تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون


انهيار منظومة القيم يهدد المجتمع الجزائري بأزمة عميقة





الجزائر - لم تكن التسريبات التي طالت على نطاق واسع مواضيع امتحانات الثانوية العامة في الجزائر والصخب السياسي والإعلامي الذي صاحبها، سوى سقطة من سقطات المجتمع الجزائري الذي فقد معالمه والكثير من المواقف التي اشتهر بها، ربما تأثرا بالتحولات السريعة التي يشهدها العالم، أو نتاج أزمة العنف التي ضربت البلاد مطلع التسعينيات من القرن الماضي والتي لا زالت أثارها ظاهرة للعيان حتى اليوم.


 
كان يكفي أن يعترف رئيس الوزراء عبد المالك سلال بان الغش والفساد مس قطاعات عديدة في البلاد، ثم بعده احمد اويحيى مدير مكتب الرئيس بوتفليقة واحد المرشحين المحتملين لخلافته، ليؤكد ان الانطباع السائد لدى غالبية الجزائريين وهو أن ثمة أشياء تغيرت جعلت من الجزائر هذا البلد الذي احتفل قبل أربعة أعوام باستقلاله عن فرنسا بعد 132 من الاحتلال البغيض والظالم، لم يعد ذلك الوطن الذي كان مفخرة ليس فقط لأبنائه وإنما لكل من زاره ووقف على كرم وشهامة وحتى فطنة ورقة أفراد مجتمعه.

من يتحمل المسؤولية؟

تتسابق وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي يوميا على نقل تفاصيل مثيرة لتصرفات وسلوكيات طائشة لأشخاص وجماعات سواء في الأسواق والمستشفيات أو في الطرقات السيارة وحتى في الجامعات والمدارس التعليمية والمساجد، لا تعير أدنى اهتمام لقيم ومبادئ المجتمع والأدهى من ذلك أنها لا تخشى آية قوة " معادية".

يجزم أمين وهو أحد المواطنين البسطاء لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) انه لا يمكن للسلطة المتساهلة أن تسترد مصداقيتها التي تعرضت لضربة في الصميم بين عشية وضحاها، أو بمجرد الإعلان عن توقيف المتورطين في تسريبات مواضيع امتحانات الثانوية العامة وتقديمهم أمام القضاء من أجل القصاص منهم، أو الإعلان عن إجراءات لمحاربة الفساد والخارجين عن القانون. ويضيف أمين أن الوضع أعمق وأخطر مما قد يتصور البعض، حيث لم يتأخر في القول أن الحكومة فقدت سيطرتها على المجتمع ولم تعد قادرة حتى على مواجهة الباعة الفوضويين الذين رفضوا الانصياع لنداءاتها " المتكررة" من اجل تقنين 45 من المئة من الأموال التي يقول خبراء الاقتصاد انه يتم تداولها في الأسواق وعبر قنوات غير شرعية.

سعيد كهل اقترب من عقده السادس بدا على محياه الغضب وهو يقف أمام سيارته ينتظر داخل محطة وقود ليس بعيدا عن مبنى رئاسة الجهورية، اغتاظ لطريقة تعامل أحد العاملين بالمحطة فراح يقول انه لا توجد حكومة في هذا البلد، وزعم أن كل شخص بمقدوره أن يفعل ما يحلو له ولا يجد من يوقفه عند حده ولا من يعاتبه على تصرفه غير المسؤول. ولم يخف سعيد تحسره عن زمن الماضي الجميل عندما كان للحياة معنى ومذاق على حد وصفه.

حنين سعيد إلى الأوقات الجميلة يخفي بين طياته رفض غير معلن للنمط المعيشي الذي تحاول أطراف فرضه على المجتمع.

"غضب وانتقام"

لكن فاتح وهو احد الكوادر المتخرج من الجامعة الجزائرية ويشتغل بهيئة مملوكة للدولة ينزع المسؤولية عن الحكومة ومؤسساتها ويحمل جزءا كبيرا منها للفرد أو المواطن، وبرأيه فلا احد يرغم أيا كان مثلا على رمي الفضلات والأوساخ في غير المكان المخصص لها أو يبيح التعرض للأبرياء بالليل والنهار، ثم يسترسل متسائلا هل يمكن للحكومة أن تضع شرطيا خلف كل مواطن من أجل مراقبة تصرفاته وحركاته وحتى معاقبته؟

ويحاول فاتح أن يبرر سلوكيات بعض أبناء جلدته، فيقول إنها محاولة للتعبير عن الغضب الذي ينتاب هذا المواطن احتجاجا على الوضع العام في ظل عدم تواجد فضاءات كان يمكن لها أن تمتص حماسه وغضبه، وتمكنه من التعبير عن أرائه بكل حرية. كما يصفها أيضا بأنها نوع من الانتقام، وهي طريقة يعتقد بأنها خاصة بالجزائريين الذين في اعتقاده يعانون أزمة نفسية بالدرجة الأولى، تستلزم إخضاعهم لأخصائي نفساني بشكل دوري لأنهم يواجهون المشاكل بسلبية زائدة عن اللزوم، وليس بإيجابية مثلما يفترض أن يكون.

ويلوم فاتح تراكمات ومخلفات الماضي، مشيرا إلى الشرخ العميق الذي أحدثه الاستعمار الفرنسي في عمق المجتمع الجزائري، فضلا عن الأزمة الكارثية التي أنتجتها موجة العنف الناجمة عن الصراع على الحكم بين المتحكمين في السلطة، والإسلاميين المتشددين بداية تسعينيات القرن الماضي.

ورغم رفضه للسلوكيات والتصرفات التي تتنافى مع الأخلاق واحترام الآخرين، إلا أن فاتح يرفض تضخيم الأمور معتبرا أن ما يحدث في الجزائر يقع في جميع المجتمعات. كما أكد أن الجزائري ليس سيئا للدرجة التي تصورها بعض وسائل الإعلام، وان نفس هذا الشخص الذي يتهم بالكسل والعنف وعدم احترام الآخرين يقبل بكل الوظائف المتاحة عندما يكون في دولة أجنبية لأنه ملزم بضمان لقمة عيشه واحترام قانون هذا البلد.

وقدم مثالا عن صديق له استقر للعيش في الجارة موريتانيا حيث يدير متجرا لتقديم الأكلات والوجبات الخفيفة والسريعة، لافتا أن صديقه هذا يتنقل إلى الزبائن لمسافة عشرات الأمتار لمعرفة طلباتهم وخدمتهم مشككا في أن يقوم صديقه بهذا التصرف لو كان موجودا في الجزائر.

انهيار لمنظومة القيم وانحراف بفعل فاعل

يلفت سعيد وهو صحفي في إحدى اليوميات المعروفة أن زيارته للكثير من الدول في أفريقيا وأوروبا جعلته ينتفض في وجه تصرفات الكثير من الجزائريين في الكثير من أمور الدنيا، بل ذهب أكثر من ذلك عندما شدد أن بعض هذه التصرفات جعلته يضع أصحابها خارج التصنيف بالمرة.

أما عمر وهو مدير محطة إذاعية حكومية محلية، فيؤكد لـ"د.ب.أ" أن انحراف المجتمع الجزائري عن المسار الصحيح تم بفعل فاعل، موضحا أن الجزائريين يعيشون اليوم أزمة حقيقية بسبب تلاشي منظومة القيم والتي تبنى على أساس الدين والعرف.

وسجل عمر طغيان الاعتبار المادي على مظاهر الحياة بحيث لم يعد للإنسان مكانة وحضور إلا بما يملك من قصور وأموال وسيارات فخمة، كل هذا بعيدا بعيد عن الاعتبارات القيمية الدينية والاجتماعية التي توارثها الآباء عن الأجداد.

ويستدل عمر بما يحدث للمجتمع في شهر رمضان المبارك عندما ينحصر الحديث على موضوع الأكل والشرب منوها أن المنظومة التي كانت قائمة على الأعراف وثوابت الدين تلاشت ولم يعد لها وجود.

الجزائر ..بحاجة إلى " قائد" رد احد الممثلين خلال برنامج ساخر يبث على إحدى القنوات التلفزيونية الخاصة خلال شهر رمضان على تساؤل لزميل له عن تأخر اتحاد الكرة في تعيين مدرب جديد للمنتخب الأول المقبل على التصفيات المؤهلة لنهائيات كاس العالم 2018 بروسيا، بالقول إن البلاد تعاني كلها من غياب المدرب الرئيسي عن المشهد العام للبلاد، في إشارة إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. كلام يعكس مدى التخوف من حالة التيه التي انجرت إليها الجزائر بسبب غياب المسؤول الأول عن لعب دوره كاملا غير منقوص.

يقول سليم عثماني وهو رئيس مجلس إدارة شركة مصبرات الجزائر الجديدة "رويبة" الخاصة ورئيس نادي التفكير حول المؤسسة، أن الجزائر تحتاج اليوم إلى قائد، لأن القيادة (leadership) مهمة جدا، معربا عن أسفه لمرض الرئيس بوتفليقة لأنه يلعب دورا مهما في استقرار المجتمع الجزائري، ولكنه جسديا غير قادر على منح نموذج القيادة الذي نحتاجه البلاد اليوم.

ويجزم عثماني أن الجزائر تعيش في وضعية معرقلة لبروز نماذج قيادية قوية جديدة. غير انه يشدد على أن المجتمع الجزائري قادر على إنتاج نماذج قيادية بارزة وقوية من الجيل الجديد، بإمكانها وضع تصورات وحلول ومشاريع مجتمع قوية، لان كل الدول تحلم ببروز نخب جديدة وقوية قادرة على وضع تصورات وحلول ناجعة لمجتمعاتها.

كما يرى أن الوصول إلى ذلك يجب أن يكون عن طريق تبادل للأفكار صريح وبمشاركة جميع مكونات المجتمع، بعيدا عن الإقصاء والتهميش، فضلا على ضرورة إشراك الشباب ووضع الثقة فيهم وتمكنيهم من الخبرات المتراكمة.

ويجمع العديد من النشاط عبر مواقع التواصل انه حري بالحكومة ومختلف مؤسسات الدولة أن تكون هي المثل والعبرة للآخرين، وان تكون بمثابة القاطرة التي تقود المجتمع لجادة الطريق وما ينفعه، من خلال تخليها عن الشعارات التي تصر على تسويقها رغم زيفها، والانتقال إلى مرحلة العمل على المواجهة والتصدي بكل حزم لكل الآفات التي تنخر الأمة ومحاربة الفساد والمفسدين والتخلي عن المحاباة في تعيين الأفراد في مناصب المسؤولية التي يجب ان تمنح للأجدر و لمن هو أكثر كفاءة .

د ب ا
الاحد 10 يوليو 2016