الجزائريون يشعرون بالقلق من المستقبل المجهول



الجزائر - يبدو أن القلق والخوف من المستقبل المجهول، تمكن من السيطرة على قلوب وعقول الجزائريين، ليس لان الوضع السياسي للبلاد يأبى أن يكشف عن معالم واضحة في ظل مرض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وتعالي بعض الأصوات المطالبة بعزله طبقا للمادة 102 من الدستور دون انتظار نهاية ولايته الرابعة في ربيع 2019 ، ولكن للواقع الاقتصادي الصعب والمتأثر حقيقة بتهاوي أسعار النفط في الأسواق العالمية


 .

لم تتأخر الحكومة الجديدة التي يقودها رئيس الوزراء، أحمد اويحيي، في دق ناقوس الخطر، عندما كشفت في وثيقة مخطط عملها أن البرنامج الرئاسي قد اصطدم بالانهيار الشديد لأسعار الـمحروقات في السوق الدولية، حيث تراجع بالتالي، مستوى الإيرادات الخارجية للبلاد بنسبة تفوق 50 % وكذا تراجع الإيرادات الجبائية للدولة.

تزعم الحكومة أن هذه الأزمة الـمالية لم تقوض البتة عزم البلاد على مواصلة الـمضي قدما على درب التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لكنها تعترف أن الجزائر أصبحت منذ عام 2014 تحت وطأة هذه الأزمة التي سيطول أمدها على ما يبدو، انطلاقا من أنه لا شيء يبشر بتقويم محسوس لأسعار البترول على الأمدين القصير والـمتوسط.

الحكومة عاجزة عن تسديد الرواتب والحل المعجزة

فجر رئيس الوزراء أحمد اويحيى، مفاجأة من العيار الثقيل عندما كشف خلال اجتماع " مغلق" مع زعماء أحزاب الموالاة مؤخرا، أن الحكومة لم تكن لديها ما يكفي من الأموال لتسديد رواتب الموظفين في تشرين ثان/ شهر نوفمبر المقبل، لو لم تلجأ إلى تعديل قانون النقد والقرض، الذي يسمح باللجوء إلى خيار التمويل غير التقليدي وطباعة المزيد من النقود لتفادي إعلان الإفلاس، عبر إقراض بنك الجزائر للخزينة العمومية مباشرة بشراء سندات، رغم ما يحمله هذا الخيار من مخاطر عديدة قد تؤدي بالبلاد إلى وضع غير محمود العواقب.

أويحيى، لم يتوقف عند هذا الاعتراف، بل راح في خطاب موجه للوزراء ومختلف المسؤولين، ونقابة العمال، ومنظمات أرباب العمل، في تعليمة تحمل رقم 13، يطلق فيها صفارات الإنذار، مشددا على ضرورة إيلاء الأولوية القصوى للمنتوج المحلي من أجل الحفاظ على " سيادة الجزائر الاقتصادية والمالية".

" قنبلة" أويحيى بخصوص تسديد الرواتب، استقبلها المواطنون بهلع كبير، رغم أن تصرفاتهم اليومية لم يعرف عنها تغييرا كبيرا حتى الآن، حيث لا زال الناس يقصدون المراكز التجارية والأسواق ويتبضعون منها بشكل عادي أو هكذا يبدو الأمر.

لكن إبراهيم الذي اقترب من عقده السادس، بدا خائفا وتساءل عن جدوى تصريح رئيس الوزراء في هذا الوقت بالذات، وان كان مقدمة لخطوات " مؤلمة جدا" ستقدم عليها الحكومة لاحقا، على غرار الزيادة في أسعار بعض المنتجات الأساسية ورفع الدعم عن أخرى.

ووصف إبراهيم الاستنجاد بـ" طباعة النقود" بالحل المعجزة، مبديا عدم اقتناعه التام بهذه الخطوة.

يرى خبراء اقتصاديون أن الحكومة تعتقد أن بلجوئها إلى " طباعة النقود" يسمح لها تفادي إعلان الإفلاس، مؤكدين أن مثل هذه الخطوة ستؤدي حتما إلى ارتفاع الأسعار وزيادة في نسبة التضخم، حيث يتضاعف المعروض النقدي دون أن يقابله زيادة موسعة في الإنتاج والخدمات.

يقول الخبير المالي والاقتصادي، كمال رزيق، إن الحكومة تسعى لتحقيق مكاسب أنية ستلحق ضررا كبيرا باقتصاد البلاد، بداية بقيمة الدينار الجزائري التي ستعرف انهيارا كبيرا مما يدفع بالناس إلى تحويلها إلى نقد أجنبي والذهب كـ" ملجأ". وحذر خبراء آخرون من تكرار سيناريو فنزويلا في الجزائر، بسبب بحث الحكومة عن الحلول السهلة وافتقادها لرؤية اقتصادية واضحة.

وحرص رئيس الوزراء على دحض" ادعاءات" الخبراء، عندما قال خلال عرض مخطط حكومته أمام مجلس النواب، أن " طباعة النقود" خيار سبقت الجزائر إليه دول عديدة منها الولايات المتحدة، وبريطانيا واليابان، وأن الهدف منه هو مواجهة عجز الميزانية، وتمكين الخزينة العمومية من تسديد بعض ديونها، وضمان تسديد رواتب الموظفين، ودفع معاشات المتقاعدين، وعدم فرض ضرائب جديدة على المواطن.

الفقر من ورائكم والبحر أمامكم

حذر البنك الدولي في أحدث تقرير له، من تفاقم دائرة الفقر في الجزائر وتدني مستوى معيشة السكان، كما حذر من انحدار شريحة من السكان تحت عتبة الفقر، إلى نحو 20 في المئة أي ما يعادل 8 ملايين من مجموع 40 مليون ساكن.

وتوقع البنك الدولي تسجيل نسبة نمو ضعيفة للناتج المحلي الخام في حدود 4ر1 بالمئة، وانكماش نمو الناتج المحلي الخام حسب الفرد إلى مستوى سلبي في حدود 6ر0 في المئة، وهو ما سيساهم في بروز مضاعفات منها ضعف القدرة الشرائية وتدني مستوى المعيشة للسكان.

وزاد تدني الإيرادات من حدة الضغط الاجتماعي والاستياء والغضب على الجبهة الاجتماعية، إضافة إلى تواجد فوارق جهوية بين مختلف المناطق الكبرى في الجزائر في مجال مستويات العيش ونسبة الفقر، فهي تعادل الضعفين في المناطق الجنوبية، وثلاثة أضعاف في الهضاب العليا، كما اتسعت الهوة بين الفئات الفقيرة والغنية ، حيث عرفت هذه الفوارق اتساعا في مجال توزيع الثروة والدخل، وتأثرت شريحة كبيرة من الطبقة المتوسطة أيضا، مما ولد لديها قلق من سيرورة تطور الأوضاع.

لم ينتظر المئات أو الآلاف من الشباب الجزائري " شهادة" البنك الدولي أو صفارات إنذار الحكومة، للتعامل مع الوضع اليومي الصعب، فبيانات وزارة الدفاع لا تخلو يوميا من الأخبار التي تتحدث عن اعتقال عناصر خفر السواحل للعشرات من المهاجرين غير الشرعيين في عرض البحر، بينهم قصر ونساء، في الوقت الذى تعترف فيه وسائل الإعلام المحلية بتنامي ظاهرة الهجرة إلى أوروبا، في ظل صمت مطبق للحكومة.

يقول أحد الشباب في رسالة مؤثرة وجهها لوالدته من خلال فيديو تم نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، أنه نجح في الوصول إلى اسبانيا رغم مخاطر الموت المحقق في البحر، مبررا إقدامه على الهجرة غير الشرعية بانعدام الفرص أمامه في بلاده، لبناء غد مشرق يضمن له العيش في كرامة ورفاهية.

في بلدة العاشور، بأعالي العاصمة الجزائر، يصطف الآلاف من الجزائريات والجزائريين يوميا أمام أبواب ممثلية خاصة تدرس ملفات طلبيات الحصول على تأشيرات الدخول إلى فرنسا وبريطانيا وايطاليا. مشهد حرك مشاعر الإعلامي يانيس، الذي دعا مسؤولي البلد إلى زيارة هذا المكان للوقوف على الواقع الاجتماعي والاقتصادي للجزائر، ومعرفة الأسباب التي تدفع بالنساء والرجال والشباب إلى " الهجرة"، بدلا من الترويج للغة الخشب التي مل منها الجميع. إشاعات وتكذيبات في ظل تأكيد الحكومة على أن الوضعية تبقى متوترة بشدة على مستوى ميزانية الدولة، وأن عام 2017 سيختتم بصعوبات حقيقية، في حين تبدو سنة 2018 أكثر تعقيدا، ساهم ذلك إلى بروز العديد من الإشاعات، على غرار إعادة النظر في بعض صيغ الإسكان التي أطلقتها الحكومة قبل نحو 20 عاما، بما يضمن لها إيرادات مالية إضافية قد تمكن من تغطية جزء من النفقات. فيما ذهبت مصادر أخرى، للترويج لتقليص المنحة الموجهة للطلبة الجامعيين. لكن وزارتي الإسكان والتعليم العالي سارعتا إلى نفي مثل هذه المزاعم، حيث أكدتا على بقاء الأوضاع على حالها.

البلديات في نجدة الوزارات؟

لكن ما لم تستطع الحكومة وهيئاتها تكذيبه، هو لجوء أربع وزارات في شهر أب/ أغسطس الماضي، إلى الاحتياط المالي لبعض البلديات لتمويل نشاطاتها، الأمر يتعلق بوزارات الخارجية، والعدل، والبيئة، والداخلية، التي حصلت على قروض بقيمة 40 مليون دولار، كان نصيب وزارة العدل منه 22 مليون دولار، فيما حصلت وزارة الخارجية على 7ر5 ملايين دولار، وأكثر من 10 ملايين دولار وجهت لوزارة الداخلية.

سابقة أولى من دون شك في تاريخ الحكومات الجزائرية منذ الاستقلال، لكنها قطعت الشك باليقين بأن الوضعية الـمالية العمومية تبعث على القلق، حيث ترتبت صعوبات مالية متكررة جراء تراجع الجباية البترولية، مما أدى إلى استهلاك مجمل ادخار الخزينة الذي كان يحتضنه صندوق ضبط الإيرادات الذي استنفد منذ شباط/ فبراير 2017. من المسؤول؟ يقول ملاحظون أنه كان يمكن للجزائر أن تتواجد في وضع اقتصادي أفضل لو اتبعت سياسات أخرى تعتمد على تنويع حقيقي للاقتصاد بدلا من الاعتماد الكلي على ريع النفط، ولو حفظت الدرس من الأزمة العنيفة التي شهدتها في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وبرأي هؤلاء، فان البرامج التي أطلقت منذ 20 عاما فشلت في تحقيق الإقلاع الاقتصادي الذي تطلع له الجزائريون.

وكأن التاريخ يعيد نفسه، فها هو بلعيد عبد السلام رئيس الحكومة الأسبق يقول في مذكراته، إن توقيف مشاريع التصنيع التي تركها الرئيس الراحل هواري بومدين بومدين، بحجة تراكم الدين الخارجي، قابله توجه خاطئ للاستهلاك وتشجيع " اقتصاد البريستيج" في الثمانينيات، مما ادخل الجزائر في متاعب الديون الخارجية وشروط صندوق النقد الدولي.

ويعتقد بلعيد أن الجزائر بيعت للخارج في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد وفريقه الحكومي، الذي اتبع سياسة أسهمت في تأكل الطبقة المتوسطة ووضع المؤسسات الجزائرية في فم المؤسسات المالية الدولية ورهن جزء كبيرا من جهود التنمية.

سياسة قادت البلاد إلى خسارة 33 مليار دولار هي ثمن صفقات عقود الغاز مع ألمانيا الفيدرالية والولايات المتحدة خصوصا، بدعوى " ضمان حق الأجيال القادمة من الغاز، لكن تلك الأجيال لم ترث سوى الفقر والبطالة والإحباط".

ورغم تطمينات كبار المسؤولين وافتخارهم بـ"السياسة الرشيدة والحكيمة" للرئيس بوتفليقة، التي ضمنت وستضمن " الإبقاء على مناصب الشغل، وتمويل الاستثمارات المحلية، وحفظ السيادة الاقتصادية بعدم اللجوء إلى الاستدانة الخارجية"، فإنه من الـمؤكد أن الشعب الجزائري غير مستعد ليعيش من جديد التجربة الأليمة لسنوات الثمانينيات، بسبب تقلبات السوق البترولية التي ليس للجزائر تحكم حقيقي فيها.

د ب ا
الجمعة 29 سبتمبر 2017