الهجرة الافريقية لأوروباحولت المغرب من محطة عبور لبلد استقرار






الرباط - أمين الركراكى- في أحد أزقة حي المغرب العربي بمدينة تمارة المتاخمة للعاصمة المغربية الرباط يرابط "الحسن" الإسكافي منهمكا في إصلاح أحذية زبائنه من المقيمين في الجوار ممن اعتاد الرد على تحيتهم يوميا أو من يمر به بالصدفة.
الحسن /43 سنة/، مِثلَ كثير غيره من الأفارقة، غض الطرف عن حلم الوصول إلى الفردوس الأوروبي الذي راوده لشهور عديدة و اختار الاستقرار في آخر محطات الرحلة الطويلة التي بدأت ذات يوم من مدينة كوماسي الغانية.


 
يعتبر المغرب من أكثر الدول المعنية بالهجرة الافريقية نحو أوروبا لاعتبارات عديدة منها قربه الجغرافي و تساهل السلطات المغربية مع المهاجرين غير الشرعيين، بل إن موضوع الهجرة أصبح أحد الأركان الثابتة في مختلف الاتفاقيات الثنائية أو الجماعية التي يوقعها مع دول الاتحاد الأوروبي.
في السنوات الأخيرة ضاق هامش الخيارات أمام المهاجرين الراغبين في الانتقال إلى الضفة الشمالية فاختار الكثير منهم الاستقرار في بلد العبور بدل العودة إلى مواطنهم آملين في أفق أفضل.
السلطات المغربية أعلنت منع 89 ألفا من العبور إلى إسبانيا سنة 2018 فيما تمكن أكثر من 57 ألف من بلوغ الضفة الأوروبية.
قال الحسن لوكالة الأنباء الألمانية(د.ب.أ): "مررت بظروف صعبة قبل الوصول إلى العاصمة الرباط حيث اشتغلت في البداية في سوق السمك قبل أن أقرر البحث عن بديل أفضل فتحولت إلى إسكافي. فكرة الوصول إلى أوروبا لم تعد تدور في مخيلتي بسبب المراقبة الشديدة للحدود و المخاطر المحيطة بالمغامرة. أضمن دخلا شهريا يتيح لي تحويل 100 يورو لأسرتي الصغيرة المكونة من زوجة وابن وحيد إحتفل بعيد ميلاده العشرين في شهر آب/أغسطس الماضي".
الحسن تمكن من الحصول على بطاقة إقامة مستفيدا من الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء التي أطلقها المغرب قبل سنوات من أجل تدبير أفضل لموجات الهجرة، حيث بلغ عدد طلبات تسوية الوضعية التي تلقتها الحكومة المغربية السنة الماضية ما يفوق 56 ألف وافقت على 43 ألف منها.
و على بعد كيلومترات قليلة من مكان تواجد الحسن يعمل يونس /22 سنة/ في مقهى يقبع فيه طيلة النهار لإعداد طلبات الزبائن محاولا سبر أغوار المجتمع المحلي المختلف كليا عما عهده في مدينته كوناكري الغينية.
يونس قضى في المغرب ثمانية أشهر منها شهران في مدينة طنجة المطلة على جبل طارق في الجهة المقابلة من البحر الأبيض المتوسط حيث كان يأمل في العبور، وبدأ اختبار العودة لمدن الوسط بحثا عن عمل.
وعلى عكس الحسن فيونس لم ييأس بعد من حلم الوصول للضفة الأوروبية مادام أن دخله من عمله الحالي يكفيه فقط لتسديد تكاليف عيشه اليومي من مأكل و مبيت... رحيل والده في شهر كانون أول/ ديسمبر الماضي فك ارتباطه الوجداني مع موطنه حيث صار المستقبل وحده المحفز على خوض المغامرة مرة أخرى.
بلغ عدد العمال المهاجرين في المغرب أكثر من 26 ألفا حسب معطيات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لسنة 2017، يشتغل أغلبهم في قطاعات الخدمات والتجارة و الصناعة التحويلية والبناء مقابل بعض مئات في قطاعات الفلاحة و الصيد.
الرقم يتضمن المصرح بهم فقط في حين أن العدد الحقيقي يفوق ذلك بكثير، فضلا عن لجوء كثير من المهاجرين للأعمال الحرة ؛ من ممارسة التجارة الحرة بالتنقل بين الأحياء و المحلات والمقاهي لعرض ما تيسر من بضاعة تختلف حسب الفصول والمناسبات.
السنغالي ممادو /26سنة/لا تراوده الهجرة في الوقت الحالي و يتجلى هدفه في الوقت الراهن في الحصول على عمل في مجال الفلاحة بإحدى الضيعات المغربية بعد الحصول على إقامة قانونية.
ممادو اختار الاعتماد على نفسه لتدبير مصروفه اليومي بالتجول على المقاهي لبيع بضاعته المكونة من تذكارات و عطور و إكسسوارات معظمها جلبها معه من بلده في رحلاته المتعددة بين المغرب و السنغال.
بعض المهاجرين ممن لا يملكون مهارات محددة اختاروا استجداء المارة في الأزقة و الأسواق و المساجد و ملتقيات الطرق بعبارات عربية مكسرة تعلموها بحكم الاحتكاك اليومي مع أبناء البلد.
وقال يونس لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) بابتسامة يحاول من خلالها التخفيف من قساوة الظروف التي مر بها" قضيت شهرا لكي أصل إلى "وجدة " مرورا بمالي و الجزائر. رحلة شاقة قضيت معظمها مشيا على الأقدام مع رفاق تعرفت عليهم في مالي. الجوع و العطش والتعب والبرد القارس لم تكن مشكلتنا الوحيدة فقد تعرضنا للسرقة أربع مرات" .
"الاستقرار في المغرب خيار مطروح لكنه ليس من أولوياتي في الوقت الحالي ما دمت لم أحصل على شغل يوفر لي دخلا شهريا يكفي حاجياتي" يضيف يونس.
تعتبر الهجرة من المواضيع الحاضرة بقوة في المحادثات السنوية بين المغرب و الاتحاد الأوروبي لرغبة دول الشمال في الحد من ظاهرة تدفق المهاجرين غير الشرعيين لذلك لم تتوان في الإعلان عن تخصيص دعم بمبلغ 140 مليون يورو لمساعدة المغرب في جهوده لمحاربة شبكات الهجرة السرية منها 30 مليون تسلمها بداية السنة الجارية.
في العاصمة الرباط و المدن المجاورة لا يكاد المرء يمر من زقاق أو محل دون أن يلتقي بأحد مواطني بلدان جنوب الصحراء كثير منهم يشتغل في مهن بسيطة مثل البناء، رأس مالهم عضلاتهم المفتولة و تفانيهم في العمل، ومنهم من اختار طواعية كنس الأزقة مقابل ما يجود به السكان في تعايش تام أضحى جزءا من المشهد العام في بلد قدره أن يكون مجاورا للفردوس الأوروبي.
 
 

أمين الركراكى
الاثنين 23 سبتمبر 2019