هل اقتربت الأزمة الخليجية من الحل؟

29/10/2020 - حسن الراشدي - تي ار تي


تركيا تؤرق روسيا وموسكو تعوّض بطهران




-
رهان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في هذا المنعطف من غطرسة سياساته الإقليمية والدولية يقع على عزم الولايات المتحدة على صيانة عضويّة تركيا في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وتحييدها عن محاولات روسيا اختراق الحلف ببيعها منظومة S-400 المضادة للصواريخ الى تركيا. لذلك انه يختال ويتبختر كالطاووس بين ليبيا واليونان وسوريا والعراق، يتكبّر على مجموعة الدول الأوروبية، يتحدّى الدول العربية في عقر دارها، ويحكم تركيا كما يشاء.


 

غطرسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مماثلة في رهانها على الدعم الأميركي القاطع لإسرائيل – بغضّ النظر إن كانت الإدارة جمهورية أو ديموقراطية – لأن الولايات المتحدة تعتبر إسرائيل حليفاً ثابتاً مدلّلاً مهما فعلت. وهذا في رأي نتنياهو يشكّل له تأشيرة مفتوحة على التمادي لمصلحته حتى وإن كان جشعه لا يخدم شعبه على المدى البعيد.
وراء الغطرسة المميّزة لمرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي وجيشه الخاص "الحرس الثوري الإيراني" الرهان على روسيا والصين كشريكين كبيرين في العداء للولايات المتحدة جائِعَين لبسط نفوذهما في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك على شركاء منفّذين للاستراتيجية الإيرانية في دول عربية بوَلاء قاطع لطهران. أما في الدول العربية، فهناك قيادات عربية تبحث عن وسائل إعطاء المنطقة العربية وشعوبها مكانة في موازين القوى الإقليمية، وتوجد قيادات أخرى سخّرت شعوبها ذخيرة لتموضع الآخرين في هذه الموازين.
 
بالتأكيد هناك قيادات عربية متغطرسة وأخرى فاشلة. هناك قيادات ترى أن مصالحها تقتضي تجاهل تضارب المصالح الأميركية والصينية والروسية في عقر دارها وعلى حسابها لأنها لا تثق بمصدر أحادي لحماية أمنها الإقليمي. وهناك أنظمة لا علاقة لها بمعنى القيادة وإنما هي مجرد سلطات للقمع من أجل بقائها في السلطة. كل هذا يضع الشرق الأوسط وحوض المتوسّط في مرحلة دقيقة قد تكون خطيرة إذا أدّت الغطرسة الى أخطاء الغطرسة الخطيرة.
بحسب مصادر مطّلعة على صفقة S-400 بين روسيا وتركيا والتي سبّبت توتّراً في العلاقات الأميركية والأوروبية مع تركيا، هناك محادثات لافتة بين واشنطن وأنقرة وصَفتها المصادر بأنها تعكس البراغماتية الأميركية قوامها "أن الولايات المتحدة جاهزة لأن تشتري من تركيا الـS-400 التي اشترتها أنقرة من روسيا ونحن نعتقد أن S-400 في طريقها الى الولايات المتحدة. في المقابل تعود تركيا الى برنامج طائرات F-35 وتحصل على المنظومة المضادة للصواريخ البديلة عن المنظومة الروسية".

 

المصادر نفسها تقول إن روسيا حصلت على حوالى 800 مليون دولار مقابل الـS-400، فهي ليست خاسرة مادّيّاً، لكن خسارتها الاستراتيجية كبيرة. الكرملين أراد أن يخترق صفوف حلف شمال الأطلسي عبر البوّابة التركية كما أرادت المؤسسة العسكرية الروسية الاستفادة من الشراكة العسكرية مع تركيا للتعرّف الى خفايا أسلحة حلف الناتو. هذا كان في زمن التقارب بعد العداء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأردوغان، قبل أن تنحدر العلاقة الى الحضيض أولاً، في سوريا، ثم في ليبيا.

 

في هذا المنعطف، يبدو أن أردوغان ينتصر على بوتين في سوريا وليبيا معاً، كما في إطار مشاريع الثنائية التي شملت الى جانب صفقة S-400 مشروع أنابيب الغاز الممتدّة من روسيا الى تركيا، Blue Stream. المصادر الروسية أكدت أن روسيا استثمرت حوالى 5 مليارات يورو في هذه الأنابيب قبل أن "تكاد تجفّ" بسبب تعمّد تركيا تخفيض نسبة الغاز من روسيا الى أقل مستوى منذ شهر آذار (مارس). وهذا الأمر يُكلّف روسيا مادّيّاً ومعنوياً.
الصفعة المعنويّة والسياسية والاستراتيجية الأكبر هي صفقة استعادة تركيا الى صفوف الناتو لأهمية ذلك لدى المؤسسة العسكرية الأميركية بصورة خاصة بغضّ النظر عن مستوى التوتر القائم بين تركيا ودول أعضاء في الناتو والمجموعة الأوروبية – أبرزها فرنسا. هذه الصفقة لا تعكس غراماً جديداً بين الولايات المتحدة وتركيا وإنما تعكس البراغماتية الأميركية التي تنظر الى المسألة من منظار إفشال مساعي روسيا لتمزيق حلف الناتو. والكرملين يعرف ذلك.

 

ما تراقبه موسكو وكافّة الدول المجاورة لتركيا والبعيدة منها أيضاً هو احتمال تطوّر المواجهة بين تركيا واليونان الى صدام عسكري خطير سيؤدّي على الأرجح الى اقفال الباب كلياً في وجه عضوية تركيا في مجموعة الدول الأوروبية (EU). غطرسة أردوغان وثقته العارمة بنفسه قد تقودانه الى المزيد من المغامرة العسكرية في حوض المتوسط. وهذا ما يؤرق فرنسا التي تحاول أن تتصدّى للمشروع التركي في ليبيا وعلى المتوسط بالدرجة الأولى، بكل أبعاده النفطية والغازية والاستراتيجية. أما الناتو فإنه سعى الى تخفيض التوتر بين أنقرة وأثينا والجلوس الى طاولة الحوار لاحتواء التوتر في شرق المتوسط.
امتعاض روسيا من تركيا لا يتوقف عند غضب وانزعاج المؤسسة العسكرية من توجّه أنقرة الى الولايات المتحدة أثناء المحادثات بين روسيا وتركيا، وإنما هو أيضاً على المستوى الشخصي للرئيس الروسي الذي يرى أن الرئيس التركي الصديق – العدو قد خدعه وتمكّن من تسجيل نقاط ذكاء عليه Outsmarted him. كما أن التدهور في العلاقة الروسية – التركية ضاعف استعداد موسكو لتوسيع وتوطيد رقعة التحالف مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، داخل سوريا وخارجها.

 

أثناء زيارة وزير الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيراني أمير حاتمي الى موسكو هذا الأسبوع أعلن أنه "بعد انتهاء الحظر التسليحي المفروض على إيران، سنبدأ بعد 17 تشرين الأول (أكتوبر) فصلاً جديداً للتعاون الدفاعي مع روسيا". وأضاف: "لدينا منظومتا أس200 وأس300 الروسية، ويجب أن نجري محادثات بشأن منظومة أس400 للتوصّل الى اتفاق في هذا المجال". وزاد: "لقد أردنا دائماً ان تكون روسيا دولة قوية على الساحة الدولية وفي الإقليم"، مشيراً الى الدور المهم الذي "تؤدّيه كل من إيران وروسيا في المنطقة، لا سيما في سوريا"
ما نقلته المصادر الروسية هو أن موسكو وعدت أنها ستلبّي المطالب الإيرانية عبر بيعها الأسلحة المطلوبة لتمكينها أن تكون "قوّة تهديد حقيقية لكل من لا يوافق معنا"، حسب تعبير الزائر الإيراني الى موسكو الذي نقلته المصادر.

 

لماذا وعدت روسيا تلبية إيران بالسلاح الذي يهدّد أصدقاءً لها في منطقة الخليج وبالرغم من معرفتها المسبقة أن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات مزدوجة عليها وعلى إيران مكبِّلة ومكلفة؟ الأسباب متعدّدة تشمل البُعد السياسي المعني بالهوس الروسي بالوقوف بعضلات منفوخة أمام الولايات المتحدة للقول: لا نخاف ولا نخشى عقوباتكم. السبب الثاني أن السوق الإيرانية تشكّل للصناعات العسكرية الروسية مصدر تعويض جيد عن السوق التركية تقدّره الأوساط المعنية بما بين 2-4 مليارات دولار سنوياً – وهذا في رأيها يعوّض بصورة ما عن الخسائر من العقوبات الأميركية. بالرغم من ذلك، موسكو غير مرتاحة مع نفسها بهذه القرارات لأنها تخاف جداً من العقوبات المالية والاقتصادية الضخمة التي ستفرضها الولايات المتحدة على الدول التي تتعامل مع إيران، عسكرياً أو غير ذلك.

 

موسكو تحاول "التوازن" قالت المصادر بين مصلحتها مع إيران وبين مصالحها مع الدول العربية الخليجية الاقتصادية من جهة، ومصلحتها مع إسرائيل من جهة أخرى، علماً انها علاقات جيدة جداً. ففي مسائل سوريا ولبنان، أن التحالف الروسي – الإيراني واضح تماماً. مصر بالنسبة الى موسكو مهمة استراتيجياً، ودول الخليج العربية مهمّة اقتصادياً، إنما هذا – في رأي الكرملين – أمر، وذلك أمر آخر، بموافقة مصرية وخليجية ضمنية.
الولايات المتحدة تريد تمزيق الموافقة الضمنية لتكون هذه الدول في فريق منع روسيا والصين من توفير إيران بالأسلحة التي هي في نهاية المطاف موجّهة ضد الدول العربية نفسها، أكثر مما هي موجّهة ضد إسرائيل. وهذا كان جزءاً مهمّاً مما حمله وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لإقناع الأصدقاء بأن هذه المرحلة الحرجة تتطلّب الاختيار وليس غضّ النظر. قيام بومبيو بجولته أثناء انعقاد مؤتمر الحزب الجمهوري أبرز الأهمية التي توليها إدارة ترامب للمسألة الإيرانية بأبعادها الدولية والإقليمية أيضاً.

 

ما تقوله المصادر الأميركية هو أن كل من يتصوّر أن الولايات المتحدة غائبة عن الساحة الإقليمية وأن إدارة ترامب مكبّلة بالانتخابات الرئاسية سيكون أمام صدمة توقظه قريباً، وأن كل من يعتقد أن أميركا كلام بلا أسنان، يجب أن يتوقع "العضّة" Bite بأنياب حادة
ما هو جليّ الآن أن كل الساحات مفتوحة على الصراعات والمواجهات، المباشرة منها وتلك بالنيابة. التطورات المخيفة في العراق أو سوريا أو في لبنان قد توحي أن انتصار "الحرس الثوري الإيراني" وأذرعته بات محسوماً بالذات لأن روسيا والصين شركاءٌ له في تحالفات ميدانية.

 

هكذا يبدو الأمر الآن. انما مهلاً. فالولايات المتحدة ليست في سبات كما يتهيّأ لحرّاس الثورة الإيرانية في إيران ولوكيلهم "حزب الله" في لبنان. فحتى العرّاب الروسي والصيني في غاية القلق لأنه يفهم مدى نفوذ وقوة الولايات المتحدة عندما تقرر معاقبة أعدائها بالعقوبات اللاذعة وإقناع أصدقائها بأن الثلاثي الروسي- الصيني- الإيراني بات يشكّل محور خطرٍ على منطقة الخليج والشرق الأوسط وعلى المصالح الأميركية فيها. عندئذ قد يستفيق رئيس الكرملين قليلاً وكذلك الرئيس الصيني المُثقل بالحزب الشيوعي الحاكم بالاستبداد والعازم على بسط نفوذه في الشرق الأوسط على حساب الشعوب العربية.
--------
النهار

راغدة درغام
الخميس 3 سبتمبر 2020