باحثون يتتبعون تاريخ استيطان أمريكا بتحليل موروثات السكان



بوسطن/برلين - قال باحثون إنهم وضعوا تصورا لتاريخ استيطان أمريكا من خلال ثلاثة مشروعات لتحليل للمجموع الوراثي للسكان الذين عاشوا هناك قبل آلاف السنين.

وخلافا لدراسات سابقة ،فإن أصحاب هذه الدراسات لم يركزوا هذه المرة على الهجرة المبكرة في هذه القارة ،بل على استمرار نزوح البشر إلى أمريكا الوسطى والجنوبية.

وأكد معدو الدراسة الأولى أن دراستهم أظهرت قرابة مفاجئة بين حضارة كلوفيس و السكان الأوائل لأمريكا الجنوبية.

ولكن هذه المجموعة حل محلها أناس آخرون قبل 9000 سنة لا تزال سلالتهم تعيش في المنطقة حتى اليوم.


 
وحسب الاعتقاد السائد حاليا ،فإن السكان الذين كانوا أول من استوطنوا القارة جاءوا إليها عبر مضيق بيرنج قبل نحو 20 ألف سنة ،ووصلوا بالفعل لدولة تشيلي الواقعة جنوب القارة قبل 14600 سنة.
ولكن لم يكن العلماء المختصون يعرفون كيف استعمرت مجموعات مختلفة القارة، و ماذا كانت علاقتهم ببعضهم البعض، وهذا هو ما درسه ثلاث مجموعات من الباحثين بناء على المجموع الجيني لنحو 70 شخصا عاشوا قبل آلاف السنين في مناطق مختلفة من أمريكا.
حلل الباحثون تحت إشراف كوسيمو بوست، من معهد ماكس بلانك لدراسات البشرية بمدينة يينا الألمانية خلال هذا المشروع الأكبر من نوعه ،حتى الآن 49 مجموعا وراثيا عثر من أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية يتراوح عمرها بين 3000 و 11 ألف سنة، "ورغم أن هذا ليس كافيا للحصول على صورة كاملة إلا أنه يلقي نظرة جيدة بالفعل" حسبما أوضح بوست مضيفا: "الرفات الإنسانية التي تعود لهذه الفترة نادرة".
وأظهرت الدراسة، التي نشرت اليوم الخميس في مجلة "سيل" المتخصصة، أن البشر ،الذين كانوا يعيشون قبل 11 ألف سنة و تسعة آلاف سنة فيما يعرف اليوم بدولة بليز (هندوراس البريطانية) والبرازيل و تشيلي، وثيقو القرابة مع سكان حضارة كلوفيس في أمريكا الشمالية والذين انتشروا بسرعة شديدة خارج هذه المناطق قبل نحو 13 ألف سنة في أمريكا الشمالية كأول حضارة.
من المفاجئ أن يكون السكان الأوائل لأجزاء مختلفة من أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية على قرابة وثيقة بهؤلاء الأمريكيين الشماليين.
ولكن هذه المجموعات الجينية اختفت فيما بعد في أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى بشكل شبه تام وحل محلها قبل نحو 9000 سنة مجموعة سكان جديدة "وهذا هو اكتشافنا الثاني" ،حسبما أكد أحد المسؤولين عن الدراسة، ديفيد رايش، من جامعة هارفارد مضيفا: "كان هناك تبادل للسكان بدأ قبل 9000 سنة على الأقل".
وأشار الباحثون إلى أنه من الملفت للنظر أن تركيبة تلك المجموعة الجديدة ظلت ثابتة كثيرا على مدى آلاف السنين إلى اليوم، وقالوا إن هذا الأمر أكثر إثارة للدهشة من تغير مجموعات السكان في أوروبا و غرب آسيا وأفريقيا بشدة أكثر من مرة في نفس الفترة جراء حدوث موجات نزوح واسعة.
وتابع بوست: "الاستمرارية في أمريكا الجنوبية مثيرة للدهشة.. فعلى سبيل المثال يستطيع شعوب كيتشوا في منطقة آندن أن يسترجعوا سلسلة نسبهم إلى أولئك الناس الذين كانوا يعيشون قبل 9000 سنة في منطقة كونشيشا فيما يعرف اليوم ببيرو التي عثر فيها على الرفات البشرية التي تخضع للدراسة.

و قدم فريق آخر من الباحثين ،تحت إشراف اسك ويلرسليف من جامعة كوبنهاجن، في دراسة لهم نشرت نتائجها في مجلة "ساينس" العلمية نتائج تحليل 15 مجموعا وراثيا لبشر عثر على رفاتهم بين ألاسكا و باتاجونيا. وكان 6 من أصحاب هذه الرفات يعيشون قبل عشرة آلاف سنة على الأقل.
وأظهر تحليل هذه الجينات الوراثية أن انتشار هؤلاء السكان ناحية أمريكا الجنوبية لم يكن تدريجيا من خلال الضغط السكاني، بل انتقل السكان بشكل سلس ناحية الجنوب وأفلحوا القارة بشكل سريع.
غير أن هناك نتيجة جزئية لهذه الدراسة تحير الباحثين حيث اكتشف الباحثون قبل ثلاث أعوام لدى سكان سوروي وسكان كاريتيانا، وهم مجموعتان من السكان يعيشان بشكل منفصل عن بعضهما البعض بشكل واضح في منطقة الأمازون، قرابة بعيدة بمجموعات استرالية، أي سكان من غينيا الجديدة و استراليا و مجموعة جزر أندمان في خليج البنجال.
وعثر الباحثون على هذه القرابة أيضا لدى سكان عاشوا قبل 10400 سنة في منطقة لاجوا سانتا في جنوب شرق البرازيل، ولكن هذه القرابة تنسحب فقط على نحو 3% من المجموع الوراثي.
وهناك وفق كبير الباحثين الذين قاموا بهذه الدراسة، فكتور مورينو مايار، أحد تفسيرين لذلك "فإما أن مجموعات سكانية تحمل هذه الإشارة الجينية من أمريكا الجنوبية كانوا في هذه المنطقة عندما وصل نازحون للمنطقة، أو أن هذه المجموعات الاسترالية جاءت فيما بعد"، ولكن ذلك يعني أن هؤلاء السكان لم يخلفوا آثارا جينية بامتداد طريقهم خلال أمريكا الشمالية، وفقا للباحث.
ومشيرا لهذه الدراسة ،قال بوست: "هذه الإشارة مهمة جدا ولكننا لا نراها في بياناتنا".
وحلل بوست في دراسته مجاميع وراثية تبلغ من العمر قرابة 10000 سنة من نفس المنطقة ،وقال إن الأمر المفاجئ في ذلك هو أن الإشارة الوراثية استمرت ثابتة على مدى فترة 10 آلاف سنة تقريبا حيث ظلت عند 3% من المجموع الوراثي "وكان لابد أن تصبح هذه الإشارة أقوى كلما عدنا للوراء في هذه الفترة.. لذلك فإن السؤال هو: كيف يمكن أن تظل إشارة جينية ثابتة على مدى 10000 سنة، لم نستطع الإجابة على هذا السؤال حتى الآن".
وفي المشروع العلمي الثالث، درس باحثون تحت إشراف جون ليندو من جامعة شيكاغو تاريخ منطقة الآندن خلال الـ 7000 سنة الماضية، وحللوا في سبيل ذلك مجاميع وراثية تعود للمنطقة المحيطة ببحيرة تيتكاكا. و ذكر الباحثون ،في دراستهم التي نشروا نتائجها في مجلة "ساينس أدفانسيس" إنهم تكيفوا بشكل يختلف عن المجموعات السكانية في الهيمالايا مع الحياة في ظل نقص نسبة الأكسجين".
وحسب هؤلاء العلماء، فإن حجم البطين الأيمن في القلب لدى سكان جبال الآندن كان أكبر ، ما يدعم استنشاق الأكسجين و تدفق الدم في الرئتين. كما كان لدى هؤلاء السكان إنزيم هاضم يحسن هضم الأغذية التي تحتوي على النشا مثل البطاطس. ويعود أصل البطاطس للآندن قبل أن تصبح أهم غذاء في كثير من مناطق العالم في الوقت الحالي.
كما تشير الدراسة الأخيرة إلى أن الضرر الذي لحق بسكان الآندن بسبب نزوح الأوروبيين إليهم كان أقل من الضرر الذي لحق بمجموعات أخرى من السكان الأصليين. وكان العلماء يظنون حتى الآن أن أعداد سكان المناطق الجبلية آنذاك قد تقلصت بنحو 90% بسبب الأمراض التي جلبها الأوروبيون معهم.
ولكن التقديرات التي توصل إليها أصحاب هذه الدراسة تشير إلى أن هذا التراجع لم يتجاوز نسبة 27% ،حيث أكد معدوها أن موروثات جينية لدى السكان الأصليين وفرت لهم حماية من الحصبة.

د ب ا
الجمعة 9 نونبر 2018


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan