بياف ما تزال تهمس كلمات الحب في آذان العالم بعد نصف قرن على رحيلها



باريس - بعد مرور خمسين عاما على وفاتها في أكتوبر/تشرين الأول 1963، تظل الفنانة الفرنسية إديت بياف أهم رمز من رموز الأغنية الفرنسية. وارتبط مصيرها المأساوي والرومانسي في الأذهان بـ"أسطورة الحب" على الطريقة الفرنسية.


الفنانة الفرنسية الراحله إديت بياف
الفنانة الفرنسية الراحله إديت بياف
رغم مرور نصف قرن على رحيلها، تظل إديت بياف بلا منازع من أعظم الأصوات الغنائية في فرنسا، حيث تبقى نموذجا عن المغامرة الباريسية التي يصنع فيها الفنان نفسه بنفسه، إذ تمكنت بفضل عبقريتها من الخروج من حياة الشقاء إلى أنوار النجومية. وانتشلتها أذرع عشاقها من "الزحمة" لترتقي بها إلى "الحياة الوردية".

ولدت إديث جيوفانا غاسيون عام 1915 في حي "بيلفيل" الشعبي في الدائرة الباريسية الـ11 حيث يتسنى اليوم لمحبيها وللسياح زيارة المقاهي التي صدحت فيها أغاني الحب والعذاب طوال سنوات، وحيث شيد تمثال يخلد ذكراها في شارع "بلغران". وتنحدر بياف من عائلة ذات أصول مغاربية وإيطالية، من أب بهلواني وأم مطربة. وسهرت جدتها عائشة سيد بن محمد على تربيتها بعد طلاق والديها.

ولقبت الفنانة بـ "طفلة" باريس التي كبرت على أرصفتها مستجدية في بداياتها كرم المارة بصوتها العذب، إلى أن فتح لها أحد أصحاب الملاهي الليلية في باريس أبواب محله لتخطو تدريجيا نحو الشهرة. وعاشت بياف حياة الصعاليك بين شعراء باريس وفنانيها، وكانت قائمة علاقاتها العاطفية لا تحصى ولا تعد، ومنها قصتها مع الملاكم مارسيل سيردان والرياضي لويس جيراردان والمغني جورج موستاكي والمغني إيف مونتان الذي غنى بعد فراقها إحدى أجمل الأغاني الفرنسية "الأوراق الذابلة"...

وإن كانت بياف لعوبا مع الرجال وقضت حياتها في سلسلة مأساوية بين اللقاء والوداع، فلعل الأهم بالنسبة لها كان حبها الأول مارسيل سيردان، الذي توفي عام 1949 في حادث طائرة كان تقله إلى نيويورك حيث كانت بياف في انتظاره هناك.

وألقت صدمة فقدانه ببياف في دوامة من الإدمان على المخدرات والكحول زادت مصيرها درامية، وتقاطعت حياتها الشخصية مع حياتها الفنية في ذروة الألم والولع اللذان صارا لا يفارقان أغانيها. فشاءت الأقدار أن تكتب بياف "نشيد الحب" لمارسيل سيردان وأعربت في كلماته عن خوفها من "يوم قد ينتزعك مني".

ولم تكف بياف البحث عن "الحياة الوردية" بين أحضان رجال أصغر منها، فكان آخر عشيق تزوجته في العشرينات من عمره في حين تجاوزت هي الأربعين وأنهكها الإدمان على المورفين بعد حادث سير والتهاب في المفاصل...

وترتقي الصدف في مسيرة بياف إلى تراجيدية بمعناها المسرحي، اقترنت فيها الحياة بالموت لحد الثمالة فأسكرت صوتها ونحتت اسمها في سجلات التاريخ. فحتى أحد أقرب أصدقائها وهو الكاتب الشهير جان كوكتو الذي ألف لأجلها "اللامبالي الجميل"، توفي بعد بضع ساعات من وفاتها. ويرجح البعض أن قلبه الضعيف توقف بعد أن علم برحيل صديقته.

ومن المؤكد أن شاعرية أغاني بياف مشحونة بالمرارة والأمل في آن واحد على غرار ما جاء في أغنيتها الشهيرة "لا أندم على شيء".

وأوصت بياف "بعد موتي أرجوكم لا تبكوني. بل عيشوا، وأحبوا وافرحوا، وإلا فلستم أوفياء لي". وعندما انطفأت المغنية عن عمر ناهز الـ 47 عاما إثر نزيف داخلي، رافق عشرات الآلاف من المحبين نعشها إلى مقبرة "بير لاشيز" في باريس.

وما زالت إديت بياف حاضرة في فرنسا بالقوة نفسها في الذكرى الخمسين لوفاتها، حيث صدرت العديد من المؤلفات التي تحكي مسيرتها الفنية وحياتها الخاصة كما أقيمت الكثير من التظاهرات.

كما احتفل بالذكرى في الخارج كذلك بعدما كانت قد غزت "الطفلة" قاعات نيويورك التي غنت فيها بالإنكليزية واكتسبت شعبية لم ينجح أي فنان فرنسي آخر في طمسها، فنظم في نيويورك الأسبوع الماضي أول حفل للفرنكوفونية وكان تكريما لذكرى الراحلة.

ولا تزال روح بياف ترفرف في مختلف القارات التي تنتشر فيها أغانيها اليوم، روح ساحرة ومعذبة، تراوح بين الحزن والفرحة، ويطغى فيها حب الحياة على القطيعة العاطفية، روح الحرية والاستفزاز: روح فرنسا كما خلدتها إديت في المخيلة الجماعية.

فرانس24
الثلاثاء 8 أكتوبر 2013


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث | Français | English | Spanish | Persan