عيون المقالات

العقل الكبير الذي خطفه كورونا

17/06/2021 - د. عمار علي حسن

لأناركية ثمرة الصراع بين الشرعية والمشروعية

15/06/2021 - المحامي عبد الناصر حوشان

أسئلة في الحب

15/06/2021 - أسعد طه

معارك حلب.. تفاصيل معارك الثكنات

13/06/2021 - العقيد عبد الجبار عكيدي

نحن وموسكو والزمن قصير

07/06/2021 - د. يحيى العريضي

علي دوبا ينتخب بشار الأسد

07/06/2021 - صبحي حديدي

تعالوا أحدّثكم عن رزان زيتونة

04/06/2021 - مصعب الحمادي


المفاوضات السّريّة والعلنيّة بين القوى الإقليميّة: ما دوافعها وآفاقها وهل تؤثر في لبنان؟




كثرت في الآونة الأخيرة الأخبار والتقارير عن تغيرات كبيرة في المنطقة، نتيجة تطور مواقف لاعبيين إقليميين ودوليين. ولاقت التسريبات عن زيارة مدير الاستخبارات السعودية الفريق خالد الحميدان دمشق أخيراً، واجتماعه مع مسؤولين سوريين أصداءً كبيرة، بخاصة أنها تأتي بعد تقارير عن اجتماعه مع قيادات في الحرس الثوري الإيراني في بغداد. وكان الاستنتاج الأول للعديد من اللبنانيين أن هناك مساومة تجري لإعادة تسليم لبنان الى سوريا، وعليه يجب على الجميع البدء بإعادة حساباتهم.


 
طبعاً هناك تحركات كبيرة في المنطقة نشطت منذ لحظة دخول الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن البيت الأبيض، وهي ليست محصورة فقط في تغيرات من ناحية إيران، لكن أيضاً من جانب تركيا، حيث هناك ما يبدو تغييراً استراتيجياً في موقف الرئيس رجب طيب أردوغان وإعادة تموضع تهدف لإنهاء العلاقة مع الإخوان المسلمين وتطبيع العلاقات مع الدول العربية الفاعلة إقليمياً ودولياً، وتحديداً مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. فما مدى صحة وجود تغييرات وما يمكن أن يكون حجمها ووقعها؟
 
الانفتاح على النظام السوري هو هدف تدفع روسيا باتجاهه منذ فترة، فبعدما تمكّنت من إنقاذ النظام من السقوط بمساندة إيرانية، تسعى اليوم للحصول على أموال لإعادة إعمار البلد من أجل تأمين استقراره وتثبيت وجودها والاستفادة اقتصادياً. لكن مساعي موسكو تصطدم بعائقين أساسيين: الأول هو رفض واشنطن والاتحاد الأوروبي تأمين أي دعم مالي من دون حصول عملية انتقال سياسي تنتهي بخروج بشار الأسد من السلطة، ويقف قانون قيصر الأميركي بالمرصاد لمعاقبة أي جهة تتعامل مع النظام السوري. العائق الثاني هو رفض دول الخليج تقديم مساعدات والاستثمار في سوريا، مع استمرار وجود الميليشيات الإيرانية في سوريا، حيث تؤثر تأثيراً كبيراً في القرارات الداخلية. فما لم يكن هناك تراجع في الوجود والنفوذ الإيرانيين في سوريا، فإن دول الخليج لن تقدم على أي استثمارات مالية مهمة فيها، وستقتصر تحركاتها في الفترة المقبلة على إعادة فتح سفاراتها، وربما إعادة سوريا الى كنف الجامعة العربية. وبالتالي، ما يجب أن ينتظره المرافبون هو معرفة ماذا سيقدم النظام السوري مقابل مساعدات مالية هو بأمسّ الحاجة لها من دول الخليج، ولإعادة الاعتبار عربياً له. فدول الخليج التي تتحرك بدافع إبعاد سوريا عن النفوذ الإيراني لن تساهم بتكريس هذا النفوذ، ومساعدتها للنظام السوري لها أهداف متعلقة بالمصالح العربية - السورية والعربية - الروسية من دون إغضاب الغرب. 
 
أما في ما يخص لبنان وإمكان عودة النفوذ السوري الذي يتشوق له حلفاء النظام السوري التقليديون، فهي لن تكون ممكنة لأسباب، أهمها:
 
سوريا اليوم ليست سوريا 2010، أي ما قبل الثورة. فالنظام بالكاد يسيطر على ثلثي مساحة أراضيه، ويتشاطر أماكن سيطرته مع الميليشيات الإيرانية وقوات تأخذ أوامرها من موسكو. كما أن اقتصاد سوريا أسوأ من حال الاقتصاد اللبناني، وبالتالي لا يملك القدرة على تمويل عمليات وأحزاب. كما أن الخزينة اللبنانية مفلسة ولم تعد تشكل عاملاً جذاباً لسوريا وغيرها للتدخل.
 
لبنان اليوم هو تحت التأثير الإيراني، وبالتالي لن تسلّم طهران هذه الورقة لنظام موجود اليوم بفضل تدخل قواتها واستمرار وجودها على أراضيه. 
 
أميركا وأوروبا تعارضان بشدة استمرار بشار الأسد في السلطة، وبالتالي لن توافقا على أي دور له على الساحة اللبنانية.
 
لكن يسأل البعض عن إمكان استخدام لبنان ورقة لإحداث خلاف بين النظام السوري وإيران، والجواب هو أن النظام السوري بحالته الضعيفة عسكرياً واقتصادياً لا يستطيع التخلص من القوة العسكرية الإيرانية على أراضيه من دون تدخل خارجي، وتحديداً من روسيا. وحتى الآن لا يبدو أن روسيا بصدد الدخول في مواجهة مع إيران على الساحة السورية. كما أن التقارير عن مفاوضات خفية مع إسرائيل قد بهتت أخيراً، ما يؤشر الى عدم إحرازها أي تقدم يشجع على توقع حدوث أي تغير قريب في الموقف الاستراتيجي للنظام السوري من مسألة السلام والتطبيع مع إسرائيل. 
 
المتغيرات من الجانب التركي هي نتيجة قرار من أنقرة التي باتت ترزح تحت ضغوط اقتصادية كبيرة نتيجة سياسات أردوغان تجاه جيرانه العرب والأوروبيين. فسياسة استخدام الإخوان المسلمين للتمدد في العمق العربي فشلت فشلاً ذريعاً، وتسببت في توتر العلاقات مع أهم القوى الاقتصادية في العالم العربي التي توقفت استثماراتها في تركيا. وكان على أردوغان الاختيار بين المضيّ في هذه السياسة التي أدت الى خسائر اقتصادية من دون أي مكاسب إطلاقاً، أو التخلي عن الإخوان المسلمين وتطبيع العلاقات مع الدول العربية، وهو ما يجري اليوم. ولا تزال أنقرة تحاول إحداث توازن في علاقاتها مع روسيا والغرب في ظل تناقضات وتوترات مع الدول الأعضاء في حلف الناتو، وتهديدات من دول أوروبية بفرض عقوبات عليها. كل ذلك في وقت تتراجع شعبية أردوغان الذي يستعد للانتخابات العامة والرئاسية في 2023. وبالتالي، فالمتغيرات مع تركيا أسبابها ودوافعها الرئيسية هي حاجة من جانب أنقرة أكثر من جيرانها.
 
أما التواصل مع إيران وفتح أقنية تفاوض، بخاصة مع قيادات الحرس الثوري، فسببه الأساسي هو أن طهران تريد إنجاح المفاوضات مع أميركا والقوى العظمى في فيينا من أجل رفع العقوبات عنها، وتعلم أن ذلك لن يكون ممكناً مع استمرار أجواء التوتر مع جيرانها العرب في المنطقة. فما دام هناك حوادث أمنية وتوترات بين إيران وجيرانها، فإن المفاوض الأميركي سيكون تحت ضغوط شديدة تمنعه من إحداث أي تقدم. يعتقد بعض المحللين الغربيين أن الإدارة الأميركية وصلت الى قناعة بأنه لا يمكن لأي اتفاق جديد مع طهران أن يتم قبوله محلياً ودولياً في ظل استمرار التوترات الأمنية والعمليات العسكرية للمجموعات التابعة لإيران. ولم تكن دول الخليج يوماً الجهة التي كانت ترفض التواصل والاتفاق مع الجانب الإيراني، بل كانت الدبلوماسية الإيرانية هي من تصطدم بتعنت الحرس الثوري ضمن الصراع الأيديولوجي داخل إيران، والذي أقر به أخيراً وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف. فالتسجيلات المسرّبة له كانت كالمثل القائل: "وشهد شاهد من أهلها"، إذ كشفت تصريحات ظريف الدور الذي يلعبه الحرس الثوري بإعاقة الدبلوماسية الإيرانية. وعليه، فإن قيادات الحرس الثوري التي تسيطر مباشرةً على الميليشيات الإيرانية في المنطقة هي من تفاوض الجانب العربي اليوم، آملة التوصل الى آلية لخفض التوتر، ما سيسهّل على الوفد الإيراني في فيينا التوصل الى اتفاق جديد مع واشنطن يرفع العقوبات عنها. لكن الأمور على ما يبدو لم تتقدم كثيراً حتى الآن، ربما بانتظار تطورات على الساحة الإقليمية تخفض من حجم التصعيد الحالي. فأيهما يسبق الآخر؟   
- --------
النهار العربي

رياض قهوجي
الخميس 6 ماي 2021