نظرا للصعوبات الاقتصادية التي رافقت الجائحة وأعقبتها اضطررنا لإيقاف أقسام اللغات الأجنبية على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

تقاربات إقليميّة وسط تباعدات عربيّة

29/11/2021 - عبدالوهاب بدرخان

متى يقرأ العرب مالك بن نبي؟

19/11/2021 - محمد قيراط

( سورية بين إيران وتركيا )

17/11/2021 - مروان قبلان

سوريا: إدانة أقرب إلى شعار

12/11/2021 - إيلي عبدو

بين صباح فخري ونديم محمد

08/11/2021 - حسن النيفي


القفزة النوعية في أدب أمريكا اللاتينية جديرة بالتمعن




يونس كامل ديب كاتب ومترجم ومفكر جاد، من مواليد طرطوس ـ سوريا من أسرة معروفة بعشق العلم والأدب، عمل في السياسة فترة طويلة، وكان أصغر سجين سياسي شيوعي في سجن المزة بدمشق، أيام حكم عبد الناصر ـ السراج، في أواخر خمسينات القرن العشرين، وكالمئات من كوادر الحزب الشيوعي السوري لم يستطع الاستمرار في ذلك التنظيم الذي لم يعد يلبِ تطلعاتهم، بل أخذ يلعب دوراً معرقلاً في عملية التطور وبناء أسس الدولة العصرية السليمة، ليجد نفسه في أواخر ثمانيات القرن العشين مستقلاً.. درس العلوم الاقتصادية في موسكو، عمل مترجماً في وكالة أنباء نوفوستي، وأصدر الكتب التالية: الاتجاهات الاقتصادية في العالم العربي ـ العولمة اقتصادياً (دراسة) ـ وفي مجال الترجمة: "كتابات المقارنات" ـ السينما ، فعالية توظيف رؤوس الأموال، المرأة.


ماركيز بالوسط رائد التجديد بالادب اللاتيني
ماركيز بالوسط رائد التجديد بالادب اللاتيني
ويأتي كتابه" بين الواقعية والواقعية الجديدة في الأدب الأمريكي اللاتيني المعاصر" دراسة مقارنة في الأدب، يتطرق فيها إلى محاور هامة، نتعرف من خلالها على مفهوم الفن، وعلاقة أدب أمريكا اللاتينية بالأدب في الغرب الرأسمالي، وأهم نقاط التشابه بين الأدب الأمريكي اللاتيني والأدب الروسي الكلاسيكي، وعوامل نضج الرواية في أمريكا للاتينية. وسنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على الأفكار الغنية الواردة في هذا الكتاب..

مفهوم الفن:
"الفن ـ كما يكتب الأب لونغي في عام 1885م ـ هو في جوهره، التعبير الحسي عن الجمال اللامادي، فما أن يغدو الأدب كلاماً أدبياً، وما أن ينبثق من كل الملكات التي تفعل فعلها بصورة متعاضدة، وبانسجام فيما بينها، حتى يكون جميلاً، إما بجمال موضوعه، أو على الأقل بجمال الروح التي يعبر عنها..".(1)
ويقول الأب جول فيريست: "إننا نطلق تسمية الأعمال الأدبية.. على تلك الأعمال التي تتميز وحدها بقوة الفكر، وتنظيم الأفكار، وبحركة العاطفة، وأناقة التعبير الكلامي."(2)
والأدب ـ كما يرى بيلنسكي ـ "هو التعبير الأخير والأسمى عن فكر الشعب المتجلي في الكلمة، والتماسك العضوي في التطور هو الذي يشكل طابع الأدب ويميزه".(3)
لقد حدد أدباء ونقاد قارة أمريكا اللاتينية مفهوم الأدب "باعتباره صورة مكثفة من اللغة، التي هي بدورها أكثر وسائل التواصل مباشرة وعمقاً لدى الإنسان".(4) إلاّ أنّ اللغة وحدها لا تصنع أدباً، فالأدب كما يقول الناقد البرازيلي المعاصر أنطونيو كانديدو: "نسق من الأعمال تربطها عوامل مشتركة واحدة تسمح بالتعرف على النغمات السائدة خلال مرحلة ما. وهذه العوامل المشتركة ـ بصرف النظر عن الخصائص الداخلية (اللغة، والموضوعات، والصور) ـ هي عوامل معينة ذات طبيعة اجتماعية ونفسية، رغم أنّها منظمة حرفياً، تتبدى تاريخياً، وتجعل الأدب جانباً عضوياً من الحضارة".(5)
فالشيء الذي يمكن أن يكون له تاريخ هو فقط ذلك الشيء الذي يتطور بشكل عضوي، ومثل هذا التطور لا يمكن أن يطرأ بصورة عامة إلاّ على تلك الأشياء التي تتضمن في ذاتها محتوىً إنسانياً عميقاً. (ص10)
إنّ العكس الصادق للواقع الموضوعي، والتعبير عن مثل العصر العليا التقدمية، يظل المقياس العام لأدب مختلف الأزمنة والتوجهات.ص16
العلاقة بين الأدب في الغرب الرأسمالي وأدب أمريكا اللاتينية
هناك أساس للقول بأنّ آداب جميع بلدان أوربا الغربية تقريباً، ومنذ أواسط ستينات القرن الماضي، وبشكل عام منذ عام 1968م، دخلت في مرحلة الضغط المتزايد من قبل مذهب "الطليعة الجديدة"... إنّ الارتباط بين مذهب "الطليعة الجديدة" و"التمرد اليساري" الذي هزّ، ولكن لم يحنِ أركان المجتمع الرأسمالي في نهاية الستينات قد درس في حينه، وحلل بشكل منتظم، لأنّه في هذا التهور المشوش والموهوم للطليعيين الجدد تكمن منظومتهم. إنّه عمل تهديمي في الأدب قام به رواد وأنصار مذهب "الطليعة الجديدة". فقد دعا هذا المذهب إلى إنشاء الفن الذي يعني الانغلاق في مجال "الممارسة اللغوية"، والاستبدال بنقد المجتمع نقد اللغة. إنّ هذه المغالاة المالارمية (نسبة إلى مالارميه الذي فجر وبقوة مسألة ماهية الأدب) تكشف بشكل أو بآخر عن صمتٍ وغيابٍ عميقين يفسران إلى حد كبير أزمة مفهوم الأدب التي تتجلى من خلال طرح مسألة اللغة والتفكير النقدي حول إمكانية نشوء اللغة، وشروط وجودها وآلية عملها. لقد فرض على الأدب دور إيضاحي مخالف للطبيعة، في سبيل تناول الموضوعات النظرية بشكل أكثر تجريداً، بحيث تمت الاستعاضة عن المؤلف الفني ككليَة معنوية وشكلية "بالنص"، ولو قمنا باستعراض النتاج الأدبي لرواد هذا المذهب لوجدنا أجزاءً غير تامة محرومة ليس مما هو مألوف فقط، وإنما من أية قيمة فنية بصورة عامة. لقد أصبح من دواعي فخر الكاتب أن تكون أعماله مستعصية الفهم على القارئ، وأن يكتب من أجل أن لا يقرأ.
ولكن يمكن التأكيد الآن على أنّ الزخم الروحي لتلك المرحلة من تطور الأدب الغربي قد انتهى.. إنّ التجريب الشكلاني يفقد أمام وعينا الأطراف المتحمسة له، فما الذي أجبر الكاتب الغربي على أن يتحول بخيبة أمل عميقة عن الدعاية لـ "النص"؟ هل أصبحت خسارة القراء شاهداً جلياً على تفسخ الرابطة المتبادلة بين الكاتب والقارئ، أم أنّه الإحساس بالمتطلبات الاجتماعية، وبالفهم المرتبط بالواقع، وبإعادة بناء الرؤى المجازية للعالم أو تجديدها؟
لقد أظهر انهيار "التمرد اليساري" أنّ أمام الحركة المعادية للرأسمالية في البلدان الغربية طريقاً أطول بكثير مما كان يُظن..
لقد كان "النص" تظاهرة لرفض الكاتب للتحليل والاستيضاح والتعميم.. وتم مسح الكتابات من الشوارع ومن جدران الجامعات، تلك "النصوص" التي تصلح لمونولوج من التمثيلية المسرحية "تدنيس الجمهور" لـ ب. هاندكه: أنتم قرود، أنتم بدون أهل، أنتم جائعون، أنتم متمردون، أنتم أوباش، أنتم مدنسو الأوكار الخاصة...الخ ص29
لنأخذ اعترافات لكتاب حقيقيين، بدو في تلك السنوات في مركز هذه النزاعات والصدامات التي هزت الأرضية الأدبية.. "..إنّ استيعاب رموز التعابير الجديدة تتطلب من القارئ زمناً طويلاً، وهذا يقضي على آنية الكتاب الملتهبة التي أرى تبريرها الوحيد في عملية الاستيعاب تلك".(6)
يقول الأديب البرازيلي جوزيه باولو نيتو: "..بعد عام 1968م، مارس أولئك الذين سعوا لنزع أية وظيفة عن الأدب تخرجه عن إطاره الأساسي تأثيراً ملموساً على الحياة الثقافية لبلدنا. (أما الآن فتعتبر السمة الأدبية محددة ومكتفية بنفسها). لقد أبرز جوزيه باولو نيتو بنجاح خاصتين أساسيتين لـ "لرسالة الطليعية الجديدة"، ألا وهما: "زعامة التجريبية على الإنجازات الفنية، ومزاوجة المذهب العقلي الشكلي مع المذهب اللاعقلاني".(7)
فشلت التجربة "الطليعية" في أمريكا اللاتينية لأنّها أولت أهمية بالغة للمستوى التعبيري، ولم تضف شيئاً لمشكلة الموضوع.ص34
لقد اقترح النظريون الفرنسيون تصنيف الأدب تحت زاوية رؤية مضادة للموضوع "تاريخ/حديث"، وتعود هذه الفكرة إلى أي. بينوفينيست: الأحداث تُروى كما حدثت، وحسب تسلسل ظهورها على مسرح التاريخ. حيث لا يتكلم أحد عن أي شيء. ويبدو أنّ الأحداث تتكلم عن نفسها بنفسها... إنّ منبع الأدب في هذه الحالة موجود بشكل أساسي في الحساسية والانفعال اللذين يدفعان الأديب إلى محاولة التعبير عن أحاسيسه وانفعالاته.. وهذه الدائرة لن تغلق طالما أنّه لا يوجد طرف ثانٍ يتجاوب مع انفعال الكاتب. فالقارئ في كثير من الأحيان يرتبط مع المؤلف بوشائج وثيقة.. ما من وجود حقيقي للأدب، إلاّ في اللحظة التي يجد فيها قارئاً متفاعلاً معه.ص36
في نقاط التشابه بين الأدب الأمريكي اللاتيني والأدب الروسي الكلاسيكي
يقول الروائي الأمريكي لاتيني أليخو كاربنتيه "في مرحلة انتصار الثورة الكوبية.. بدأت في أمريكا اللاتينية مرحلة الرواية الملحمية. إنّ المادة الحقيقية لمثل تلك الرواية هي البلازما الإنسانية العاصفة.
...إنّ الرواية حية وتشعر بنفسها بشكل جيد فقط عندما تتحول إلى رواية ملحمية، حيث تكون مرتبطة بالعصر ومعبرة عن طبيعة الزمن."
ولدت الرواية الأوروبية في مرحلة كسر البنى الروحية والاجتماعية القروسطية، والانتقال إلى البناء البرجوازي، أما ولادة الرواية الكلاسيكية الروسية فقد حدثت في بداية الانتقال إلى زمن أكثر حداثة، بداية زمن أزمة المجتمع البرجوازي، على عتبة التجديد الروحي والاجتماعي الجديد. في حين أنّ الرواية الأمريكية اللاتينية هي وليدة عصر إعادة بناء العالم على أسس جديدة، عصر الاحتدام الهائل للتناقضات، إنّها وليدة عصر انهيار العالم الاستعماري بشكله القديم، عصر انهيار الأنظمة الشمولية التي عجزت عن تلبية ومواكبة متطلبات الحياة.ص72
إنّ وحدة التقاليد الروائية الأوروبية.. تتعلق بوحدة أنماط العقائد التي كونت الوعي الفني.. "فكل تاريخ الفن ليس سوى تاريخ تطور الإنسان. المرآة للإنسان. الإله".(8)
"إنّ المبدأ الأساسي لتطور الرواية كان مبدأ التوغل العميق في الحياة الداخلية للذات الإنسانية".(9)
إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الشيء الرئيسي في الرواية الروسية الكلاسيكية هو التغلغل الكبير في العالم الداخلي للإنسان.. وحصل التقدم الهائل في عملية تصوير الإنسان "جدلية الروح" والفلسفة الأخلاقية، وتحول الإنسان إلى البحث الدائم والمستمر عن الحقيقة وضمائر العالم بأسره.. حصل ذلك وأصبح ممكناً في الرواية بفضل التعمق الكبير الذي حدث ليس فقط في الحياة الداخلية لأشخاص منفردين، ولكن في الحياة الداخلية للشعب، وفي الوجود الشامل، أي التعمق في التاريخ. لقد بدأت الرواية الروسية تستوعب التاريخ، وكان كل ذلك خطوة حاسمة باتجاه الكلية الملحمية الجديدة للتفكير الفني بالمقارنة مع ما كان معروفاً بالنسبة للرواية الأوروبية الغربية.ص74
إذا أخذنا بعين الاعتبار، ومن خلال الآفاق التاريخية، كل التنوع في البنى الفنية، وزمن ولادة الرواية الأمريكية اللاتينية في القرن العشرين، فإننا نستطيع اعتبارها خلفاً للأدب الروائي الروسي، وليس كأحد فروع الأدب الأوروبي الغربي رغم أنّها بالأساس مرتبطة معه تماماً.ص75 بل يمكن القول إنّ ولادة المنظومة الروائية الأمريكية اللاتينية ترتبط ارتباطاً عضوياً بنزعة التطور العالمية الشاملة. ص76
إنّ الأدب الروسي إذ تمخض عن تحولات ثورية كبرى وعبر الألم فإنّه شق الطريق نحو الإنسان الجديد، نحو الأفكار الأكثر عظمة والأكثر رئيسية وقداسة، نحو الأفكار الشاملة للعالم الجديد، وقد كان ذلك محصلة أكيدة للحلم بالعدالة الاجتماعية.. قدم أدباً رائعاً بحث في القضايا العامة للوجود الشامل.
فالأدب الروسي إذ أحاط بالتجربة الروحية للغرب في ذروة تجلياتها (ويكفي أن نتذكر أية أهمية كان يعنيها جان جاك روسو بالنسبة لتولستوي)، فإنّه أعاد تقييمها بروح انتقادية من جهة، وأعطاها مدىً شاملاً، وأعاد صهرها من خلال الأبحاث التي أملاها التاريخ من جهة أخرى، منشأً بذلك تقاليده الروحية والفنية الخاصة، والتي خضعت لعملية تركيب جبارة مع الثقافة العالمية.ص83
إنّ التاريخية الجديدة، والبحث عن إنسانية جديدة، والاختراق الذي حصل باتجاه الإنسان الجديد، كل ذلك يشكل أساس الرواية الأمريكية اللاتينية المعاصرة.
إنّ مفهوم تولستوي هو انبعاث الإنسان في الإنسان الحقيقي، وما يسمونه الآن بعودة الإنسان إلى طبيعته الأصلية. إنّ المعيار الإنساني لدى تولستوي موجود في الماضي أو بشكل عام فوق العالم.. إنّ الرهان عند تولستوي قائم على الضمير بصورة رئيسية، حيث نجد لديه أشخاصاً محقين وآخرين مذنبين، إننا نجد لديه ضحايا ومفسدين.. أما الإنسان عند فارغاس ليوسا ـ في روايته "البيت الأخضر" عام 1966 ـ فهو ليس طيباً ولا فظاً، إنّه ببساطة إنسان، إنسان عادي لديه نقص في إنسانيته، إنّه ليس إنساناً كاملاً. ومن وجهة النظر هذه نجد أنّ الرهان الإنساني ليس على الماضي، ولا على الحاضر، وإنما على المستقبل. وبعبارة أخرى فإنّ الرهان قائم ـ حسب فارغاس ليوسا ـ ليس على عودة الإنسان إلى طبيعته الأصلية، ولكن على اكتسابه طبيعة جديدة أكثر إنسانية. أي هناك اتجاهان في الفكر؛ الأول يتمثل ببعث الإنسان لدى تولستوي، وتحسينه عن طريق التثقيف الذاتي، وفي الثاني تبدو مسألة الإنسان كمسألة طراز اجتماعي آخر للإنسان.ص95 لقد توصل الروائيون الأمريكان اللاتينيون إلى الفهم الفني للتاريخ من خلال الطرز التاريخية للإنسان الاجتماعي، وليس بواسطة الميزات، وهنا تكمن الفلسفة الفنية للتاريخ، والتي تتوجه إلى الأمام.
عوامل نضج الرواية في أمريكا للاتينية:
إنّ منبع تطور الرواية يكمن في تطور الواقع، وفي حركة الفكر الإنساني، وفي التمركز والتوسع الأكبر لمجال الفكر حول العالم والإنسان والتاريخ..
العوامل الأساسية التي أدت إلى تطور ونضج فن الرواية في أمريكا اللاتينية ـ حسب رأي الكاتب البيرواني ماريو فاراغاس ـ شملت أربعة محاور رئيسية، هي:
1 ـ الموضوع: في إشكالية أزمة الموضوع في الرواية كان مطلع القرن الماضي مسرحاً لنشوء الكثير من التيارات والمذاهب الأدبية، والتي كانت وليدة هواجس الأدباء بالحداثة والتجديد، أولت أهمية بالغة للمستوى التعبيري على أساس تهديم اللغة. وعمدت إلى تجريد الأدب والفن من نزعته الإنسانية.. تم تجاوز هذه الإشكالية في الأدب الأمريكي اللاتيني من خلال العودة إلى إنسانية الفن والأدب، وإعطاء الرواية بعداً إنسانياً شمولياً، بحيث أصبحت الشخصية هي المحور الأساسي في الرواية، مزيحة بذلك الطبيعة عن مكانها الممتاز في التقييم الروائي في الآداب الأمريكية اللاتينية الجديدة. ص85-86 فالفلاح كما يقول الكاتب الأوروغوياني ماريو بنيديتي "لا يريد مشهداً ظلّ دائماً ملكاً لسادته، بل يريد قطعة من الأرض يمكنه أن يغرس قدميه فيها... إنّ أمريكا اللاتينية تصل بسرعة إلى نتيجة أنّها يجب أن تحول مشهدها إلى جغرافيا بشرية، إلى عدالة اجتماعية، وهذه العملية هي التي يحققها كتابها".(10)
2 ـ محور الواقع: مما لاشك فيه أنّ الرواية الأمريكية اللاتينية هي رواية واقعية.. والكتاب الأمريكيون اللاتين إذ يحققون مركباً أدبياً مستفيدين من التجارب والمذاهب الأدبية السابقة ومن رغبتهم الملحة في تناول الواقع من خلال بحثهم المستمر عن منابع إلهام جديدة (كالحلم والأسطورة).ص87 "إنّ الواقع الأصيل أكثر بكثير من مجرد السياق الاجتماعي التاريخي السياسي.. إنّه كل إنسان والبشر جميعاً، الإنسان المعذب، الإنسان في قلب الدوامة التاريخية، الإنسان العاقل، والإنسان الصانع، والإنسان الأرضي، الشسبق والمسؤولية الاجتماعية، العمل الخصب ووقت الفراغ الخصب، لذا فأدباً جديراً باسمه هو ذلك الذي يؤثر في الإنسان من كل الزوايا (وليس فقط، أو أساساً من الزاوية الاجتماعية السياسية لكوننا ننتمي إلى العالم الثالث) والذي يتسامى بالإنسان، يحفزه، يغيره، يبرره، يخرجه من قوقعته، يجعله أكثر واقعية، أكثر إنسانية.."(11)
3 ـ المحور الاجتماعي: لقد احتلت المسألة الاجتماعية حيزاً بالغ الأهمية في مؤلفات وأعمال الكتاب الأمريكان اللاتينيين، وتوسعت دائرة الاهتمام فيها بشكل كبير.. منها العمل لإنصاف المسألة الهندية في بلدانهم، والتعبير عن الجموح إلى التمرد الملتهب المناهض للإمبريالية... وتناول هموم ومشاكل المجتمعات البشرية، مما يعبر عن قناعة عميقة بديمومة الرسالة الاجتماعية للأدب والفن، بعيداً عما يطرأ على البنى والتراكيب الفنية من تجديدات في التقنية والأسلوب والشكل.ص90
4 ـ المحور اللغوي التجريبي: إنّ إحدى أهم المشكلات الجوهرية بالنسبة لأمريكا اللاتينية كانت وما تزال البحث المستمر عن هوية ثقافية. ويرجع السبب في ذلك إلى تنوع وتعدد المكونات التي تدخل في نسيج هذه القارة.. وفي سبيل عملية الخلق والتطوير تم التوجه نحو الموروث الثقافي واللغوي للأقليات العرقية في البلاد، والتي تمثل إحدى المنابع الهامة للغة الأدبية.. إنّ الأدب لغة في المقام الأول (وهذا الاعتراف لا ينفي العوامل الأخرى النفسية والاجتماعية و.. التي تسهم في خلق وتكوين الأدب والمنظومة الروائية) وهذا السبب هو الذي دفع بالروائيين إلى البحث عن الحداثة، والتجديد في الكلمة وفي اللغة..ص90-91
بعض الآراء:
مع الإقرار بصحة الرأي القائل بأنّ "عالم الفنون ـ كما يقول بابلو نيرودا ـ هو محترف كبير يعمل فيه الجميع ويساعد بعضهم بعضاً. رغم أنّهم قد لا يعلمون ولا يصدقون. ونحن، في المقام الأول نلقى العون من عمل من سبقونا. ومن المعروف أنّه لا وجود لروبن داريو من دون جونجورا، ولا لأبوللينير من دون رامبو، ولا لبودلير من دون لامارتين، ولا لبابلو نيرودا من دونهم جميعاً"(11) إلاّ أننا نرى وجود بعض الأفكار في هذا الكتاب حملت طابعاً تعميمياً، وهي ـ حسب رأينا ـ تحتاج إلى تحديد وتدقيق منها:
ـ القول يأنّ: "الأدب الأمريكي اللاتيني الراهن، بمعنى أو بآخر، هو أدب انبعاث الثورة الأمريكية اللاتينية التي لم تنتصر إلاّ في بلد واحد (المقصود كوبا).."ص77
ـ محاولة إقحام مسألة التشابه في عدد من مسائل الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية بين القارة الأمريكية اللاتينية وروسيا النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي توجهات الأبحاث التي قادها الأدب. ص78 والبرهان على ذلك تطابق كلمات دستويفسكي "نحن لسنا أوروبيين" التي قالها عام 1861، وكلمات خوسيه مارتي "قارتنا أمريكا" التي كتبها عام 1891. وقد يكون الكاتب متأثراً بقراءاته وإطلاعه الواسع على النظريات الكثيرة بهذا الخصوص في الأدب الروسي..
كما كان من الأفضل ـ حسب رأينا ـ وضع عناوين فرعية للكثير من الفقرات لترتيب وتنظيم الأفكار، وعنونة فصل "الأدب في الغرب الرأسمالي.." بـ "العلاقة بين الأدب في الغرب الرأسمالي، وأدب أمريكا اللاتينية".
الكتاب هام وغني وذو وفائدة لكل مثقف ومهتم وكاتب قصة وروائي، كما أنّ الأستاذ يونس كامل ديب كان موفقاً عندما بين أن تأثيرات الآداب الأوروبية والروسية لا تمثل جوهر الأدب الأمريكي اللاتيني مهما بلغت من الأهمية، وأنّ هذا الأدب إذ يستوعب هذه التأثيرات فإنّه يخلق باستخدامها شيئاً ذا خصوصية وعالمياً في الوقت نفسه.
طرطوس 7/11/2004 شاهر أحمد نصر
Shaher5@scs-net.org
الهوامش
(1) أزمة مفهوم الأدب في فرنسا في القرن العشرين ـ ألبير ليونار ـ ص232
(2) نفس المصدر. ص233
(3) ف. بيلنسكي ـ نصوص مختارة. ص134
(4) سيزار فرناندث مورينو ـ أدب أمريكا اللاتينية، قضايا ومشكلات ـ عالم المعرفة ـ ج1. ص24.
(5) نفس المصدر ج2. ص178
(6) خوليو كوتاثار ـ اختلاف وتلاقي في وجهات النظر ـ 1983 ص19-20
(7) الواقعية وأعداء الواقعية في الأدب البرازيلي عام 1991
(8) سيزار فرناندث مورينو ـ أدب أمريكا اللاتينية، قضايا ومشكلات ـ عالم المعرفة ـ ج1. ص307
(9) توماس مان. المختارات. الجزء العاشر. ص280
(10) سيزار فرناندت مورينو ـ أدب أمريكا اللاتينية قضايا ومشكلات ـ عالم المعرفة ج2 ص229
(11) د. حامد أبو حامد ـ قراءات في أدب أسبانيا وأمريكا اللاتينية ـ دراسات أدبية ص180

------------
الحوار المتمدن

 

شاهر أحمد نصر
الجمعة 12 نونبر 2021