ما هي خطة ترامب القادمة والحقيقية في سوريا...؟

16/11/2019 - واشنطن بوست- ترجمة عربي 21


باحث : هناك حاجة لفرض "حَجر استراتيجى" على الدول الفاشلة







القاهرة - بلال تامر- تعددت التفسيرات لمفهوم "الدولة الفاشلة "، فهناك من يرى أنها الدولة التي لا تستطيع القيام بوظائفها الأساسية، أو الوفاء بالاحتياجات الأساسية لأفراد شعبها بشكل مستمر، مما يؤدى على المدى الطويل إلى حالة من عدم الاستقرار. وهناك من يختصر المفهوم بأنه" تلك الدولة التي لا تستطيع أن تقوم بدور ككيان مستقل"، ومن يرى أن الدولة تصبح فاشلة عندما تكون سيادتها مقيدة بسبب تعرضها لعقوبات اقتصادية، وسياسية، وعسكرية، أو عندما توجد قوات أجنبية على أراضيها، مما يعرضها للاضطرابات، فتصبح عاجزة عن تقديم الخدمات التي يتطلبها مجتمعها.


وفي هذا الإطار، تناولت دراسة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكى للباحث الدكتور أنتوني كوردسمان، التحديات المدنية طويلة الأمد والتهديدات التي قيدت نجاح الولايات المتحدة في "حروبها الطويلة" في أفغانستان، والعراق، وسوريا- وكذلك مشاركتها الأكثر محدودية في ليبيا واليمن-وهى الدول الخمس التي يعتبرها كوردسما ن فاشلة.
ويركز كوردسمان في دراسته على حقيقة أن الدول الخمس لديها جميعا مشكلات هيكلية عميقة تجعلها "دولا فاشلة" في مجالات كثيرة، تشمل الحكم، والتغيرات الاجتماعية الرئيسية، والتنمية.
ويقول كوردسمان، أستاذ كرسي أرلين بورك في الاستراتيجية بالمركز، إن الأزمة الراهنة في العراق ترجع من ناحية إلى فشل قيادتها وشخصياتها السياسية الحالية، وإلى ما خلفه القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وإلى السياسات قصيرة الأجل.
كما توجد مجموعة من القوى المدنية التي تعتبر دافعا لهذه الأزمة، وهذه القوى هي نتيجة للمشكلات الهيكلية طويلة المدى والتي أدت إلى اضطرابات سياسية كبيرة في جميع أنحاء المنطقة، وإلى ظهور التطرف والإرهاب، وهو ما يؤثر على جميع جوانب الحياة في حاضر العراق ومستقبلها. ووقفت هذه التحديات عقبة أيضا أمام الولايات المتحدة في أفغانستان، وسوريا، وليبيا واليمن.
وأضاف كوردسمان أن أفغانستان، والعراق، وسوريا، وليبيا واليمن- وكثير من الدول المجاورة لها- لا تعانى فقط من حكم بالغ السوء، ومستويات مرتفعة من الفساد، ولكنها تعاني أيضا من العيش تحت ضغط شديد بسبب الزيادة السكانية، والعمران الحضاري، والتغيير الاجتماعي الذى يفوق مشكلاتها الراهنة مع أي جماعات متطرفة. وهذه المشكلات خطيرة للغاية، لدرجة أنها قد تؤدى إلى المزيد من التطرف، والحرب الأهلية على مدار العقد القادم، على الأقل.
كما أن هذه المشكلات خطيرة لدرجة تجعل من المستحيل نجاح أي محاولة للتعامل مع التهديدات الكبيرة التي يجلبها التطرف، أو الإرهاب، أو التمرد المسلح إذا ركزت فقط على الأبعاد الأمنية والعسكرية لمثل هذه التهديدات. وينطبق نفس الأمر على أي جهود تركز على مفاوضات السلام ومساعدات التعافي قصيرة الأجل، إذ أن " بناء الدولة" يفرض بالفعل تحديات كبيرة في حد ذاته، ولكن تجاهل القوى التي تخلق" الدول الفاشلة" لن يؤدى فقط إلى استحالة أي جهد حقيقي ناجح لحسم الصراع، ولكنه سيؤكد تقريبا ظهور أو عودة التمرد المسلح والصراع المدني.
ويتعين أن يتناول أي جهد لإنهاء الصراع بشكل ناجح، مع الأضرار التي وقعت بالفعل، والقيام بأفضل محاولة ممكنة لخلق أساس جديد للتنمية، والسعي لتطوير القطاع المدني بسبل من شأنها أن تستعيد الدعم للحكومة وأن تخلق وحدة وطنية دائمة.
وحذر كوردسمان، الذي شغل العديد من المناصب الحكومية في وزارات الدفاع والخارجية والطاقة بالولايات المتحدة، من أنه لا يمكن فصل المشكلات الهيكلية طويلة الأمد عن الحاجة للتعامل مع المشكلات الأمنية الأكثر إلحاحا، والتحديات الدينية وغيرها من أشكال التطرف، والتحديات قصيرة الأمد مثل القيادة والسياسة.
وقال إنه إذا كان هناك درس رئيسي يمكن استخلاصه من حروب أمريكا " المتعلقة بــ" الدول الفاشلة"، فهو يكمن في أنه ليس من المرجح أن يسفر التركيز على جزء من المشكلة واتباع حلول متفائلة عن أي محاولة دائمة لحسم الصراع وحفظ السلام، وأنه من المحتمل أن يؤدى الفشل في التعامل بصورة حقيقية مع التحديات المدنية الهيكلية الأطول مدى إلى ظهور أشكال جديدة من التطرف، والإرهاب، والحرب الأهلية.
وفي حقيقة الأمر، لا توجد حلول عسكرية أو أمنية تكتيكية دائمة للصراعات المدنية- العسكرية بدون مثل هذه الجهود، فليست هناك استراتيجيات تؤدى إلى حسم مستقر وناجح للصراع، أو حلول استراتيجية كبيرة تؤدى إلى سلام دائم.
وفي الوقت نفسه، ليس من الواضح تماما إمكانية أن تساعد الجهود الخارجية أي دولة ليس لديها استعداد أن تساعد نفسها. وفى أي عالم تكون فيه مثل هذه المساعدات الخارجية محدودة أيضا، هناك حاجة للجوء إلى خيارات صعبة، وأحيانا قاسية، ما بين تقديم مثل هذه المساعدات واحتواء التهديدات التي تشكلها "الدول الفاشلة" وحصرها في أراضيها ومنطقتها.
ويؤكد كوردسمان أنه ليس هناك التزام معنوي أو أخلاقي لمحاولة تحقيق المستحيل، وهناك دول كثيرة ليست" دولا فاشلة" أخفقت إلى درجة أن المساعدات الخارجية لا يمكن أن تحقق لها أي اختلاف دائم.
وفى كثير من الحالات، قد يتعين أن يكون الحل العملي حَجراً استراتيجيا- يتمثل في مساعدة الدول التي لديها الامكانيات لتساعد نفسها إذا ما تم إتاحة مثل هذه المساعدة.
وأضاف كوردسمان أن حجم المشكلات التي عرضها التحليل يوضح الحاجة إلى أن تكون الولايات المتحدة، وغيرها من القوى الخارجية، واقعية تماما في تقييم مدى انقسام هذه الدول ضد نفسها، فهي نظم فشلت إلى حد أن المساعدات لا يمكن أن تنقذها. وجعل الأمل ينتصر على التجربة ( والواقع) لن يسفر عن نجاح محتمل. ويصدق هذا القول على التفاؤل بشأن تأثير مفاوضات السلام والحلول بالغة التبسيط لتطورات ما بعد انتهاء الصراعات. كما ينطبق على التفاؤل إزاء القدرة على التعامل مع التطرف، والإرهاب، والتمرد من خلال القمع، أو استخدام القوة العسكرية.
وعلى أية حال، فإن تأجيل أي أزمة بجعلها أكثر سوءا، ليس حلا، وكذلك فإن هزيمة الأعراض دون معالجة أسبابها ليس حلا.

بلال تامر
الاحد 13 أكتوبر 2019