله الضلال ومخالفة الفطرة والعقل.

يربط سمير عيمر، استاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر، ظاهرة التنصير بالظروف التي يمر بها المجتمع من مشاكل اقتصادية واجتماعية وفوضى سياسية، مما تسبب في النقص والقصور من جهة، والحاجة الى النمو والتطور من جهة أخرى. واوضح عيمر، أن بوادر التنصير في الجزائر اتضحت عبر تغيير البرامج التعليمية كونها مؤسسات هامة من عملية التنشئة الاجتماعية، على اعتبار ان الظاهرة عملية ممنهجة ومدروسة عن طريق استغلال الظروف المادية الصعبة. لبعض الساكنة.

ويشير الاستاذ عيمر، إلى استدراج بعض سكان منطقة القبائل المعروفة بمساجدها وزواياها وعلماءها، من خلال اغرائهم بالهدايا والأموال والملابس ووعدهم بالعمل والراتب الضخم وحتى منح تأشيرات للسفر إلى أوروبا.

كما اوضح أن المنصرين وفي خضم صراع الهوية بين العرب والأمازيج، قدموا أنفسهم للناس على انهم محل الأمن والأمان والحب والانتماء والغنى والامتنان والسمو والسلام، على عكس ما هو متداول في المجتمع من خوف وتوتر واضطراب ومن شعور بعدم الرضى وانعدام الامان.

كما يؤكد أن ما يحدث في منطقة القبائل من تنصير، هو عملية انتقام مرتكزة على الجهوية والعصبية القبلية والعنصرية.

اعتبارات كثيرة تبرر سياسة القبضة الحديدية للحكومة إزاء الملف ومنها أن الوجوه التي تعمل بالتنصير في الجزائر لها صلات قوية بأشخاص وربما حكومات أجنبية تريد التأثير في الواقع السياسي للبلاد. كما أن السلطة الجزائرية التي كرست إصلاحات ثقافية تراها تنازلات من وجهة النظر الاوتوقراطية على الاقل مثل الاعتراف بالامازيجية كلغة وطنية ودستورية، وتقنين أعياد أمازيغية وطنيا لا تريد أن تجعل من المنطقة مركزا للتنوع الديني بما قد يؤثر على باقي القطر، حيث يصعب بعد ذلك التحكم في الوضع كلية.

يلاحظ الكيناني، أن الهواجس والارتباك الذي يغلب على مخيلة حكام الجزائر بالنسبة للعمل بحرية الاعتقاد على الأرض يدفعهم إلى التحلي بالخشونة في السلوك إزاء الملف، وهو ما سبب مشكلات جمة على أصعد مختلفة وبخاصة الخارجية منها، حيث لم تعد هيئات مثل الأمم المتحدة أو البرلمان الأوروبي وحتى كتابة الدولة الأمريكية تتوانى في اشهار قضية حرية المعتقد كورقة ضغط رهيبة ضد الحكومة الجزائرية ليس من أجل الإصلاح أو التحديث في منظومة الحكم الجزائرية، بل يراها تتجلى كمساومات في خلافات بين الجزائر ودول عظمى أو أخرى غير ذات شأن على ملفات لا علاقة لها البتة بموضوع الحريات.

والحاصل أن الجزائر أصبحت اليوم بين نارين تكتوي بهما، فتفتح النظام على مطلب حرية التدين يجلب عليه الويلات على الصعيد الداخلي لما قد يولده من فوضى على تماسك البلد جغرافيا وسياسيا من جهة، وتعامله بسياسات زجرية مع الملف من جهة ثانية يجعله فريسة الاكراهات والضغوط التي يرسلها إليه المحيط الخارجي بكل اوجهه الشرعية ممثلة في الدول والحكومات أو الوحشية على غرار جماعات الضغط واللوبيات العالمية.

د ب ا
الاربعاء 30 أكتوبر 2019