وطموح بلحاج اليوم، ليس النظر باتجاه الجنوب إنما قيادة ليبيا بكل ما تعنيه الكلمة، ليبيا التي فتح أسوار عاصمتها طرابلس وهو مقيم فيها، بعد إخراجه من السجن الأمريكي في شبه جزيرة كوبا غوانتنامو وانخراطه في الحياة الليبية بعد تجربة أفغانستان التي أعطته لقب "المجاهد"، ووظيفة المجاهد المحترف وظيفة محرجة جداً هذه الأيام.
وقد تردد أن الإفراج عن المجاهد بلحاج تمّ بوساطة علي بن محمد الصلابي الرجل الذي قام بالتطبيع مع نظام القذافي، لتنفيذ مشروع المصالحة مع المعارضة الليبية بعد مؤتمر لندن 2006 الذي أطلقه نجل معمر القذافي سيف الإسلام المسجون حاليا في الزنتان، وقد حثّ الصلابي المعارضين الليبيين على ضرورة المراجعة، بل أثنى في أحد إصداراته آنذاك على مشروع سيف الإسلام فيما يخص المصالحة بين النظام والمعارضة وضرورة عودتهم إلى البلاد والمشاركة في صنع القرار السياسي في إطار مشروع مؤسسة القذافي للتنمية.
وما يؤكد وساطة الصلابي المفسر والمؤرخ الليبي هو زياراته للسجين عبد الحكيم بلحاج تحت أعين سلطان معمر القذافي وإبنه سيف الاسلام، وصادف أن أكون بطرابلس لأعلم أن بلحاج تناول إفطاره الرمضاني قبل خروجه من سجن طرابس بأيام مع الصلابي وعبدالوهاب قايد وأسامة الساعدي وأحمد كجمان والداعية السعودي عائض القرني وآمر سجن الشرطة العسكرية.
وشاء القدر أن أقف أمام بلحاج خلال السهرة حين حضر إلى نزل المهاري مرفوقا بأسامة الساعدي وخالد الشريف، لمسامرة عائض القرني الذي كان في ضيافة مسابقة واعتصموا النسائية لحفظ القرآن الكريم التي ترعاها عائشة معمر القذافي.
عبد الحكيم بلحاج كان بهيا بلباسه التقليدي وشاشيته السوداء وخجولا جدا لا يرفع عيناه، بل كان يحاول الإنزواء والابتعاد عن فلاشات الصحفيين المسلطة على الرجل السعودي.
ليلتها رقّ قلبي لعبد الحكيم بلحاج ولعنت أمريكا لأجله وما فعلت به وها أنا اليوم ألعنها مجددا لما لم تفعله به، حقيقة لا أدري من غلب من تلك الليلة عاطفة المرأة السافرة أم تمسكن "المجاهد".
ما أعلمه أن التمسكن هو إحدى الإستراتيجيات الأساسية للإسلاميين قبل مرحلة التمكين وتعني المغالطة واستدرار العاطفة.
الثلاثي عبد الحكيم بلحاج وعبد الوهاب قايد وأسامة الساعدي أصدروا مؤلفا بعنوان "مراجعات فكرية لمنهج الليبية المقاتلة" تضمن تخليهم عن المنهج الجهادي والإعتراف بالواقع بناء على دراسات وبحوث شرعية.
وتأكد لاحقا أن عبد الحكيم بلحاج انخرط في الحياة الطبيعية ولم يظهر للرأي العام الليبي والعربي إلا بظهور الإعلامي الحمساوي وضاح خنفر.
مدير قناة الجزيرة الوضاح، ويا محاسن الصدف وصل الى ليبيا يوم سقوط عروس المتوسط طرابلس، طرابلس هذه المدينة المفتوحة والمفتونة بالبحر تحتاج إلى عمر لإكتشافها والى عمر إضافي لنسيانها.
أما الجزيرة القطرية هذه الآلة الاعلامية العجيبة، فهي تحي العظام وهي رميم وتجعلها نجموما تتلالأ في السماء، باعتراف من عمل ويعمل بها، وقد اعترف لنا أحدهم يوم السقوط أن العمل سيكون على توجيه الرأي العام الليبي بتسليط الضوء على شخصية مغمورة لم يعرفها الليبيون من قبل لا في الجبهة ولا في وسائل الاعلام ولا في الحراك السياسي، اللهم أولئك المتابعين لملفات الإرهاب في العالم وما يتعلق بالأفغان العرب.
وطلع على الليبيين ذلك الوجه الصارم الملتحي في بزته العسكرية المرقطة كأفعى صحراوية مخاتلة يلبس قفاه وجه بملامح الربع الخالي، وتحدث بكل ثقة، سيما وقد تم تقديمه كناطق رسمي باسم ثوار طرابلس وإن سبقته إلى باب العزيزية طائرات الناتو الأباتشي و جنود من المخابرات القطرية والفرنسية للاهتمام ومعالجة ما تحتويه العزيزية.
وتعمدت الجزيرة تسويقه في ثوب منقذ أهالي طرابس والفاتح الأوحد لحصن باب العزيزية، في الوقت الذي عمدت أيضاً الى إبعاد ثوار درنة ومصراتة والزنتان من المشهد الذين شاركوا فيه ليصبح صوت الليبيين مختصرا في شخص عبد الحكيم بلحاج.
وكانت نتيجة تلك الفوضى الإعلامية المسلطة على شخص بلحاج أولى بذرات الفرقة والاختلاف لفصائل الثوار حسب اعتراف الليبيين .
أما الوضاح الحمساوي فقد استقال من قناة الجزيرة وتردد كلام كثير خلال زيارته لتونس أنه سيشتري التلفزيون العمومي التونسي، ولكنها كانت مجرد إشاعة أو قد يكون الرجل قد حاول لكن فقر القناة جعله يتوجه الى تأسيس قناة مع حليفه "النصف الملتحي" عبد الحكيم بلحاج يتمنى كل صحفي عربي العمل بها والتي أختير لها إسم "النبأ" .
فيا ترى هل سيتساءل الليبيون قريبا عن هذا النبأ الذي ربما قد يكون عظيما، وعظمة النبأ ليست "نبأ" خنفر وبلحاج بل في لغز الأموال التي قفزت بين يدي بلحاج دون غيره.
وإذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا، ولكني لست بفاسق قد أكون مثل جهينة ويكون خبري يقينا قاطعا ستأتي به قادم الأيام الليبية، أو ربما أنبائي لا تروق لصاحب النبأ، فلست زرقاء اليمامة ولا أنا بمنأى عن سطوة قبضته العابرة للحدود كما يتردد ولا أظنه فاعل.
أولا لأن أنبائي نزهت بلحاج دون طلب منه ودون مقابل كما فعل مع غيري وإن كنت أحق، على الأقل بحكم إنحدار والدتي من عائلة طرابلسية أصيلة وهي عائلة المرغني، وسبق وأن وجهت رسالة الى معمر القذافي عبر موقع "ليبيا جيل" حين وصلتني تهديدات رقيقة ناعمة تليق بي على خلفية تغطية نقدية لمؤتمر نسائي، قلت له فيها إنني أولى من غيري بنقد ليبيا ونظامها وسأمد رجلي خطوات وأطالبك بحق والدتي في ثروة الشعب لكنه لم يفعل.
ثانيا لأن عبد الحكيم بلحاج مشغول الآن بليبيا وإن مدّ يده لزمن وجيز ولمسافة قصيرة في تونس، لكن الرجل لا ولن يهمل طموحه الجارف كلفه ذلك ما كلفه. فملامح التنافس في المعركة على السلطة محتدمة رغم المأزق الذي انزلقت فيه الحركات الاسلامية.
ربما ينجح بلحاج ويقتطع لنفسه مساحة يحكمها، وقد يتفوق في إنجازاته على عمر البشير الذي حوّل السودان إلى سودانين ويقسم ليبيا إلى ثلاث "ليبيات" ليشتاق الجنوب إلى الشمال ويقف الشرق حكما يبنهما وترقص التعليمات الفوقية.
قبل سنوات مستطيلة كتب الفيلسوف الليبي المرحوم الصادق النيهوم عن ليبيا ما تعيشه اليوم، وليت بلحاج يترك قليلا مراجعة الأصول والفروع لكتّاب الجزيرة العربية، وينكب على نتاج ابن موطنه النيهوم فذلك حتما سيساعده على حل شيفرة الوصول إلى رأس ليبيا بدون دماء وبدون املاءات .
عن ليبيا يقول النيهوم : "إن ليبيا بلد مبني بالقش ويطفو فوق بحيرات البترول، فما أسهل أن تندلع النار فيه، أن تحرقه من أساسه فلا يبقى منه شيء سوى عظام الخنزير والنساء، ولكن ذلك لن يحدث الآن لأننا لم نكتشف النار بعد، نحن المساكين الموغلين في البدائية والعناد" .
والنار مندلعة في ليبيا كما تنبأ النيهوم المتوفى منذ 2005، أعود إلى بلحاج وعلاقته بتونس.
لا أظن أن الرجل الأربعيني الغامض قد فكر في إلحاق الأذى بتونس أو رموزها السياسيين بشكل علني أو عدائي ، ففي إحدى منعرجات قلبه هناك اعتراف لتونس ومودة للتونسيين وإن لم ولن يفصح.
فاعترافه بجميل النظام الديكتاتوري أقوى من مودته لنظام ما بعد الرابع عشر من جانفي، لأن نظام بن علي عتق رقبته وأهداه فرصة الحياة والسفر وإن شدّ أذنيه بشدة حين إعتقله سنة 1989 هو و 22 شخصا ينتمون إلى الجماعة الليبية المقاتلة والتي ساهم في تأسيسها .
فقد كان يفترض تسليمهم الى السلطات الليبية باعتبارهم محل تفتيش لكن التعليمات الفوقية، قضت بإطلاق سراحهم ليتحولوا الى السودان ومنها الى أفغانستان التي غادرها بلحاج لاحقا بلا حقائب، بلا شيء على الإطلاق.
وقد اتخذت السلطات التونسية في شأنهم جميعا إجراء يمنعهم من الدخول إلى تونس وهو إجراء لا يمكن رفعه على الأجانب إلا بتعليمات سيادية قيادية.
وهذا ما يفسر ما جاء في وثيقة الإدارة العامة للأمن العمومي التونسي "ان عبد الحكيم بلحاج دخل إلى تونس سرا" قبل أن تسوى وضعيته بشكل رسمي، ويزوره رئيس الحكومة ويتورط الطرفان ...
وإذا دافع عبد الحكيم بلحاج عن نفسه ونفى الاتهامات التي وجّهت له من قبل الطيب العقيلي عضو المبادرة الوطنية للكشف عن اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي خلال الندوة الصحفية التي عقدت في الثاني من أكتوبر 2013 فذلك حقه..
ولكن أن ينكر معرفته بتنظيم أنصار الشريعة الذي صنّفته وزارة الداخلية التونسية كتنظيم إرهابي وبزعيم التنظيم سيف الله بن حسين المكنى بأبي عياض ويؤكد أنه لم يلتق به مطلقا.
فأنا أقول له آسفة جداً، لأن بلحاج وجماعته كانوا في ضيافة الجبهة الإسلامية بتونس بزعامة محمد خوجة وتحت رعاية الأخوين النجار اللذين أصبحا فيما بعد من الحراس الشخصيين لأسامة بن لادن لما يمتلكانه من شجاعة وولاء .
والجبهة الإسلامية FIT هي إحدى الأجنحة العسكرية لحركة الاتجاه الإسلامي سابقا النهضة حاليا والذي كان يشرف عليها المرحوم صالح كركر.
وكان من أبرز عناصرها الى جانب الأخوين النجار، واحدا من سيوف الله المسلولة وهو سيف الله بن حسين المعروف بأبي عياض وعبد اللطيف التليلي ومحمد علي الحراث، وقد تحولت أواخر التسعينات لأجل عيون بلحاج القاتلة إلى إسم "الجماعة التونسية المقاتلة" استئناسا بنظيرتها الليبية ثم تحولت بعد ما يسمى الثورة الى أنصار الشريعة لمساندة الحكام الجدد على فرض الشريعة تحت شعار "الشعب يريد" .
إذن كيف لمن وضع ركائز التنظيم وساهم في تشكيله يتنكر اليوم، ونحن نعلم علم اليقين أنه بعد تلك الثورة عاد الودّ والتودد والتردد والوصل والتواصل بين الأصدقاء القدامى أبناء الحي الشعبي.
وكان حبل الوصل بين الأحباب أحد أعضاء الجهاز الخاص لحركة النهضة الميكانيكي سابقا وسعادة السفير حاليا رضا البوكادي.
القيادي رضا البوكادي والمختص في التدريب والتهريب كان متواجدا في ليبيا أواخر التسعينات وبداية الألفية الثانية في ليبيا، وارتبط بعلاقات وثيقة مع تنظيم الجماعة الليبية المقاتلة غير أن الأمن الليبي حد من نشاطه وعلاقاته حين ألقى عليه القبض وسلمه الى السلطات التونسية ليحاكم ويودع السجن.
البوكادي تمت تسميته بعد 23 أكتوبر2011 سفيرا لتونس في طرابلس وتجمع المصادر والمعلومات المتوفرة انه واصل ارتباطاته وعلاقاته بذات التنظيم خاصة بعد ان تولى صديقه القديم الجديد عبد الحكيم بلحاج رئاسة المجلس العسكري بطرابلس وكون حزبا وأصبح صاحب شأن عظيم.
بقي أن نقول أن "التعليمات الفوقية" التي أطلقت سراح بلحاج من دهاليز البناية الرمادية في شارع الحبيب بورقيبة هي التي أوصلته الى أفغانستان ومن أفغانتسان الى غوانتنامو عبر سلسلة من الأحداث مرورا بعدد من البلدان، ثم إلى ليبيا ومن ليبيا إلى باب العزيزية ومن باب العزيزة إلى رئاسة المجلس العسكري ثم إلى حزب الوطن الحر الذي سيحمله إلى .......
سنعود إلى بلحاج ومن مع بلحاج في قضية الحال، ألم نقل إنه حكاية تصلح للسرد الغير المريح.


الصفحات
سياسة










