المترجمون... مبدعون منسيون

18/10/2019 - زاندر تراونر

لبنان.. "الواتس أب" يشعل ثورة في وجه الحكومة

18/10/2019 - وسيم سيف الدين/الأناضول

النص الكامل للبيان التركي- الأمريكي المشترك بشأن “نبع السلام”

18/10/2019 - وكالة انباء تركيا - صوفيا خوجاباشي

تونس.. 1.3 مليار دولار العجز المتوقع بميزانية 2020

17/10/2019 - عائشة يحياوي / الأناضول


باحثون غربيون عن تاريخ العلويين في سوريا: رؤية جديدة بعيداً عن سردية «ابن تيمية»





رغم قلة الاهتمام بترجمة ما يصدر عن سوريا من كتب واطروحات، مقارنة مثلاً بحجم الإصدارات وتنوعها، وببروز مدارس واسماء جديدة في هذا الحقل، إلا أن المُلاحظ على صعيد ما تُرجم في السنوات الأخيرة، وفي ظل الشحن الطائفي الذي تعيشه البلاد، هو صدور عدد من الكتب التي تتناول دور الطائفة العلوية في حكم البلاد، وكيفية وصولها إلى الحكم.
ولعل أكثر الاطروحات التي سيطرت، ولاقت رواجاً بين الكتّاب في السنوات الأخيرة، هي أطروحة الفرنسي ميشيل سورا «سوريا الدولة المتوحشة»، ولاحقاً أطروحة «دوائر الخوف/العلويون في السلم والحرب» للباحث النيوزيلندي ليون غولدسميث.
ربما ما يجمع كلا الأطروحتين هو الاعتماد على فكرة ابن خلدون (العصبية)، رغم التفاوت على صعيد التحليل والمقاربات. فعند سورا مثلاً، وإن بدا أنه يُعيد الاعتبار للرؤية الخلدونية في سياق بحثه عن مقاربات أخرى خارج إطار التحليل الماركسي، الذي كان مهيمناً حول سوريا، وبين المثقفين السوريين والعرب حول سوريا، السؤال الذي بقي بدون إجابة واضحة هو سبب ارتدائه لبردة ابن خلدون وهو يسير في المدن المشرقية. قد نعثر على جزء من هذه الإجابة في المراجع التي اعتمدها في أبحاثه (ماكس فيبر وأرنست غلنر وعبد الله العروي وتيرا لابيدوس)، إذ تُبين لنا أنه بدا متأثراً آنذاك بعدد كبير من دراسات تيار الفيبرية الجديدة، التي تطوّرت مع أرنست غلنر.


 

إذ يرى غلنر مثلاً أن ابن خلدون، مثقف القرن الرابع عشر، وضع أفضل تحليل للعلاقة بين الدولة والمجتمع في العالم الإسلامي، وطبقاً لهذه الرؤية، يمكن تفسير كثير من التاريخ الإسلامي، من خلال القوة الدافعة للمجموعات القبلية التي وصلت للسلطة (دينا رزق خوري) وفي حالة سوريا قد تتمثل في أفراد قبيلة الكلبيين (حافظ الأسد وزمرة من قادة الأجهزة الأمنية) وبقية العشائر العلوية التي شكّلت وفقا للتفسير الخلدوني عصبية عسكرية/طائفية حكمت المدن السورية لعقود عدة..
أما بالنسبة لأطروحة الباحث ليون غولدسميث، فهي وإن بدت مشغولة بفكرة العصبية (رغم عدم اطلاعه كما يبدو من خلال المراجع على كتابات سورا) خلال فترة حكم الأسد الأب وكيفية نزوله وفق السردية الشائعة من الجبل إلى المدينة، بيد أنه حاول لاحقاً تجاوز فكرة العصبية الطائفية لصالح الحديث عن عصبية نيوليبرالية في فترة الابن (فكرة تفكك العصبية العلوية لصالح تحالف شبكات اقتصادية).
أما المسألة الوحيدة التي لم تحظ بالنقاش في كلا الكتابين، فهي موضوع ذاكرة أو مخيال العلويين، حيال تاريخهم وعلاقتهم بالمحيط الاجتماعي. فالصورة التي بقيت مهيمنة هي تلك التي تقول بأن هناك خلافاً بين السنة والعلويين، يعود لفتاوى ابن تيمية وأقدم من ذلك. وربما هذا ما دفع بالباحث النرويجي تورشتين وورن، الذي زار سوريا خلال الفترة الممتدة بين 2002 و2009 ليُعدَّ لاحقاً أطروحة ماجستير في جامعة أوسلو بعنوان (العلويون، الخوف والمقاومة/كيف بنى العلويون هويتهم الجماعية في سوريا)، فقد حاول المؤلف في هذه الأطروحة القول بأن متلازمة الاضطهاد من السنة أو الإسماعيليين، والتي تشكّلت في وعي العلويين أو عبّروا عنها أحياناً بأشكال مختلفة (واعتمدها النظام)، لا تعكس الصورة التاريخية، وإنما هي وليدة سردية سلطوية؛ بمعنى أن نظام الأسد لعب دوراً أساسياً في خلق أو تضخيم مخيال المظلومية لدى العلويين. ولدعم هذه الأطروحة سيتبع وورن دروب الباحثين الإثنوغرافيين عبر القيام بجولات ميدانية عديدة في الساحل السوري (خلافاً لسورا وغولدن سميث)، التي سيخصّصها للقاء بشباب من الطائفة العلوية، لا تتجاوز أعمارهم الأربعين سنة (فترة توازي فترة حكم الأسد الأب والعقد الأول من حكم ابنه)، ليتوصّل، كما أشرنا، إلى أن الرؤية الطائفية أو الحس الطائفي لهؤلاء الشباب لا يأتي في سياق رؤية علوية قديمة، وإنما هي نتاج السلطة الحديثة.
رغم أهمية هذه الدراسة، بقيت كذلك غير قادرة على تقديم إجابات حول طبيعة أو صورة العلاقات الاجتماعية والدينية بين العلويين والسنة والإسماعيليين في الساحل السوري قبل فترة السبعينيات، أو في فترة ما قبل الدولة الحديثة (فترة العثمانيين خاصة)، وهي الفترة التي حاول النظام معالجتها أو تكوين صورة معينة/سلبية عنها من خلال المسلسلات الدرامية، خاصة في فترة التسعينيات مسلسل «أيام شامية»، قبل أن يعدل لاحقاً هذه الصورة في فترة الألفية الجديدة مع بدء التقارب التركي السوري الذي امتدّ للسنوات الأولى من الثورة.

يبدو أن مزاعم ابن نصير تلقت دعماً من بني نمير، وهم حلف بدوي أقام في محيط بغداد، وإليهم انتسب ابن نصير نفسه، وعليه وُصِفت دعوته في بداياتها بأنها «نميرية» وعُدّت حركة قبلية بقدر ما هي دينية.

في هذه الأثناء، وبموازاة هذا البحث الذي بقي مشغولاً بكيفية صعود رجل علوي إلى السلطة، كان الباحث الكندي ستيفان وينتر يقوم باستكمال أبحاثه حول التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للريف في ولاية سوريا. وربما ستشاء الصدف أن تترافق زيارته
(2010/2011) لسوريا (المركز الفرنسي في حلب) مع بداية اندلاع الثورة السورية. ومع استمرار الصراع سيقرر الرجل الانتقال إلى إسطنبول لاستكمال جمع بعض الوثائق، لكن هذه المرة ليس عن الريف السوري، وإنما عن الريف العلوي في الساحل السوري. وسينشر المؤلف خلاصة السفر في عالم الوثائق العثمانية (وهي رحلات فريدة، ولا أظن أن هناك من سبقه إليها حول سوريا) في كتاب في عام 2018 تُرجِم قبل أسابيع للعربية بعنوان «تاريخ العلويين» ترجمة أحمد نظير الأتاسي وباسل وطفة. والفكرة الأساسية للكتاب هي أن معظم الدراسات عن الماضي العلوي كانت إما شديدة التركيز على المعتقدات، أو أنتجت تاريخاً إخبارياً يحاول حبك سردية كاملة من حفنة من الإشارات، إلى ما يبدو أنه حالات نزاع واضطهاد وعنف طائفي. سيحاول وينتر من خلال حفرياته في الأرشيف العثماني بالأخص، تقديم صورة أخرى تتحدث عن تفاعل عادي، وروتيني بين العلويين وجيرانهم، أو بينهم وبين سلطات الدولة.
يبدأ الكتاب فصوله الأولى بالحديث عن تاريخ النصيريين في سوريا القرون الوسطى. إذ يبدو أن مزاعم ابن نصير تلقت دعماً من بني نمير، وهم حلف بدوي أقام في محيط بغداد، وإليهم انتسب ابن نصير نفسه، وعليه وُصِفت دعوته في بداياتها بأنها «نميرية» وعُدّت حركة قبلية بقدر ما هي دينية. وفي أواخر القرن العاشر، شكّلت حلب بيئة شديدة الخصوبة لتمدد الدعوة النصيرية. ففي عام 947 شكّلت المدينة وقراها إمارة شبه مستقلة على يد الحمدانيين. ورغم غياب دليل قطعي على أن السلالة الحمدانية تبنت النصيريين، غير أن الخصيبي (ممن خلفوا ابن نصير) وتلامذته تمكّنوا انطلاقاً من حلب من نشر الدعوة على امتداد الشرق الأوسط، من القاهرة إلى القدس وحران، وغزة، والرقة، وديار بكر، وماردين والحلة، وعانة، والنجف وصولاً إلى إيران واليمن، لتكتسب النصيرية عدداً معتبراً من الأتباع بين طبقات الحرفيين الحضريين.
خلال القرون اللاحقة، ومع تراجع الدور الشيعي، سيحضر المخزون السنجاري (نسبة لجبل سنجار) ليقود موجة من الهجرة باتجاه الجبال الغربية من سوريا، ستمكن المجتمع العلوي من الصمود في وجه التحديات المحلية، بيد أنها ستفضي إلى تقسيم المجتمع العلوي على أسس عشائرية، ما تزال ربما سارية إلى يومنا هذا. ففي أعقاب مجزرة تعرّض لها العلويون في قلعة صهيون حوالي عام 1213 ـ 1214 وصل المكزون في قوة خمس وعشرين ألف مقاتل، لكنها هُزمت في البداية على يد الإسماعيليين والكرد وتراجعت عائدة إلى سنجار. ومع بقاء وضع العلويين على حاله من دون تحسن، عاود المكزون الكرة عام 1233 فسيطر على قلعة أبو قبيس غرب حماه وجعلها قاعدته. ولعل موجة العسكر المهاجرين التي رافقت المكزون واستيعابها ضمن المجتمع العلوي في المرتفعات الجبلية الغربية، هي أكثر نتائج هذه الحملة أهمية على المدى البعيد. إذ يسود اعتقاد وفق ما يذكره وينتر من أن عدداً من التجمعات القبلية التي سيدعي العلويون تبعيتهم لها لاحقاً، ومنها الحدادية، والمتاورة، والمهالبة، والنميلاتية وبنو علي، تنحدر من عساكر المكزون وعائلاتهم.

ابن تيمية والعلويون

مع عودة المماليك للساحل السوري ـ وخلافاً للصورة التي تبنّت بأثر رجعي فتاوى ابن تيمية المحرّضة وسواها من النصوص المعيارية البحتة، بوصفها مقياساً واقعياً للتجربة العلوية. يرى وينتر أن آراء ابن تيمية في العلويين لم تلق خلال تلك الفترة والحقبة العثمانية أهمية تُذكر باستثناء حفنة من الاتباع الحنابلة، كما لا يبدو أن الفقهاء العرب تناولوا فكره بالشروح والتعقيبات إلا قليلاً قبل صعود الوهابية في القرن الثامن عشر. ومع قدوم العثمانيين، ستتوافر لمؤلف الكتاب فرصة أوسع لتجاوز ما يدعوه بمتلازمة ابن تيمية التي بقيت تهيمن على أي كتابة لعلاقة العلويين بالمجتمع المسلم الآخر، وبالأخص الوسط العثماني، إذ تُظهِر وثائق وسجلات عديدة أن العثمانيين حاولوا اتباع سياسة مختلفة حيال سكان الجبل بدلاً من محاربة العلويين كلهم.

يعزو المؤلف جزءاً كبيراً من النجاح الجديد الذي حققته هذه العائلات إلى وضع اقتصادي ملائم رافقه تحول الجبال الساحلية السورية ومنطقة اللاذقية بصورة خاصة إلى واحدة من المراكز الرائدة لإنتاج التبغ التجاري في الامبراطورية.

فعلى سبيل المثال، أُعطيت صافيتا، التي كانت تضمُّ ما يقارب الخمسين قرية مأهولة، التزاماً (مزرعة ضريبية) لواحدة من أكثر العائلات العلوية نفوذاً في سورية (عشيرة شمسين)، بيد أن هذا الاعتماد، الذي هدف كما يرى وينتر إلى جمع الضرائب، في ظل الكلفة المتزايدة للحفاظ على الجيش، والتضخم والضغط السكاني، لم يساهم في دعم إيرادات الخزينة العثمانية فقط، بل ساهم في بروز دور عدد من العشائر العلوية، وبالأخص عشيرة الكلبية (التي ينحدر منها حافظ الأسد) في المرتفعات الساحلية الشمالية. إذ لا يرد ذكر هذه العشيرة في المراجع القروسطية مطلقاً، ولم يكن الكلبيون من القبائل المرتبطة بالمكزون السنجاري ـ ما يؤكد أنها لم تلعب دوراً مميزاً ضمن المجتمع العلوي قبل أن تكتشفها الإدارة العثمانية وتكرّسها على أنها الجماعة المحلية المهيمنة في القرن السادس عشر.
وفي القرن السابع عشر، ستشهد الدولة العثمانية تحولاً نحو اللامركزية، لن يبلور هذا التحول، وفقاً للمؤلف، صعود سلالات حاكمة في الأطراف مثل آل العظم في حماه ودمشق، بل سيساهم في بروز كثير من بيوتات الأعيان الريفيين. وعلى الرغم من تصوير الأعيان في السرديات التاريخية القومية الحديثة مقاومين للسلطة الامبراطورية، فإن أعيان العلويين وغيرهم من أعيان الشريط الساحلي كانوا في حقيقة الأمر التجسيد الفعلي بعينه لهذه السلطة خلال القرن الثامن عشر. يتعقب وينتر في هذا الفصل صعود آل شمسين وبيت الشلف والعائلات العلوية المرتبطة بهما إلى السلطة، ويسعى إلى إظهار أن موقعهم بوصفهم مستقلين ذاتياً لم يتطور من هيكلية أهلية أو قبلية، وإنما نتج عن هذه النقلة في بارادايم الإقليمية العثمانية.

تبغ وأعيان وفلاحون

يعزو المؤلف جزءاً كبيراً من النجاح الجديد الذي حققته هذه العائلات إلى وضع اقتصادي ملائم رافقه تحول الجبال الساحلية السورية ومنطقة اللاذقية بصورة خاصة إلى واحدة من المراكز الرائدة لإنتاج التبغ التجاري في الامبراطورية. فقد بدأ استيراد أوراق التبغ الأمريكية إلى الامبراطورية العثمانية في أوائل القرن السابع عشر، وما لبث أن حقق انتشاراً أوسع في أوساط الطبقتين المتوسطة والعليا من المجتمع في أنحاء سوريا جميعها ومنطقة شرق المتوسط. وعلى الرغم من محاولات متكررة وخجولة لمنعه بحجة خصائصه المؤذية والمسببة للإدمان، إلا أن زراعة التبغ بدأت على نطاق واسع في المناطق الساحلية والجبلية مثل اللاذقية، وأصبحت خاضعة للضرائب في تسعينيات القرن السابع عشر. وعلى صعيد اللاذقية، كان لتطور هذا المعطى تبعات ضخمة على السكان الريفيين في المنطقة المحلية، فرغم أنه عاد عليهم بالفائدة في الفترة الأولى، لكنه أفضى من جانب آخر إلى تغييرات نوعية ضمن هذا المجتمع. فكرّس زعامات عائلية معينة بوصفهم أشباه ملاكين زراعيين ووكلاء للحكومة. ويؤكد وينتر في هذا السياق، أن الانقسام المتزايد للمجتمع العلوي إلى عشائر وقبائل يمكن ربطه بتزايد التمايز الطبقي الاجتماعي في القرن الثامن عشر، أكثر بمراحل منه انعكاساً لنمط من التنظيم المجتمعي التقليدي والمناوئ للدولة، غير أن هذه الهرمية الجديدة وغير المسبوقة غالباً ما أُهمِل تأثيرها في بنية المجتمع العلوي لصالح جوهرة الفروقات بين الجماعات. فعلى سبيل المثال، أصبح مألوفاً تكرار سردية أن العلويين كابدوا فقراً شديداً في الأزمنة العثمانية ما دفعهم إلى بيع بناتهم إلى العائلات البورجوازية السنية الثرية للعمل بما يشبه العبودية، وقد وُظِّف هذا الزعم كنوع من سوء النية من قبل المجادلين المناوئين للنظام، للحطِّ من قدر الأخلاقية العلوية نفسها، ومن قبل المدافعين عن العلويين من أنفسهم بهدف التذكير باضطهاد قديم. في حين تُبيّن بقايا رائحة التبغ في الساحل السوري العثماني، أن الفروقات الاقتصادية ضمن المجتمع العلوي هي التي أسفرت عن مثل هذا الفقر، وهي التي حدّدت في النهاية معالم علاقته بالمجتمع السوري والتركي الأكبر، من خلال دفعها إلى استيطان مناطق هاتاي، إضافة إلى هجرة العمالة نحو اللاذقية، وحماه، وحمص حيث تخلّص الأفراد العلويون باطراد من روابطهم الضيقة وأصبحوا على تماس مع أفراد الطبقات والمجتمعات الأخرى
---------------
 القدس العربي


محمد تركي الربيعو
الخميس 1 غشت 2019