عيون المقالات

المقبول والمرفوض في علاقة مصر بقطر

23/01/2021 - محمد ابو الفضل

خيوط التنوير الرمادية

23/01/2021 - عبد الرحمن شلقم

التحدي الأعظم لبايدن: الصين

22/01/2021 - سوسن الأبطح

هُزم ترمب... هل انتصرت الترامبية؟

19/01/2021 - ممدوح المهيني

قهوة الظّلماوي

17/01/2021 - فهد عافت

كيف دخلت كل هذه الكتب بيتي؟

16/01/2021 - مايكل ديردا

خطاب نصرالله تحت المجهر

15/01/2021 - نزيه دياب

هل يحل البوط مشكلتنا

14/01/2021 - مشيل كيلو


ايها الربيع العربي ترحم معنا على روح ماكبث






الربيع العربي أغري بعض مؤرخي الأدب بالتخلي عن الدقة‮ ‬التاريخية في سبيل خدمة القضية،‮ ‬فحوروا قليلا في تاريخ صدور مسرحية‮ »‬ماكبث‮« ‬لوليم شكسبير،‮ ‬وجعلوه في عام ‮١١٦١ ‬ميلادية ليجددوا من خلال سيرة ذلك الحاكم الدموي الاسقاطات التاريخية المألوفة بمناسبة مرور أربعة قرون ـ كما قالوا ـ علي صدور تلك المسرحية‮.


 
تاريخنا لا يوجد ما يدعم ذلك فالمسرحية مسجلة قبل ذلك التاريخ والأكاديميون الشكسبيريون الموثوقون يجعلون تاريخها ما بين عامي ‮٣٠٦١-٦٠٦١ ‬وربما كان الأجدي للمسقطين ان يقال انها مثلت بكثافة قبل أربعة قرون،‮ ‬ففي التاريخ المقترح أعلاه كان شكسبير قد تورط في مؤامرة ضد الملكة اليزابيث الأولي لعزلها،‮ ‬واعتمد المتمردون،‮ ‬وبينهم عشيق الملكة ليس علي مسرحية‮ »‬ماكبث‮« ‬وحدها بل علي ريتشارد الثالث ليقتنعوا اللندنيين ـ بأن خلع الحكام الشموليين ممكن ومباح‮.‬
وفي أعقاب التصفيات التي أجرتها الملكة الحيزبون ذات الشعر الأحمر كما يفعل الحكام في أعقاب كل مؤامرة ـ وأحيانا بدون مؤامرات ـ ضج المجتمع من كثرة إراقة الدماء دون وجه حق،‮ ‬فصارت مسرحية‮ »‬ماكبث‮« ‬تعرض بكثافة في مسرح‮ »‬جلوب‮« ‬علي الضفة الجنوبية لنهر التيمز ليري الناس عاقبة الحكام الدمويين،‮ ‬وما يجري لهم من‮ ‬انتقام وتكسير للطموحات والأحلام خصوصا ان كانوا من مغتصبي السلطة كالقائد ماكبث الذي قتل مليكه في ليلة ليلاء ليحقق نبوءة ساحرات تعرضن له وهو عائد من حرب الايرلنديين المتحالفين مع النورمانديين ضد بلاده‮.‬
وكثيرا ما يخطيء‮ ‬غير المتبحرين،‮ ‬فينسبون عبارة‮ »‬كل عطور جزيرة العرب لن تستطيع تنظيف هذه اليد الصغيرة‮« ‬إلي ماكبث مع انها حسب المسرحية الدموية لزوجته التي حرضته علي القتل وسفك الدماء،‮ ‬فلما أفاض واستفاض وجري الدم‮ ‬غزيرا في اسكتلندا التي حكمها دون وجه حق أصابت الليدي ماكبث الهلوسات من هول ما رأت،‮ ‬وصارت تغسل يديها عشرات المرات في اليوم لتعود وتري آثار الدماء علي راحتيها‮.‬
وكان ماكبث قد دخل في الهلوسة والهذيان ولم يعد يستطيع النوم من جراء جرائمه قبلها،‮ ‬فبعد أن قتل صديقه‮ »‬بانكو‮« ‬كي لا ينازعه وأولاده الحكم حسب نبوءة الساحرات،‮ ‬ودعا الضيوف للاحتفال معه في قلعته بـ‮ »‬انفيرنيس‮« ‬تخيل ان صديقه المقتول يجلس علي الكرسي الفارغ‮ ‬أمامه ويسأله عما فعل به وكيف استطاع الفتك بأعز أصحابه،‮ ‬وعندها اضطرت الليدي ماكبث،‮ ‬وكانت ماتزال متماسكة ان تلغي الحفل وتعتذر للضيوف بأن الملك ـ مغتصب العرش ـ متعب ويجب ألا يأخذوا كلامه مأخذ الجد‮.‬
ولعل الذين قرأوا المسرحية التي يجب أن تستعاد فعلا في حقب الدم المراق بسهولة فائقة في الربيع العربي لعلهم يذكرون ان ماكبث،‮ ‬وبحسب شكسبير عجز وتراجع عن ارتكاب الجريمة الأولي،‮ ‬فلم يغرس الخنجر في قلب ضيفه‮ »‬دنكن‮« ‬لكن زوجته عيرته بنقص الرجولة،‮ ‬وأخذت الخنجر منه وذهبت لتنفذ جريمة قتل الملك بنفسها،‮ ‬وعندها فقط اضطر ماكبث ان يستعيد الخنجر ويذهب لتنفيذ جريمة واحدة جرت لاحقا الوف الجرائم إلي أن‮ ‬غرقت اسكتلندا بالدم ولقي المجرم جزاءه بعد أن روع أمة وقتل خيرة شبابها‮.‬
تري هل كانت ليلي بن علي هي الليدي ماكبث التونسية أم كانت أسماء الأسد هي ليدي ماكبث سوريا أم صفية بركاش هي الليدي ماكبث الليبية أم أن زوجة علي عبدالله صالح التي لا يعرف الناس اسمها في اليمن حتي اليوم هي التي تقف وراء ما تم ارتكابه من جرائم وما اريق من دم في صنعاء وتعز‮..‬؟
تلك تفاصيل داخلية لا نعلمها اليوم وقد لا نعلمها أبدا لقرب‮ ‬غياب الشخصيات الدموية التي حاولت الوقوف في وجه الربيع العربي وثوراته،‮ ‬فقتلت دون هوادة وارتكبت من الجرائم ما لا يحصي،‮ ‬وهذا ما يجعلنا نترحم علي روح ماكبث الذي كان قاتلا مقلا مقارنة بهؤلاء الوحوش،‮ ‬ففي ليبيا يزيد عدد الضحايا عن الخمسين ألفا،‮ ‬وفي سوريا قارب عدد الشهداء الألوف العشرة مع ان الأرقام الرسمية تجعلهم أقل من أربعة آلاف،‮ ‬وهذه الأرقام لا تحصي معهم ما يعرف بملف المفقودين وهم في سوريا منذ آذار ـ مارس الماضي بحدود سبعة آلاف،‮ ‬وقد علمت تجربة الثمانينات السوريين ان المفقود في سجلات الدولة يعني انه مفقود للأبد ولن يعود،‮ ‬ففي الثمانينات كان في ملف المفقودين السوريين ‮٧١ ‬ألفا من البشر لم يعد منهم إلي يومنا هذا الحد‮.‬
وقد كنت استعيد هذا التاريخ الدموي مسرحا وواقعا يوم الإفراج عن جلعاد شاليط الثلاثاء الماضي،‮ ‬ويومها لم أملك نفسي من عقد مقارنة مفزعة بكل المقاييس،‮ ‬فقد كان عدد الذين قتلهم نظام بشار الأسد من السوريين في ثمانية أشهر أعلي من رقم السوريين الذين قتلتهم إسرائيل في حروبها مع سوريا علي مدار أكثر من نصف قرن‮. ‬وفي مجال الاعتقال والسجن والأسر لم يتجاوز عدد الأسري الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية حاجز الاثني عشر ألفا بينما يقبع في السجون السورية الآن من السوريين أكثر من ثمانين ألفا كل ذنبهم انهم يخرجون للشوارع مطالبين بالكرامة والحرية‮.‬
وفي ليبيا التي لم يتم الكشف عن ربع مقابرها الجماعية وجدوا في مقبرة سجن أبوسليم وحدها ما يقارب ‮٠٠٢١ ‬جمجمة لرجال ابيدوا في لحظات بأوامر من حاكم دموي متعطش للسلطة،‮ ‬وهذا الرقم أعلي مما خسرته سوريا في حرب الأيام الستة مع إسرائيل وهو ألف وثلاثة شهداء‮.‬
وأخشي أن أمضي بعيدا في المقارنات،‮ ‬فاضطر لقول ما لا يقال عن حكام استلموا كماكبث شكسبير السلطة اغتصابا وحافظوا عليها بالدم والجريمة،‮ ‬فكانوا أسوأ من أي استعمار خارجي،‮ ‬وانتهوا كما انتهي أي مجرم مطاردين بالشتائم واللعنات كحال من وضع هذه الأبيات علي لسان ماكبث‮:‬
لا أحد سينثر الزهور علي قبري أو يكتب كلاما رقيقا عني
ليس إلا تراتيل اللعنات في جنازتي وأنا في النعش وحدي
بعض هؤلاء من المعاصرين لن تقام لهم جنازات،‮ ‬وربما لن تعرف جثثهم النعوش،‮ ‬ولو وصل الشعب إليهم لمزقهم شر ممزق،‮ ‬فقد كان بإمكانهم وقف دوامة العنف في بدايتها لكن السلطة شبق ودم ومن أخذ الحكم بالسيف يؤخذ بخناجر وسيوف،‮ ‬وبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين‮.‬
----------------------
٢٣ اكتوبر ٢٠١١
أخبار اليوم المصرية
 

د.محيي الدين اللاذقاني
الخميس 14 يناير 2021