تهميش فلسطين




صار واضحا أن القضية الفلسطينية سوف تشهد مرحلةً جديدةً مختلفةً عما واجهته على مدى تاريخها. ومن دون مبالغة، هناك مؤشرات متسارعة إلى أنها تدنو من أكثر اللحظات صعوبة، تراجعت فيها الخيارات إلى الصفر. وما يجري من مخطّطات علنية، فإن هدفه أخذ القضية إلى ما دون الصفر. وكان تصريح السفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، عن مخطط لتغيير القيادة الفلسطينية الحالية غاية في الوقاحة، ولم يسبق لمسؤول أميركي رفيع المستوى أن أدلى بتصريح كهذا، وبشكل علني، ما يعني أننا لسنا بعيدين عن الانتقال إلى تنفيذ المخطط، والذي يبدأ، حسب تصريحه، باستبدال رئيس السلطة محمود عباس (أبو مازن) بالقيادي المفصول من حركة فتح، محمد دحلان، الذي يعمل مستشارا لولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، وتربطه علاقات وثيقة بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية والأميركية.


يوم الثلاثاء الماضي، وقّع ممثلو ست دول تطل على ساحل البحر المتوسط، في القاهرة، اتفاقية لتحويل منتدى غاز شرق المتوسط إلى منظمة إقليمية تضم إسرائيل، بينما غابت فلسطين التي كانت ممثلة في السابق في المنتدى من خلال ممثل للسلطة الفلسطينية. وقال مصدر فلسطيني، لوكالة الأناضول: "لم نشارك في التوقيع تنفيذا لقرار القيادة الفلسطينية قطع الاتصالات مع إسرائيل". وفي اليوم نفسه، قررت دولة فلسطين التخلي عن حقها في ترؤس مجلس جامعة الدول العربية في دورته الحالية، بسبب ما قال وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، إنها "فاجعة ضربت الجامعة العربية، وبسبب الهرولة غير المسبوقة نحو التطبيع"، مشدّدا على أن قرار السلطة لا يعني الانسحاب من الجامعة.

يبدو في الحالين أن القرار صادر عن القيادة الفلسطينية، في عدم حضور حفل توقيع منظمة غاز المتوسط والتنازل عن رئاسة دورة جامعة الدول العربية. ويطرح هذا التصرّف من صاحب القرار أسئلة كثيرة عن الجدوى السياسية من الموقفين، وإلى أي مدىً يخدمان قضية فلسطين في هذه اللحظة، سيما وأن كل ما تقوم به إسرائيل والولايات المتحدة يهدف إلى تهميش فلسطين، تمهيدا لشطبها من الخريطة الدولية. وبالتالي، فإن تطوع القيادة الفلسطينية لإخلاء المكان يصب، من دون قصد، في صالح الهدف الأميركي الإسرائيلي. وقديما، خاضت منظمة التحرير الفلسطينية نضالا طويلا كي تضع نفسها على الخريطة، وكان فتح مكتب للمنظمة في أي بلد كان، والحصول على الاعتراف بها، يعد إنجازا سياسيا لقضية فلسطين.

ويخشى المرء أن تكون حسابات القيادة الفلسطينية غير مدروسة جيدا، وأنها متسرّعة، وتصدر ردود أفعال. وفي هذه الحالة، ستكون نتائج ذلك كارثيةً على نحو ما حصل في الاجتماع أخيرا لمجلس وزراء الخارجية العرب، حين طرحت السلطة الفلسطينية مشروع قرار على المجلس يدين الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، ولكنها لم تنجح في الحصول على تأييد من المجلس، ولو أنها درست الموقف جيدا، لكان في وسعها أن تتجاوز هذه النقطة، وهي تعرف حجم الضغط المسلط على الدول العربية من الولايات المتحدة. ومع ذلك، خاضت معركة استصدار موقف يؤثر على قرار الإمارات، وكانت النتيجة عكسية، لأن أقليةً عربيةً صوّتت إلى جانب فلسطين، والأغلبية تخاف من رد الفعل الأميركي، وهناك مجموعة دول ليست مؤيدةً لتطبيع الإمارات، وآثرت الصمت، لأنها لا تريد إغضاب أميركا.

تؤكّد المعطيات كافة على أننا في البداية، وتملك الولايات المتحدة من أوراق الضغط الكثير، ولن تتأخر في استخدامها من أجل تعميم الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي على عدد
أكبر من الدول العربية والإسلامية، في وقتٍ لا تملك السلطة الفلسطينية سوى ورقة الشارع الفلسطيني التي يمكن لها أن تقف في وجه الحصار والتهميش
-------------
العربي الجديد


بشير البكر
الجمعة 25 سبتمبر 2020