تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون


تجهيز المنصات الرخامية الوردية لعودة تماثيل بورقيبة لشوارع تونس




تونس - يسرع عمال بناء على الجادة الوسطى في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة التونسية في إنهاء أشغال منصة رخامية وردية اللون بطول نحو 10 أمتار استعدادا للاحتفال بإعادة تمثال الزعيم الراحل الحبيب إلى قلب الشارع الذي يحمل اسمه.


كانت آخر مرة شاهد فيها المؤرخ خالد عبيد تمثال الرئيس الأول لتونس بعد استقلالها عن فرنسا الاستعمارية، في عام 1986 وكان ذلك قبل عام ونيف من الإطاحة بحكمه في انقلاب أبيض قاده وزيره الأول آنذاك زين العابدين بن علي في السابع من تشرين ثان/نوفمبر 1987.

وفي الحادي عشر من الشهر ذاته أمر بن علي بإزالة التمثال من مكانه ليتم نقله بمدخل مدينة حلق الوادي في الضاحية الشمالية للعاصمة.

يقول المؤرخ والمحلل السياسي خالد عبيد لوكالة الأنباء الألمانية (د .ب. أ) "هناك خطأ مزدوج تم ارتكابه. الأول يتمثل في إزالة التمثال والثاني هو قرار إعادته إلى مكانه. إن هذا يدل على أن فكرة تخليد الزعامات في تونس لم تنضج بعد على عكس ما يحصل في الدول الغربية التي تتسابق في تخليد رموزها".

ويضيف عبيد "من أزال التمثال كان يعتقد أن ذكرى بورقيبة ستزول ومن ارجعه يتصور أنه سيرجع الهالة التي تحيط بالزعيم إلى ما كانت عليه سابقا".

والتمثال الذي نحته الرسام التونسي زبير التركي عام 1982 يجسد شخصية بورقيبة (1903-2000) الذي امتد حكمه كرئيس لتونس بين عامي 1957 و1987، وهو يمتطي صهوة جواد مرتديا طربوشه التونسي التقليدي كما ويؤرخ لعودته من فرنسا عام 1955 وتجواله وسط الجماهير اثر حصوله آنذاك على وثيقة الاستقلال الداخلي لتونس من المستعمر الفرنسي.

كان التمثال يتوسط الشارع الشهير ويقع قبالة تمثال المؤرخ عبد الرحمن ابن خلدون (1332 - 1406) بأمر شخصي من بورقيبة قبل أن يتم ازالته مع صعود بن علي إلى الحكم ومن ثم تشييد ساعة عملاقة بدلا منه وسط نافورة دائرية لا زالت بمكانها حتى اليوم.

وقال معز السيناوي المتحدث باسم الرئاسة التونسية في تبريره لقرار إعادة التمثال إلى مكانه "إن القرار صدر من الرئيس الباجي قايد السبسي. وهي خطوة لرد الاعتبار إلى مؤسس دولة الاستقلال".

وحتى وقت قريب وبعد أحداث الثورة التي أزاحت بن علي من الحكم في عام 2011 لم يكن في الوارد مطلقا الحديث عن مثل تلك الخطوة وخاصة مع صعود الاسلاميين إلى الحكم، وهم من كانوا يمثلون الخصم الأول لبورقيبة بالأمس.

لكن عودة البورقيبيين المخضرمين إلى المشهد السياسي وفوز حزب حركة نداء تونس العلماني والذي يقدم نفسه كامتداد للفكر البورقيبي في انتخابات 2014 ساهم في إعادة الكثير من الزخم إلى شخصية الزعيم الراحل.

وأول من دفع إلى ذلك هو الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي /89 عاما/ الذي كان مستشارا في بداياته لبورقيبة كما عمل في عدة حكومات متعاقبة خلال فترة حكمه. وكثيرا مع عرف بنفسه كأحد تلامذة بورقيبة.

ولكن بعد نحو عقدين من رحيله لا يزال بورقيبة يمثل شخصية خلافية بين مؤيديه ومعارضيه حيث ينظر له كباني للدولة الحديثة ومحرر للمرأة ومهندس المجتمع العلماني بينما ينتقده خصومه لقمعه معارضيه الاسلاميين واليساريين واحتكاره الحكم حتى سن متقدم قبل أن تتم إزاحته في الانقلاب الأبيض لعام 1987.

وينظر إلى التماثيل اليوم كإعادة إلى جدل قديم بين مؤيدي وأنصار بورقيبة.

كانت مدينة المنستير مسقط رأس بورقيبة ومعقل أنصاره وحزبه "الحزب الاشتراكي الدستوري"، أول من بادر بإعادة أول التماثيل التي أزيحت في عهد بن علي في المدخل الشمالي للمدينة وسط مفترق طرقات وقبالة القصر الرئاسي بالجهة.

والمدينة تضم أيضا "روضة آل بورقيبة" وضريحه ومتحفا ملحقا بقصره الرئاسي ومقر إقامته الصيفي في الجهة ويضم متعلقاته الخاصة، ويعد اليوم من أبرز المزارات السياحية في المنستير.

ويوضح النائب جلال غديرة عن حزب حركة نداء تونس في الجهة إن "التمثال كان مركونا بأحد الثكنات وقد تعرض لتلف كبير وأعيد ترميمه بكلفة بلغت حوالي 180 ألف دينار".

وقال الفنان التشكيلي علي البرقاوي الذي تولى إعادة ترميم التمثال وصيانته "النصب التذكاري هو إحياء للذاكرة الوطنية باعتباره موروث وطني" .

ويتشابه تمثال المنستير مع تمثال العاصمة لكن يرتدي فيه بورقيبة وهو فوق حصان مظلة لإحدى القبائل التونسية، قبيلة الجلاص. ويبلغ ارتفاع التمثال حوالي 5.5 أمتار بينما يبلغ وزنه حوالي 5 أطنان وهو مصنوع من مادة البرونز.

وإلى جانب المنستير تستعد أيضا مدينة سوسة الساحلية التي لا تبعد عنها سوى 25 كيلومترا في إعادة نصب تمثال آخر قديم لبورقيبة.

وقال رئيس لجنة الثقافة والرياضة في بلدية سوسة صلاح بن أحمد "سيتم ارجاع تمثال الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وإعادة تركيزه بمكانه السابق وسط المدينة بمناسبة الاحتفال بعيد الجمهورية يوم 25 تموز/يوليو ".

وفي الواقع لا ينظر كل التونسيين بارتياح إلى عودة التماثيل في الشوارع الرئيسية التي ظل أغلبها في المدن الكبرى يحمل اسم بورقيبة حتى في زمن بن علي.

وفي بلد يشهد انتقالا ديمقراطيا بعد أكثر من ستين عاما من حكم الحزب الواحد وسلطة الفرد الواحد فإن تقديس الزعامات بات يثير حساسية بشكل خاص لدى النخبة المثقفة والأحزاب المعارضة.

وقال المؤرخ خالد عبيد "كان يجدر أن ننظر إلى المسألة من زاوية أخرى تقوم على ضرورة أن نؤسس لثقافة التخليد لدى الناشئة منذ الصغر بعيدا عن الجوانب الذاتية".

بالنسبة لعدد من المنظمات الحقوقية فإن تخليد بورقيبة وسط الشارع الرمز بالعاصمة، الذي شهد آخر الاحتجاجات قبل تنحي الرئيس السابق زين العابدين بن علي من الحكم، يتعارض مع مسار العدالة الانتقالية الذي أقرته تونس للنظر في انتهاكات الماضي قبل اقرار مصالحة وطنية.

وتنظر بالفعل "هيئة الحقيقة والكرامة" التي تأسست بقانون بعد ثورة 2011 في انتهاكات حقوق الانسان بين عامي 1955؛ أي تاريخ حصول تونس على استقلالها الذاتي من فرنسا، وحتى عام 2013 تاريخ الانتصاب القانوني للهيئة. وهي تشمل بذلك حقبتي حكم بورقيبة وبن علي.

ويسمح القانون للهيئة بعقد جلسات استماع سرية وعلنية لضحايا الانتهاكات والقمع والاعتقالات في صفوف المعارضين والنشطاء والبحث في حالات الاختفاء القسري وبجبر الأضرار المادية والمعنوية للمتضررين.

وقال رئيس الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية محمد كمال الغربي "رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي أخطأ التوقيت في تركيز تمثال الحبيب بورقيبة بالعاصمة وتسرع واستبق نتائج أعمال هيئة الحقيقة والكرامة التي من المنتظر أن تكشف كل الحقائق التي رافقت فترة حكمه".

ولكن ليس التاريخ وحده الذي يقف وراء الجدل المتصاعد من إعادة تماثيل بورقيبة إلى الشوارع إذ يلقي الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تمر به تونس بظلاله على مثل هذه الخطوة.

وتثير المبالغ التي ستصرف في ترميم وصيانة التماثيل وبناء منصات لها الحنق وسط الأحزاب المعارضة والعاطلين عن العمل.

وتذكر تقارير اعلامية نقلا عن مصادر حكومية إن إعادة صيانة تمثال شارع الحبيب بورقيبة وحده وتهيئة المنصة الرخامية كلف ميزانية الدولة قرابة 250 ألف يورو.

وتقدم حزب تيار المحبة بدعوى قضائية ضد رئيس الحكومة للمطالبة بإلغاء وإبطال قرار إعادة تمثال بورقيبة إلى وسط العاصمة، ووقف الأشغال الجارية بشارع الحبيب بورقيبة.

وقال الهاشمي الحامدي رئيس الحزب "كان يتعين تحويل الأموال التي ستصرف على هذا التمثال لفائدة عائلات شهداء وجرحى الجيش وقوى الأمن الداخلي والحرس الوطني وللشبان العاطلين عن العمل والمعتصمين أمام وزارة التشغيل".

وقال رئيس حزب التيار الديمقراطي المعارض محمد عبو إن "قرار عودة تمثال بورقيبة لقلب العاصمة غير صائب بالمرة، بل كان أجدى بأصحاب هذا القرار وضع تمثال يخلد أحداث ثورة 14 كانون ثان/ يناير 2011".

طارق القيزاني
الاربعاء 8 يونيو 2016